الرئيسية / أخبار / أوهام العثمانيين الجدد: تركيا “أم الدنيا” ونحن أصل لغات العالم

أوهام العثمانيين الجدد: تركيا “أم الدنيا” ونحن أصل لغات العالم

أوهام العثمانيين الجدد: تركيا “أم الدنيا” ونحن أصل لغات العالم

لا ضير من أن تتبرأ من ماضي قومك وتتنصل من تراث أجدادك، طالما أن العار ملازمك وحدك، فيما المأساة الحقيقية والمضحكة أن تردف ذلك بسطو مفضوح على تراث الغير وسرقة مكشوفة لماضي الآخرين.
ما وقع من قادة الجمهورية التركية في ثلاثينيات القرن العشرين ينطبق عليه ما سبق بدقة، إذ لم يكتف المؤسس مصطفى كمال أتاتورك بالتخلص من التراث العثماني الطويل الذي صنع هوية الأناضول طوال 6 قرون متواصلة، بل تخطى ذلك إلى “اختراع” ماض جديد للدولة الناشئة، وللشعب الناطق بالتركية الذي تضمه جنباتها.
في “الماضي المخترع” عمد أتاتورك إلى استخدام مجموعات من الأكاديميين المتخصصين في التاريخ والأنثروبولوجيا واللسانيات، لصياغة نظريات زائفة ارتقت بالعرق التركي من “الشعب الرعوي” إلى مرتبة “صانع الحضارات”، وارتفعت بلغته من “متقمصة” لأبجديات الحضارات المجاورة في الصين ثم الشرق الأوسط، إلى “أم” انبثقت عنها لغات العالم الأخرى. الحية منها والمندثرة.

تاريخ مزيف
أتاتورك أطلق الشرارة الأولى لمشروعه الأيديولوجي في ثلاثينيات القرن الماضي، ومنحه طابعا مؤسساتيا من خلال إقامة مجموعة من المعاهد العلمية، التي لم يعد لها هدف سوى رسم التحولات العميقة على أصعدة: التاريخ والدين واللغة التركية.
الجمعية التاريخية التركية الناشئة عام 1931 كانت على رأس الحربة في خطة أتاتورك، ومنذ المؤتمر الأول الذي أقامته، قدم المؤرخون فيها حزمة أوراق بحثية، خرجت بنتائج تنفي عن الأتراك الهمجية والبربرية التي التصقت بهم في القرون العثمانية، وتذهب بشكل معكوس إلى أن العرق التركي بعد خروجه من مساكنه في أواسط آسيا في فجر التاريخ، أصبح الباني الحقيقي للحضارات الإنسانية الكبرى في الصين والعراق وآسيا الصغرى ومصر.

نتائج الجمعية -أو بالأحرى أكاذيبها- كانت منقطعة الصلة بالعلم من الوجوه كافة، لها أغراض سياسية تتعلق برغبة أتاتورك في تأصيل وجود الناطقين باللغة التركية في آسيا الصغرى والأناضول إلى أبعد من الغزو السلجوقي في القرن الحادي عشر الميلادي، ما كان يخدمه في مواجهة اليونان المطالبة بحقها التاريخي في الأناضول.
الأتراك منحوا -في المؤتمر التاريخي بضربة واحدة- آلاف السنين من الحضارة والتاريخ، فيما ظل أمرا ما ناقصا في نظر أتاتورك لإكمال الخريطة المتخيلة لـ”تركيا الحديثة”، يتصل باللغة التي أتى تغييرها الجذري على رأس أولويات الجمهورية الناشئة.

نظرية لغة الشمس
اللغة التركية بشكلها العثماني القديم المكتوب بحروف عربية تناقض مع رغبة أتاتورك في الانخلاع الكامل عن أي جذور شرقية لدولته، لذلك أعلن عن عزمه منذ البداية تحويلها إلى لغة متحفية واستبدالها بأخرى لها أبجدية لاتينية، مع التخلص من كافة التأثيرات المتراكمة عليها من العربية والفارسية.
مثلما كان الكذب والزيف العلمي الوسيلة التي استولى بها الأتراك على تاريخ ليس لهم، فإنهما أعطا اللغة التركية مكانة لم يحلم أجدادهم القدماء بالنظر إليها يوما.
في مؤتمر التاريخ الثاني في أنقرة عام 1932، قدم كلا من الباحثين التركيين حسن رشيد تانكوت وإبراهيم نجمي ديلمين نظرية أطلقا عليها اسم “لغة الشمس”، ادعا فيها أن التركية اللغة الأم التي انبثقت عنها كل اللغات العظيمة الأخرى.
النظرية كانت إعادة ترديد لأخرى قال بها أول مرة وزير الحربية في حكومة الاتحاد والترقي، الطوراني المتطرف “أنور باشا” في عام 1917، لكنها لم تكتسب وقتها أي شعبية، بسبب أنها كانت بالنسبة للنخبة العثمانية “راديكالية أكثر من اللازم” خاصة في مسألة التخلص من الحروف العربية.
أما في الثلاثينيات -بعد خلو الساحة في تركيا للأيديولوجية القومية المتطرفة- فقد كان يسيرا على أتاتورك أن يمنح حياة جديدة للنظرية التي كان يتعبد بها كهنة عبادة الشمس في أواسط آسيا خلال عصور ما قبل التاريخ، زاعما أنه أول اللغات في العالم، وأن اللغات العظيمة الأخرى مثل العربية والفارسية والفرنسية إنما انبثقت في الأصل عنها.
نظرية “لغة الشمس” تدعى أنه منذ استعمار الأتراك آسيا الوسطى، التي توصف في دراساتهم بـ”مهد الحضارة!”، كانت اللغة التي ابتكرها كهنة عبادة الشمس الأتراك أول لغة يتحدث بها الإنسان.
بعد الجفاف الذي ضرب مناطق الإستبس، اضطرت القبائل التركية إلى الهجرة غربا، واستقروا جنوب العراق وأسسوا حضارة “سومر” صاحبة أقدم لغة مكتشفة حتى اليوم، ومن السومرية -التركية حسب زعمهم- تفرعت كل ألسنة العالم إلى اليوم.

مؤتمر “خيبة الأمل”
في نهايات عام 1936 عقد معهد اللغة -المقام لنفس غرض الجمعية التاريخية- مؤتمر اللغة التركية في أنقرة، مخصصا إياه بالكامل لتقديم أوراق بحثية تعمق من “نظرية الشمس”، وتمت دعوة مجموعة كبيرة من علماء التركولوجيا -الدراسات التركية- وكذلك أعلام الاستشراق.
الغرض الأساسي وراء استقدام أولئك الأخيرين إلى المؤتمر الحصول على “اعتراف أكاديمي غربي” بالنظرية، لكن على عكس المخطط، رفض المستشرقون منح “نظرية لغة الشمس” دعمهم.
وفقا للباحث الكر أيتورك، فإن بعض المشاركين الأوروبيين شعروا بالخديعة بعد أن ظنوا أن استقدامهم بغرض إلقاء محاضرات على تلاميذهم من الباحثين الأتراك، فوجدوا أنفسهم مجبرين على شرعنة “الكذب باسم العلم”، وكان بعضهم دبلوماسيا ووعد بالإجابة عن رأيه في النظرية الجديدة فور العودة إلى بلده، ما لم يحدث أبدا.
من بين المشاركين الأوروبيين من امتلك من الجرأة لسؤال الأكاديميين الأتراك حول مدى “علمية” نظرية الشمس المزعومة، خاصة في مسألة الربط بين التركية والسومرية، إذ أن خلافا جوهريا أكد عليه علماء اللسانيات في الغرب بين الأخيرة وبين اللغات المنتمية إلى عائلة “الهندو جرمانية” التي تعتبر الأولى نفسها جزءا منها، أو حتى اللغات السامية، وبطبيعة الحال، لم يُرد على أي من الأسئلة التي اتهمت باحثين أنقرة صراحة بالزيف.
انتهى المؤتمر إلى خيبة أمل كبيرة، فيما أصر أتاتورك على أن “نظرية لغة الشمس” جزءا أصيلا من السياسة الثقافية التركية، حتى وإن كتب عليها البقاء قيد الدوائر المحلية فقط.

تتريك الإسلام وإلغاء الآخر
أتاتورك استخدم النظرية في ما أسماه تنقية اللغة التركية من شوائب العربية والفارسية التي لحقت بها على مر القرون، بالإضافة إلى تتريك “الشعائر الدينية الإسلامية، بفرض تلاوة القرآن والآذان في المساجد بالتركية.
استخدمت النظرية للتأكيد على ارتباط الأتراك بالحضارة الحيثية القديمة في آسيا الصغرى، وهو ربط كان المؤرخون القوميون اخترعوه بالكامل في المؤتمر التاريخي لتأصيل الوجود التركي في الأناضول قبل اليونانيين.
كذلك استخدمها مؤسس الجمهورية للتوكيد على “واحدية” الدولة التركية، ونفي وجود أي إثنيات فيها غير الأتراك، فما دامت هي أم اللغات كلها، فإن من وصفوا بالأقليات هم في الأصل أتراك، وقد استفادت الحكومة من تلك النقطة بشدة في عمليات التهميش السياسي والثقافي الكامل للأكراد.
ظلت المناهج الدراسية في تركيا تقدم نظرية لغة الشمس في كافة المراحل التعليمية المختلفة على أنها حقيقة علمية مفروغ منها، ولم يجر التوقف عن ترديدها رسميا إلا بوفاة أتاتورك عام 1938، وقيام الحرب العالمية الثانية في العام التالي.

الخرافة مستمرة
التوقف لم يعن التخلي ببساطة عن النظرية ذات الأثر المدمر، فبعد عقود طويلة من تقلب التيارات السياسية المختلفة على حكم أنقرة، من الديمقراطيين، إلى القوميين، إلى الإسلاميين، مرورا بالانقلابات العسكرية المختلفة، فإن لغة أهل الشمس إلى جانب نظرية “الأتراك بناة الحضارة”، تبدو قادرة إلى اليوم الحاضر على الوجود في الخطاب التركي سياسيا وأكاديميا.
ففي عام 2000 على سبيل المثال، أصدر مهندس بترول تركي متقاعد يدعى صلاحي ديكير كتابا باللغتين التركية والإنجليزية يحمل عنوان “والعالم بأسره كان لغة واحدة: عشرة آلاف عام من الأتراك”.
في الكتاب، ردد ديكير نفس الخرافات العلمية المختلقة في ثلاثينيات القرن العشرين، بل أضاف إليها إنجازات جديدة للعرق التركي، تجعله الساكن الأصلي للأمريكتين قبل الاكتشاف الأوروبي، كما تعزو إليه وضع الأديان الكتابية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام.

كاتب قومي متطرف آخر يدعى محمد كرد كايا، يطرح إلى اليوم مؤلفات على موقع أمازون تتمحور حول محاولات بائسة لإثبات صحة نظرية لغة الشمس، إضافة إلى الربط بين الحضارة السومرية، بل وكل الحضارات التي عرفها الإنسان يوما بالعرق التركي.

كايا تكفى عناوين كتبه لبيان فحواها في مخطط العثمانيين الجدد للهيمنة على التراث الحضاري للشعوب الأخرى: “إثبات نظرية لغة الشمس.. مولد اللغات والحضارات”، “اللغة الإنجليزية كانت تركية.. الجذور السومرية للغات الهندو جرمانية”، “السومريون الأتراك.. رحلة الحضارات من سيبيريا إلى أرض الرافدين”، “أصول أثينا القديمة والاتروسكيين وروما القديمة”.
المصادر :
1 – الكر آيتورك، ه.ف. كفيرجيتش ونظرية لغة الشمس
2 – تعريف مختصر لنظرية لغة الشمس من موقع انسكلوبيديا
3 – مدونة محمد كردكايا باسم “نظرية لغة الشمس”
4 – تعريف بالحضارة السومرية
5 – اجناس ج. جيلب، مادة “اللغة السومرية” في بريتانيكا
6 – مقدمة مختصرة عن الجامعة الطورانية

مصدر : عثمانلي