الرئيسية / أخبار / “نيويورك تايمز”: إعادة انتخابات إسطنبول تدمر اقتصاد تركيا

“نيويورك تايمز”: إعادة انتخابات إسطنبول تدمر اقتصاد تركيا

“نيويورك تايمز”: إعادة انتخابات إسطنبول تدمر اقتصاد تركيا

تكلُفة باهظة تنتظر رجب إردوغان، بعد قراره الهمجي بإعادة الانتخابات في إسطنبول، حيث ساهم القرار في مضاعفة مخاطر الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا منذ أغسطس 2018، إذ لا تملك حكومة العدالة والتنمية حلولًا جذرية، وتلجأ إلى إجراءات تزيد الأزمة تعقيدًا.

صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية ذكرت في تقرير أخير لها (الجمعة الماضية)، أن إردوغان الذي استمات من أجل إعادة الانتخابات في إسطنبول بعد خسارة حزبه وفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو بها، قد يرتد الأمر إليه مع هروب الاستثمارات الأجنبية وانهيار العملة المحلية، وسط تغليب لمصالحه السياسية والشخصية على مصالح بلاده من أجل استعادة السيطرة على المدينة التي تعتبر أهم قاعدة لسلطته ومكانته.

الحكومة التركية أنفقت مليارات الدولارات لتعزيز عملة البلاد المتدهورة طوال العام الماضي ودعم مرشحيها، حتى قبل أن تتخذ السلطات التركية الخطوة الاستثنائية الأخيرة المتمثلة في إلغاء فوز مرشح المعارضة والمطالبة بإجراء انتخابات جديدة لرئاسة بلدية إسطنبول.

منذ الأسبوع الماضي، وفي الوقت الذي يشعر فيه المستثمرون بالقلق إزاء الاضطرابات السياسية، تنفق الحكومة في بعض الأحيان مليار دولار يوميًا لدعم الليرة المتهاوية، فضلاً عن تعزيز السمعة المتلاشية حول إردوغان بأنه لا يُقهر، وهو الذي عمد إلى تقليص الحريات المدنية وفصل المعارضين السياسيين وسجنهم بعد مسرحية الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016 وفرض سيطرته على الصحافة الحرة.

مصالح إردوغان أولًا
بينما كان تركيز إردوغان على تمكين نفسه سياسيًا، فإنه اتبع حيلا اقتصادية بالغة في السوء؛ فعمل على الحفاظ على النمو الاقتصادي الظاهري، لكن الأزمة ظهرت لاحقًا، وبالنسبة للعديد من الأتراك والمستثمرين الأجانب، يشكل الإنفاق على دعم الليرة التركية أحدث الأمثلة على تغليب إردوغان لمصالحه السياسية والشخصية على مصالح بلاده.

الصحيفة الأمريكية تتوقع ألا تنجح حكومة إردوغان في تفادي الأزمة الاقتصادية قبل انتخابات الإعادة في إسطنبول المقرر إجراؤها في 23 يونيو المقبل، ويخشى الكثيرون من أن البذخ في الإنفاق سيزيد من احتمال حدوث انهيار قد تتجاوز تداعياته تركيا إلى حد كبير، مع وجود ديون بالمليارات على أنقرة لصالح البنوك الأوروبية.

الليرة التركية خسرت 30% من قيمتها العام الماضي، وانخفضت بنسبة 14% حتى الآن خلال العام الجاري؛ فيما جاءت هزيمة حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في الانتخابات البلدية في إسطنبول في 31 مارس الماضي لتؤكد أن الدعم الذي يحظى به الحزب بزعامة إردوغان تضاءل بسبب الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة المحلية.

لا مؤيدين
قبل الهزيمة، استخدم إردوغان ميزانية الحكومة والبنك المركزي والبنوك التي تسيطر عليها الحكومة للحد من خسائر العملة وتدارك أزمة الديون، وحتى لدفع تكلفة بناء الأكشاك التي تبيع الخضروات المدعومة أملاً في كسب دعم الناخبين لصالح حزبه؛ غير أن خبراء الاقتصاد حذروا من أن الإجراءات الاقتصادية التي استخدمتها الحكومة للحفاظ على دعم الناخبين من الطبقة العاملة بدأ يتراجع، ويبدو من غير المرجح أن يستمر حتى 23 يونيو المقبل، وفق “نيويورك تايمز”.

خبراء الاقتصاد يرون أن قرار إلغاء نتائج انتخابات إسطنبول، الذي اتخذته اللجنة العليا للانتخابات التابعة لإردوغان، ربما يأتي في نهاية المطاف بنتائج عكسية على الرئيس التركي من خلال تعميق الأزمة الاقتصادية التي أدت في البداية إلى خسارة نفوذه في إسطنبول في المقام الأول.

أتيلا يشيلدا، الخبير الاستشاري لدى مؤسسة “جلوبال سورس بارتنرز” قال عن الناخبين “لقد صوّتوا لأن الأوضاع الاقتصادية تتدهور”، في إشارة إلى الأتراك الذين تحولوا إلى المعارضة، مضيفًا: “والآن ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءًا”؛ ما يعني تصويت عقابي أشد خلال انتخابات الإعادة في العاصمة الاقتصادية لتركيا (إسطنبول).

ياسين شاهين أوغلو، الذي يمتلك متجرين للأحذية في أحياء أتيلر ونيشان تاشي الراقية في إسطنبول، يؤكد تضرره من الأزمة الاقتصادية ومن قرارات ديكتاتور أنقرة ولجنته الانتخابية، مشيرًا إلى أن المبيعات تقلصت بمقدار النصف في الأيام التي تلت الإعلان عن قرار إلغاء نتائج الانتخابات.

مبيعات تاجر الأحذية انخفضت قبل ذلك بنسبة 60% في 2018، بعد حدوث الأزمة، فيما “يشعر الجميع بالقلق بشأن المستقبل، لذا فهم يفضلون الاحتفاظ بالمال في جيوبهم”، حسب كلامه.

فشل تاريخي
دورموش يلماز، الرئيس السابق للبنك المركزي التركي والمؤسس المشارك لحزب “الخير” المعارض، نبه إلى إنه مرّ 20 عامًا على الأقل منذ أن نفذ المسؤولون في الدولة محاولة مماثلة لما يقوم بها إردوغان لدعم الليرة، وأتت بنتائج عكسية آنذاك.

يلماز الذي أمضى 32 عامًا في البنك المركزي، لخص الوضع الحالي بقوله: “لقد رهنت تركيا مستقبلها”؛ في إشارة إلى أن سياسات الرئيس التركي تأخذ البلاد إلى منحنى آخر أكثر خطورة.

تراجع صافي احتياطيات البنك المركزي التركي منذ سبتمبر الماضي، في الوقت الذي سعت فيه الحكومة إلى تعزيز الليرة. وبلغت احتياطيات العملات الأجنبية 74 مليار دولار في نهاية مارس الماضي، بانخفاض قدره 5% عن فبراير الماضي، وفقًا لأرقام البنك المركزي.

بارت هورديك، محلل السوق لدى شركة “مونكس أوروبا” لتداول العملات، قال في مذكرة للعملاء الأسبوع الماضي: “يبدو أن هناك شكًا فيما إذا كان صندوق الاحتياطيات الأجنبية التركي قويًا بدرجة كافية للوقوف في وجه أي شيء يشبه انهيار العملة”.

ومنذ مارس الماضي، قال المحللون إنهم وجدوا تضاربًا في أرقام البنك المركزي حول الاحتياطيات المحلية، وفقًا لما ذكرته سيلفا ديميرالب، أستاذة الاقتصاد بجامعة “كوتش” في إسطنبول، مضيفة أنه لم يسبق للحكومة وأن أخفت أفعالها بهذه الطريقة.

ديميرالب أشارت إلى أنه طُلب من رئيس البنك المركزي التركي أن يوضح أسباب تضارب أرقام الاحتياطات المحلية في مؤتمر صحافي عُقد في 30 أبريل الماضي، لكنه لم يستطع ذلك، معتبرة أن المسؤولون “يرغبون في خلق الانطباع بأن الليرة قوية بما فيه الكفاية”.

إذا كانت احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي تتراجع، ولم يعد بالإمكان دعم الليرة في الأسواق المالية، فمن الممكن أن يواجه الاقتصاد التركي انهيارًا حقيقيًا.

أزمة عملة
“أكسفورد إيكونوميكس”، وهي شركة استشارية في لندن، صنفّت تركيا بعد الأرجنتين مباشرة في قائمة الدول التي من المحتمل أن تشهد أزمة عملة.

البنك المركزي، قال في بيان صدر في 30 أبريل الماضي، إن تراجع احتياطي العملات الأجنبية كان مؤقتًا، وأن الاحتياطيات ستتعافى نظرًا لأن الليرة الأرخص أدت إلى جعل قضاء العطلات في تركيا والصادرات التركية أكثر إغراءً. وردًا على أسئلة مكتوبة، لم يظهر البنك المركزي أي علامات على التراجع عن إنفاقه لتعزيز العملة.

بيان البنك جاء فيه: “سنواصل اللجوء إلى جميع الوسائل المتاحة من أجل استقرار الأسعار”، كما تعهد بأن ينخفض معدل التضخم إلى 5.4% في نهاية العام 2021، حيث يبلغ حاليًا نحو 20%.

رغم ذلك، تتجلى بالفعل بعض المؤشرات على الانهيار الاقتصادي، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع القروض المعدومة وإفلاس الشركات، فضلا عن انهيار ثقة المستثمرين الأجانب، وهو ما يظهر بوضوح في هبوط الليرة.

أموال المستثمرين هي التي حققت طفرة في الاقتصاد التركي في وقت سابق ورفعت معدلات النمو، إذ جذبتهم أسعار الفائدة المرتفعة في تركيا؛ لكن هذا لم يعد متاحًا حاليًا، إذ تعد الليرة المتهاوية علامة على أن المستثمرين الأجانب يبتعدون عن بلاد إردوغان. وتتجلى آثارها بشكل حاد بين الشركات والبنوك التركية التي تُقدر ديونها بالدولار، وبالتالي يصبح من الصعب سدادها في ظل انخفاض قيمة الليرة.

رئيس لا يبالي
وكالة “فيتش للتصنيف الائتماني” تشير في تقاريرها إلى أن البنوك التركية بحاجة إلى تحويل ما يصل إلى 45 مليار دولار في شكل قروض يجب سدادها بالدولار. ومع ذلك، لا يكترث إردوغان على ما يبدو بمؤشرات الأزمة الاقتصادية. فقد كان شن حملة في نهاية الأسبوع الماضي، وتجول على متن ترام أحمر قديم في شارع التسوق المزدحم في إسطنبول مصافحا مؤيديه؛ متشبهًا بأكرم أوغلو الذي فاز على حزبه في انتخابات إسطنبول ويأمل في تحقيق انتصار ثاني في الانتخابات المعادة.

مع ذلك، لا يبدو أن إردوغان، الذي عقد العزم على استعادة نفوذه على إسطنبول، مستعدًا لإجراء تغيير جذري من الناحية الاقتصادية، فقد تعهد الأسبوع الماضي بإجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية، لكنه قطع مثل هذه الوعود من قبل. وقال الخبراء الاقتصاديون إن حكومته لا تعالج المشكلات الجذرية.

المشاكل التي تواجه حكومة العدالة والتنمية تتمثل في الاعتماد المفرط على القروض الأجنبية، وإنفاق الكثير من الأموال على مشاريع البناء وتقليص الإنفاق على المدارس والجامعات التي تعتبر ضرورية لبناء قوة عاملة أكثر مهارة.

حتى الأعضاء الساخطين في حزب “العدالة والتنمية” أكدوا أن رئيسهم ابتعد عن الإدارة الاقتصادية السليمة التي تجلت في بداية فترة حكمه، إذ كتب أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق الذي كان حليفًا وثيقًا لإردوغان، مؤخرًا أن “الثقة في البيانات الصادرة في القرارات المتعلقة بالاقتصاد أمر لا غنى عنه. ولسوء الحظ، أدت بعض السياسات الأخيرة إلى هز تلك الثقة”.

غياب الرؤية
بدوره، انتقد بهادير كاليغاسي، الأمين العام لجمعية “رجال الأعمال والصناعيين الأتراك” الإجراءات الحكومية وقال “نحن نطلب تبني سياسة نقدية وميزانية أكثر تشددًا وسياسة متماسكة للتصدي لارتفاع معدل التضخم”، مضيفًا أن المهم إجراء إصلاحات لسيادة القانون وتحسين العلاقات مع أوروبا.

أما تشارلز روبرتسون، كبير الخبراء الاقتصاديين العالميين لدى بنك “رينيسانس كابيتال” الاستثماري الذي يركز على الأسواق الناشئة فأكد “يمكن للأنظمة والبنوك المركزية أن تتدبر أمورها دائمًا في وقت أطول؛ لكن إردوغان يعطي الأولوية للسياسة على الاقتصاد، ونطاقه لتحقيق ذلك يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم. ولا يزال يتوجب عليه سداد الديون”.

المحللون يجمعون تقريبًا على أنه “من غير المرجح إحداث تغيير حقيقي، في الوقت الذي يتجاهل فيه إردوغان المشاكل الاقتصادية ويحاول فقط جذب الناخبين في إسطنبول”. وفي العموم تواجه تركيا حاليًا قضايا أكثر إلحاحًا، وهي إلى أي مدى سيظل الاقتصاد متماسكًا وما الذي سيحدث عندما تزداد الأوضاع الاقتصادية تدهورًا؛ حسبما تتساءل “نيويورك تايمز”