الرئيسية / أخبار / احتجاب الديكتاتور .. إردوغان يخشى من ضياع هيبته في معركة إسطنبول

احتجاب الديكتاتور .. إردوغان يخشى من ضياع هيبته في معركة إسطنبول

احتجاب الديكتاتور .. إردوغان يخشى من ضياع هيبته في معركة إسطنبول

اشتهر رجب إردوغان طوال فترة وجوده على الساحة السياسية، بأنه لا يكاد ينتهي من معركة كلامية حتى يبدأ معركة كلامية أخرى، إلا أنه أخيرًا وبعد سنوات طوال يبدو أنه تعلم أنه خسر كل معاركه، وأن شعبيته “الواهية” لم تكن سوى مجرد إيحاء بالنجاح، فَعمد إلى التخفي، خصوصًا بعد أن تسببت تصريحاته الهوجاء في خسارة حزبه لأهم المدن وهي إسطنبول.
إردوغان أدرك أخيرًا أن ظهوره المكثف وخطاباته الشعبوية التي كانت في الماضي تستقطب المزيد من المؤيدين، أصبحت الآن تفض عنه الكثيرين، وتقلل تدريجيا من المناصرين والمؤيدين له ولحزبه الحاكم “العدالة والتنمية”.

تصريحات إردوغان، دائمًا ما تعود بالضرر البالغ على الاقتصاد المحلي، فتركيا تعيش أزمة اقتصادية ومالية خطيرة وعلاقات متأزمة مع الولايات المتحدة تحتاج حلولا عاجلة وليس خطابات ارتجالية في حشود لا تجني منه سوى الكلام ومزيد من الكلام.

لا يمكن تجاهل ما يحدث لليرة، العملة الرئيسية للبلاد، كلما يخرج إردوغان للجماهير بخطاب شعبوي جديد في الفترة الأخيرة، فعلى سبيل المثال، تسببت تصريحات الرئيس التركي بشأن شراء منظومة الصواريخ الدفاعية S-400 أول أمس الأربعاء، في ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية، بنسبة تقترب من الـ16%، ليصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة إلى ما بين 6.784، 6.789 مساء أول أمس الأربعاء ، ثم عاد لينخفض إلى المستوى الذي يقترب من 5.85 فى الساعة العاشرة من صباح أمس الخميس.
كما لا يمكن التغاضي عن مسئوليته المباشرة في خسارة مرشح العدالة والتنمية ورئيس الوزراء والبرلمان السابق بن علي يلدريم، مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، أمام أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض في انتخابات البلدية في 31 مارس الماضي، حيث ساهمت حملاته ولقاءاته الجماهيرية في إسطنبول لدعم يلدريم، وتدخله السافر في الانتخابات، وعدم التزامه بدوره الدستوري والقانوني كرئيس للجمهورية، بالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في أي انتخابات تشهدها البلاد، في زيادة شعبية أكرم إمام أوغلو، مما تسبب في خسارة يلدريم، قبل أن يتدخل إردوغان مجددا ليضغط على اللجنة العليا للانتخابات من أجل إعادة التصويت على مقعد رئاسة البلدية الكبرى بإسطنبول، وهو ما حدث فعلا، وحددت اللجنة يوم 23 يونيو الجاري موعدا لإعادة التصويت، وهو الأمر الذي صب في مصلحة إمام أوغلو مجددا، وزاد من شعبيته، وساهم في زيادة الاحتمالات بخسارة جديدة ليلدريم، لذا قرر إردوغان أن يختفي من المشهد تماما.

انهيار شعبيته
ما يؤكد أن إردوغان أصبح مدركا تماما لانهيار شعبيته، ما كشفه ثلاثة مسؤولين أتراك في تصريحات خاصة لوكالة بلومبيرج الأمريكية، وهو أن الرئيس التركي تراجع عن خططه للقيام بحملة انتخابية نشطة لحزبه الحاكم في جولة إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول، خشيةً أن يتسبب ذلك في خسارة مرشح العدالة والتنمية، بن علي يلدريم.
وأضاف المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظرًا لحساسية المعلومات، أن إردوغان تخلى عن عزمه لتنظيم عشرات التجمعات الحاشدة في إسطنبول، المركز التجاري لتركيا، قبل إعادة الانتخابات المحلية يوم 23 يونيو، لصالح دعم الحملة التي يقودها يلدريم.
كما أشار المسؤولون الثلاث إلى أن الرئيس التركي سمح لمرشحه، وهو رئيس الوزراء التركي السابق، بحضور أول مناظرة سياسية تلفزيونية بين المرشحين لرئاسة بلدية إسطنبول منذ عقدين.
قال المسؤولون أيضًا إن إردوغان غيّر إستراتيجيته بعد أن خلص مسؤولو حزب العدالة والتنمية إلى أن هيمنة الرئيس التركي على المشهد خلال الحملة السابقة ليلدريم، وإصراره على أن يكون طرفا في الصراع، جاء في صالح مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، أكرم إمام أوغلو.

هروب إردوغان
تفاصيل أكثر وضوحا كشف عنها تقرير صوتي “فويس أوفر” نشرته صحيفة يني شفق التركية، والذي كشف أيضا أن قرار تراجع رئيس الجمهورية التركية، إردوغان عن النزول للساحة والظهور في الحملة الانتخابية ليلدريم، مع بدء العد التنازلي لانتخابات بلدية إسطنبول المقرر عقدها في 23 يونيو الجاري، تم صناعته على مراحل داخل الدائرة الضيقة جدا في حزب العدالة والتنمية الحاكم.
ففي البداية وبعد أيام قليلة من قرار إعادة الانتخابات في بلدية إسطنبول، كشف الحزب عن برنامج مكثف من اللقاءات الجماهيرية لإردوغان، لكن بعد عدد من الجلسات للتشاور جمدوا البرنامج دون ذكر أسباب، حتى صدرت قرارات جديدة مؤخرا تؤكد أن دائرة صُنع القرار في تركيا تراجعت عن تنفيذ البرنامج برمته، وإلغاء الفكرة تماما.
وأشار التقرير الصوتي إلى أن أحد الأشخاص البارزين في الحزب الحاكم تحدث للصحافي بالجريدة محمد أجيت، قائلا: “قررنا أن نتحرك بهذا الشكل.. الرئيس لن يشارك في الحملة، لأنه إذا فاز أحد في هذه الانتخابات سيكون بن علي يلدريم، لذا إذا خسر أحد لابد أن يكون هو أيضا”.
وأضاف: “يحاول حزب الشعب الجمهوري أن يحول انتخابات إسطنبول إلى سباق مع رئيس الجمهورية ويتبعون استراتيجية تنسب الخسارة في الانتخابات إلى إردوغان في حد ذاته ولن نسمح لهم بذلك”.
كما نوه بأن الحزب الحاكم يخطط أيضا لتأجيل اللقاءات الجماهيرية لمرشحه في إسطنبول بن علي يلدريم إلى الأسبوع الأخير المتبقي على الانتخابات.
وأفاد تقرير أخر نشرته صحيفة جمهورييت بأن إردوغان قام بتغيير استراتيجيته بعد أن توصل مسؤولو حزب العدالة والتنمية إلى استنتاج مفاده أن وجود الرئيس في الانتخابات السابقة خدم مرشح تحالف الأمة أكرم إمام أوغلو.

وبالسخرية أيضا
لم يبق أمر اختفاء إردوغان عن الساحة قبيل الانتخابات في دائرة التسريبات والتكهنات والتحليلات فقط، بل دخل مرحلة السخرية أيضا، حيث نشرت صحيفة “يني تشاغ” التركية اليوم الجمعة، كاريكاتيرا يشير إلى غياب الرئيس التركي، عن الساحة الانتخابية قبل الانتخابات المحلية في إسطنبول المقرر إعادتها يوم 23 يونيو الجاري، بصفته رئيس حزب العدالة والتنمية.

صحيفة يني تشاغ أرجعت غياب إردوغان إلى ” قلقه من التسبب في خسارة مرشحه، بن علي يلدريم، المنافسة الانتخابية أمام مرشح حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو”. معتبرة أن إردوغان تخلى عن خططه فيما يخص إجراء الأعمال الانتخابية باسم حزب العدالة والتنمية بعد أن أدرك خطورة تصريحاته العدوانية وانخفاض شعبيته ومدى تأثير ذلك على نتائج الانتخابات.
الكاريكاتير يظهر المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، يقول لإردوغان: “أعلم يا سيدى أنك لا تريد أن تظهر أو تتحدث، وكأنك تقول لنا: لا أريد أن تلتصق بي هزيمة إسطنبول المحتملة”.

الكاريكاتير يصور أيضا قالين وهو يشير إلى شاشتي التلقين اليسرى واليمنى، التي توجد في البرامج التلفزيونية قائلا: “ولكن هؤلاء التعساء أيضا يظنون أننا هجرناهم وأصبحت حالتهم مزرية”.

رقصة الموت الأخيرة

ميرت يلديز، مؤسس شركة “فورسايت” للاستشارات السياسية في إسطنبول يقول: “رأى الكثير من الناخبين أن الحملة المكثفة التي قادها أردوغان في انتخابات مارس كانت مُنَفِّرة”.
وتابع يلديز: “الرئيس التركي يُعلّق حاليًا آماله على يلدريم، وهو سياسي مخضرم يتمتع بحسّ الدعابة، لحرمان إمام أوغلو من الظفر بمنصب بالغ الأهمية يمكن أن يحوله إلى ند رئاسي مرعب لإردوغان”.

وأضاف يلديز أن حزب العدالة والتنمية لجأ إلى أساليب محددة الأهداف وأكثر دهاءً مثل التركيز على الناخبين الأكراد الساخطين والطوائف الإسلامية.

من ناحيته، قال إحسان اكتاش، المحلل في شركة الأبحاث والاستشارات التركية “جينار”، إن “حزب العدالة والتنمية يدرك أن استهداف إمام أوغلو في التصويت السابق وبعد ذلك إلغاء نتائج انتخابات إسطنبول جعله ضحية في نظر عدد من الناخبين”.
وتابع: “يحاول الحزب في الوقت الحالي تجنب استهداف أو حتى ذكر اسم إمام أوغلو سعيًا إلى محو الانطباع السائد بكونه ضحية”.

إسطنبول حياة أو موت

اللجنة العليا للانتخابات أصدرت قرارا بإعادة الانتخابات في مدينة إسطنبول في 23 يونيو، وسحب وثيقة التنصيب من أكرم إمام أوغلو التابع لحزب الشعب الجمهوري الفائز برئاستها في الاقتراع الذي أجري 31 مارس الماضي، أمام منافسه بن علي يلدريم.
اعتُبر إمام أوغلو البالغ من العمر 49 عامًا، في بادئ الأمر، الفائز في سباق 31 مارس برئاسة بلدية إسطنبول، المدينة الذي يوجد بها أكثر من 10 ملايين ناخب مسجل، بفارق 14 ألف صوت، عن منافسه بن علي يلدريم، لكنه لم يتولى منصبه سوى 18 يومًا، لأن أردوغان قاد حملة ناجحة للطعن في نتائج الانتخابات. وأدى إعلان إعادة إجراء التصويت في إسطنبول إلى تعميق المخاوف إزاء دعائم الديمقراطية في تركيا.

لا أحد يفهم أهمية منصب رئيس بلدية إسطنبول أكثر من إردوغان، الذي استخدمه كنقطة انطلاق ليصبح الزعيم الأكثر سيطرة على البلاد منذ أكثر من نصف قرن. لكن قرار إعادة التصويت لم يتسبب إلا في تعاظم شعبية إمام أوغلو، وسوف يحاول يلدريم حشد المزيد من الدعم في مناظرة 16 يونيو.

ويعقد إمام أوغلو تجمعات جماهيرية يومية في أرجاء إسطنبول، وما زال يتمتع بدعم حاسم من بعض أحزاب المعارضة الأخرى، من بينها حزب الشعوب الديمقراطي الداعم للأكراد وحزب “الخير” القومي. ويتطلع كل من إمام أوغلو و يلدريم، البالغ 63 عامًا، إلى حشد تأييد الناخبين المسجلين البالغ عددهم 1.7 مليون والذين لم يدلوا بأصواتهم في انتخابات مارس