الرئيسية / أخبار / الجميع يستخدم أسلحة #إردوغان السياسية ضده.. الديكتاتور يسقط

الجميع يستخدم أسلحة #إردوغان السياسية ضده.. الديكتاتور يسقط

خلطة إردوغان .. سلاح الأصدقاء والأعداء للقضاء على سلطنة رجب

ربما ظن رجب إردوغان أنه رجل المناورات الأول، يتقن لعبة السياسة ويجيد الظهور بألف وجه لإقناع ناخب غَر، وحليف ساذج، يتحدث بصوت العلماني أمام أوروبا والتيارات المدنية، ويرتد إلى خطاب راديكالي مع أنصاره وأصدقاء العثمانية الجديدة.

فمنذ وصل إلى حكم تركيا رفقة حزبه العدالة والتنمية عام 2002، عُرف إردوغان بمهارته الفائقة في القفز على كل حبال السياسة، ناحية اليمين تارة، وناحية اليسار تارة أخرى، والعودة إلى المنتصف من جديد ليحافظ على مسافة واحدة من كل الأطراف.

لكن الخلطة “الإردوغانية”، التي لطالما سمحت لرجب بخداع الكثيرين، بدا وكأنها انقلبت عليه، بعدما فقد الرجل لمسته السحرية، والتي بفضلها استطاع الفوز بـ15 معركة انتخابية، بخسارته الانتخابات البلدية التي أجريت في 31 مارس الماضي وإعادتها في إسطنبول في 23 يونيو الماضي، وبدا وأن جيلًا جديدًا من السياسيين الأتراك أقدر على تنفيذ تلك الخلطة لكن هذه المرة ضد الرئيس نفسه.

خطاب تصالحي
قبل أن نعرف إردوغان كمُبشر للاقتتال الداخلي ومحب للشقاق بتبنيه خطابا قائما على “بقاء تركيا أو زوالها”، كان الرجل يتبع نهجا تصالحيًا لا يميل إلى المواجهة، ويتبنى سياسة الخيمة الكبيرة ويهدف للقضاء على الفساد قبل أن يغرق فيه.

لدرجة أنه زار بيت دعارة في إسطنبول عشية انتخابات 1989 عندما كان مرشحًا عن حزب الرفاه لرئاسة بلدية أكبر مدن تركيا، وتعهد بإنقاذ بائعات الهوى من “العالم المظلم الذي سقطن فيه”، مقابل منحه أصواتهن في الانتخابات المحلية.

إحدى النساء قالت لإردوغان حينها: “سيدي، لا يمكنك إنقاذنا، لقد وقعت في هذا الفخ عندما كان عمري 13عاما، منذ ذلك اليوم وأنا أسدد الديون”، ولكن رجب عاد وأكد أنه لن يتركهن في العالم المظلم الذي سقطن فيه وسيدمجهن في المجتمع مجددًا.

بالنسبة للمراقبين، كان هذا هو نفس الطريق الذي سار فيه أكرم إمام أوغلو لينتزع بلدية إسطنبول من حزب إردوغان وحلفائه لأول مرة منذ ربع قرن تقريبًا.

فعلى طريقة إردوغان، بنى إمام أوغلو حملته الانتخابية على سمعته كمسؤول مستعد للعمل بعيدًا عن الحواجز السياسية، متبنيا رسالة واحدة تحت شعار “إسطنبول مدينتكم”، ولفت أنظار الناخبين عندما عانق رجلا مسنا من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم رفض أن يصافحه.

التزاوج بين القيم المحافظة والعلمانية
مر نظام إردوغان بمرحلتين فاصلتين في عمره الممتد منذ 2002، الأولى بدأت بتوليه الحكم واستمرت حتى 2013 باندلاع احتجاجات جيزي، وشدد خلالها على علمانية تركيا، اتساقًا مع الدستور، الذي حسم خيار الدولة منذ إنشاء الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، وحدد هويتها ونظامها الاجتماعي والسياسي.

آنذاك، لم يخرج إردوغان عن تكتيك سياسي اتبعه منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، عمل من خلاله على الترويج لحزبه العدالة والتنمية باعتباره محافظا ليبراليا، معتدلا، غير معادٍ للغرب، يتبنى رأسمالية السوق، ويسعى لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وينفي عن نفسه أن يكون حزبًا إسلاميًا، ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية في خطاباته السياسية.

لدرجة أن خدعته أنطلت على الغرب لدرجة أن دعت الولايات المتحدة الأمريكية العالم الإسلامي ذات يوم للاحتذاء بالنموذج التركي، وحينها اعتمدت استراتيجيته الخارجية على سياسة صفر مشكلات التي صكها رئيس وزراء تركيا الأسبق ومنظر العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، والتي هدفت إلى تصفير الأزمات مع العوالم المتعدِّدة التي تنتمي إليها تركيا كالبلقان وأوروبا والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

وبدا وأن إردوغان جزء من تركيا العلمانية، فبرغم زعامته لحزب “إسلامي”، يسمح بنمط الحياة التركي الذي يجمع بين التقاليد والانفتاح، وتختلط فيه السلوكيات الدينية المحافظة، من أداء الصلاة، والدعاء، والحجاب، بالممارسات المتحررة كالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وشرب الكحول وغيرها.

عند هذه النقطة أيضًا تتقاطع طرق إمام أوغلو مع إردوغان مجددًا، فقد استطاع عمدة إسطنبول الجديد اجتذاب الناخبين بفضل جمعه بين القيم المحافظة والعلمانية، فبرغم عضويته لحزب الشعب الجمهوري المعروف بعلمانيته المتطرفة لكنه يصوم أثناء شهر رمضان ولا تفوته صلاة جمعة.

ورغم أن ممارسته الشعائر الدينية من صلاة وصيام، وخلفيته المحافظة من أكثر ما أثار الفضول حوله داخل حزب الشعب الجمهوري، ولكنها أتاحت له التواصل مع شرائح واسعة من الأتراك المحافظين خاصة داخل المعاقل التقليدية لحزب العدالة والتنمية بإسطنبول.

لذلك لم يكن غريبًا الظهور الاستثنائي لذوي الخلفيات المحافظة في شتى المحافل الانتخابية الخاصة بإمام أوغلو، لا سيّما المحجبات، على عكس مرشحي الحزب في السابق ممن اقتصر اعتمادهم على القواعد الشعبية العلمانية المحدودة بمعاقله في إسطنبول مثل بلديات بشيكتاش وقاضيكوي.

الموقف من الأكراد
وقبل أن يكون نظام إردوغان، معروفا باضطهاده للأقليات، اُشتهر بمواقفه المتسامحة معهم وعلى رأسهم الأكراد، حيث ظلت عباراته عن تحقيق السلام الدائم مع الشعب الكردي تتردد في حوارات أتباعه ومؤتمراتهم الصحافية حتى عام 2015، بعد فشل مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني.

تغير موقف النظام 180 درجة من القضية الكردية تزامن مع خسارة العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية عام 2015، بعدما استطاع حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد الدخول لأول مرة البرلمان التركي، ومن وقتها حلت عبارات الحرب محل السلام المزعوم، ففي 25 يوليو من العام نفسه أعلن اعتقال 590 كرديًا بدعوى الانتماء لحزب العمال الكردستاني الذي بات محظورًا.

مرة أخرى تتقاطع طرق إمام أوغلو مع نظام إردوغان، حيث لم يُظهر عمدة إسطنبول الجديد المودة مع المحافظين فحسب بل ومع المصوّتين الأكراد كذلك.

والمفارقة أنه بينما امتزج الخطاب القومي بخطاب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة وابتعد عنه أكراد كثيرون، بدا خطاب “إمام أوغلو” وكأنه يسير على نفس الخُطى التي سار عليها العُمدة الأسبق لمدينة إسطنبول رجب إردوغان، والذي شغل المنصب عام 1994، واهتم بالخدمة العامة وتجاوز الاستقطابات الأيديولوجية، قبل أن يمد يده للأكراد فور وصوله للسلطة عام 2003.

في حوار قبل أسابيع من انتخابات 31 مارس، أجاب أكرم عن سؤال بخصوص إمكانية حصوله على أصوات من حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد الكردي، وهو سؤال يشكّل أحيانًا اتهامًا بالنظر للروابط السياسية بينه وبين حزب العمال الكردستاني المحظور، لكنه أشار إلى أن إسطنبول هي وطن الأكراد الأكبر من حيث أعداد الموجودين منهم بالمدينة، تابع:”نأكل نفس الخبز ونشرب نفس الشاي، لقد تعب شعبنا من سياسات الهوية تلك”.

نقطة التحول
مثلّت احتجاجات جيزي مايو 2013 مسرحًا مناسبًا لرجب إردوغان لاختبار قوته المتراكمة عبر 11 عامًا من الحكم، لذلك لم يكون غريبًا أن يخلع خلالها أخيرًا قناع وداعته العلمانية وديمقراطيته الزائفة، كاشفًا عن وجهه العثمانلي السافر.

آنذاك، كان إردوغان سياسيًا لا يقهر، استطاع حزبه بفضل خدعة النمو الاقتصادي وقناع الوداعة الديمقراطية الفوز بكل اقتراع انتخابي واجهه، أما عربيًا فقد نفش الطاووس العثمانلي أجنحته مختالًا بنجاح عملائه في الإخوان في الوصول للحكم في مصر وتونس وليبيا وتقدمهم في سورية.

لذلك فعندما تظاهر مئات المدافعين عن البيئة احتجاجًا على خطة حكومة العدالة والتنمية لإزالة حديقة جيزي الصغيرة الواقعة بمدينة إسطنبول، لم يفكر إردوغان مرتين وأمر بسحق المحتجين بكل عنف، فالرجل لم يعد في حاجة للمراوغة والتحايل بعدما تيقن أن أقصر مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم.

أما القفزة الكبيرة نحو الديكتاتورية، فحدثت في أعقاب مسرحية الانقلاب التي ألفها إردوغان في يوليو 2016، والتي استطاع بفضلها إحداث انقلاب دستوري أفضى إلى وقوع البلاد في قبضته، وتطهير أجهزة الدولة من معارضيه، وعلى رأسهم أعضاء حركة الخدمة التابعة لرجل الدين فتح الله جولن.

بحسب بيانات رسمية صادرة عن وزارة العدل التركية، بلغ عدد السجناء أو المدانين بجرائم إرهابية حتى يونيو 2018، 246 ألفا و 426 من بين 48 و924 ألفا، بما يعادل خمس السجناء، فيما بلغ عدد المعتقلين بصلات مزعومة بفتح الله جولن، المتهم الأول بتدبير محاولة الانقلاب المزعوم، نحو 34 ألفا و241.

في تقريرها السنوي لعام 2018، قالت منظمة هيومان رايتس ووتش إن الاتهامات بالإرهاب مختلقة وتفتقر لأدلة دامغة عن وجود نشاط إجرامي أو “أعمال معقولة يمكن اعتبارها إرهابية”، معربة عن تخوفها من استخدام إردوغان إجراءات الحبس الاحتياطي كشكل من العقاب الجماعي للمعارضين.

التقرير أوضح استمرار المحاكمات الهزلية للعسكريين وغيرهم بتهمة الضلوع في مسرحية انقلاب، وحتى يونيو الماضي أدين 2,177 متهم وتمت تبرئة 1,552 آخرين، حسب وزارة العدل، وإلى الآن لم تصدر أية أحكام نهائية.

وأكد التقرير أن تركيا مازالت الأولى عالميًا في سجن الصحافيين، حيث يبقي نظام إردوغان على 175 منهم رهن الحبس والسجن بتهم مختلقة عن علاقات موهومة بالإرهاب، لافتًا إلى أن الإعلام التركي يفتقر لأدنى درجات الاستقلالية والحرية، وأن أغلب الصحف والقنوات تحولت لمساندة الحكومة حفاظًا على بقائها.

المنظمة الدولية كشفت أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2018 أجريت في ظل ملاحقات أمنية ورقابة مشددة على الإعلام، مؤكدة أن النظام الرئاسي أقر للمرة الأولى بعد تعديل دستوري يفتقر إلى الضوابط اللازمة لمنع تجاوزات السلطة التنفيذية، ويقلّص كثيرًا من صلاحيات البرلمان و يعزز سيطرة إردوغان على التعيينات القضائية.

انقلاب الحلفاء
التحول الذي حدث خلال السنوات الأخيرة خاصة منذ محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016، لم يكن انقلابًا على الديمقراطية بالنسبة للمعارضين فحسب بل والحلفاء القدامي لنظام العدالة والتنمية أيضًا خاصة مع تراجع شعبية إردوغان نفسه والذي أثبتته الانتخابات المحلية التي جرت 31 مارس الماضي وإعادتها في إسطنبول في 23 يونيو.

صحيفة سوزوجو التركية، قالت الشهر الماضي، إن أعضاء كبارا بالحزب الحاكم يحملون إردوغان وحده مسؤولية الهزيمة المدوية، بعدما حول الحزب إلى نظام إقطاعي، قائم على المحاباة والمحسوبية، مستشهدين بموقفه من صهره بيرات آلبيراق الذي عين وزيرًا للخزانة والمالية دون مؤهلات تذكر.

كما تجدد الحديث عن ميلاد حزبين جديدين من رحم العدالة والتنمية يؤسسهما رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان قريبا.

الكاتب الصحافي في صحيفة يني تشاغ، أحمد طاقان، أكد اشتعال الصراع الداخلي في حزب العدالة والتنمية، عقب نكسة إسطنبول للمرة الثانية، لافتًا إلى أن الخسارة أثبتت تراجع شعبية إردوغان، وأن نتائجها لن تقتصر على تلك البلدية فحسب، بل ستشمل عموم البلاد.

علي باباجان قال في حفل زفاف أقيم في أنقرة، في 22 يونيو الماضي: “سنبدأ مشاورات مكثفة الأسبوع المقبل”، الأمر الذي أثار سيلا من التكهنات حول نية الرجل تأسيس حزب جديد، يخرج من رحم العدالة والتنمية، بدعم ومباركة الرئيس التركي السابق عبد الله جول، وهو ما كشفت عنه صحف تركية عدة، لافتة إلى طلب باباجان لقاء إردوغان لاطلاعه على خطوته القادمة.

باباجان يحيي بهذا التحرك تقليدا استنه عبد الله جول وإردوغان نفسه، إذ سبق وأن زار جول رئيس حزب الرفاه الراحل نجم الدين أربكان عندما قررا تأسيس حزب العدالة والتنمية في العام 2001 مع مجموعة من النواب المنشقين عن حزب الرفاه من أجل إبلاغه بأمر الحزب الجديد بأنفسهم، وطالب جول من باباجان بفعل الأمر نفسه مع إردوغان.

كما أكدت التقارير أن داود أوغلو هو الأخر يرى في تجدد هزيمة إسطنبول فرصة للانقضاض على إردوغان، صديق الأمس، وربما تكشف تهنئته الحارة لإمام أوغلو في أعقاب إعلان النتائج الأولية هذا التحرك، حيث علق على خسارة حزبه “العدالة والتنمية” قائلًا:”سكان البلدية الكبرى اتخذوا قرارهم النهائي، وأتمنى أن تكون مفيدة لهم، وأهنئ إمام أوغلو بالفوز