الرئيسية / أخبار دولية / مناورات تركيا البحرية غير مؤثرة أمام مصر واليونان وإسرائيل

مناورات تركيا البحرية غير مؤثرة أمام مصر واليونان وإسرائيل

مناورات تركيا البحرية غير مؤثرة أمام مصر واليونان وإسرائيل

تهدف المناورات البحرية الكبرى، والجهود الدعائية المكثّفة التي تصاحبها، إلى مساعدة تركيا في تشكيل بيئة سياسية عسكرية ستسمح لها بالدفاع عن حقوقها ومصالحها في المناطق المحيطة.

وأجرت البحرية التركية أكبر مناوراتها على الإطلاق في ربيع العام الجاري. جرت تلك المناورة بمشاركة 103 سفن في البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط. وتلت تلك المناورة واحدة أخرى باسم “الإصرار” في شرقي المتوسط، وهي منطقة تشهد نزاعاً تركياً منذ فترة طويلة حول الحقوق في موارد الطاقة هناك.

وما زالت المناورات العسكرية تُستخدم بشكل مؤثر لإظهار القوة والعمل كأداة ردع في مواجهة الأعداء، كما بدا واضحاً من مناورة الرمح الثلاثي (ترايدنت جانكتشير) التي قادها حلف شمال الأطلسي، ومناورة فوستوك (الشرق) التي أطلقتها روسيا العام الماضي بمشاركة ألف طائرة و36 ألف دبابة.

وحققت تركيا نجاحات بهذا النهج في الماضي. وكان هناك مثالٌ جيدٌ في عام 1987، عندما انتهكت اليونان اتفاقاً مع تركيا يعود لعام 1976، للبدء في التنقيب عن الطاقة في شمال بحر إيجه، في خطوة جعلت البلدين على شفا حرب.

ومرّت الأزمة بسلام بفضل الاتصالات الدبلوماسية المكثّفة، والتي شملت تدخلات من مسؤولين كبار في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. لكن تلك المباحثات كانت مدعومة باستعراض قوة من تركيا، التي أرسلت سفنها الحربية لتنفيذ مناورات حربية في البحر. وأظهرت تركيا في ذلك الوقت أنها لن تتردد في استخدام القوة إذا لزم الأمر.

وتنظر تركيا إلى الوضع الحالي في شرقي المتوسط على أنه انتهاك آخر للحقوق والمصالح، حيث تتشابك المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص مع المناطق التي تدّعي تركيا بأنها تقع في جرفها القاري. وتقول تركيا إن أعمال التنقيب التي تنفذها قبرص وشركاؤها الدوليون تتجاهل حقوق جمهورية شمال قبرص التركية.

بيد أن قدرة تركيا على فرض نفسها في المنطقة باتت محدودة بسبب التصورات في الداخل والخارج، التي تشير إلى ضعف جيشها بعد محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت في 15 يوليو 2016، والتي قادت إلى فصل الكثير من الضباط أو محاكمتهم بتهمة تأسيس علاقات مع الحركة الدينية المتهمة بالتخطيط للإطاحة بالحكومة.

وتعاني تركيا أيضاً من عزلة في سعيها إقليمياً للحصول على النفط والغاز، في الوقت الذي اتّحد فيه منافسوها مصر وإسرائيل واليونان في منتدى غاز شرق المتوسط، وشجعتهم على ذلك الولايات المتحدة ودخول شركات طاقة عملاقة مثل إكسون موبيل على الخط.

وفي ظل عدم وجود خيارات أمام تركيا سوى تأكيد وجودها، اختارت تركيا استعراض القوة من خلال المناورات البحرية هذا العام.

وكان سيل الأخبار والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي صاحب تلك المناورات، مُقنعاً بما فيه الكفاية لتبديد المخاوف في الداخل من أن تكون عمليات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة قد أضعفت البحرية التركية.

بيد أنه من الواضح أن تلك المناورات فقدت قوتها كإجراء ردع. فالظروف لم تتتغير في شرق المتوسط على الرغم من المناورتين، وجزء من الامتياز الذي منحته قبرص الشهر الماضي لشركتي طاقة أوروبيتين – إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية – هو ضمن منطقة تقول تركيا إنها جزء من جرفها القاري.

أحد النقاط الأساسية تتمثل في أن تركيا تواجه الآن عدة منافسين في وقت واحد. وفي الأزمات السابقة، كانت اليونان وحدها هي الطرف الذي يتعين على أنقرة التصدي له، بينما تواجه تركيا حالياً الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقبرص وروسيا والاتحاد الأوروبي وشركات الطاقة إكسون موبيل وتوتال وإيني.

ويتعاون الكثير من هذه الاطراف الفاعلة عن كثب عبر آليات مثل منتدى غاز شرق المتوسط. وليس ضرورياً أن تنجح الاستراتيجيات التي حققت نجاحاً في مواجهة طرف واحد عند التعامل مع تحالف، أو في ظل متغيرات سياسية أكثر تعقيداً.

وتتابع الدول عن كثب الأنشطة العسكرية في غيرها من الدول. وتوفر المناورات العسكرية بيانات مهمة حول قدرات الدول وعقيدتها العسكرية ومعنوياتها وجاهزيتها للحرب.

وعلى الرغم من أن أنشطة الاتصال الاستراتيجية تلعب دوراً رئيساً في إيصال رسائل إلى الأطراف الأخرى المقابلة خلال المناورات، فإن القضية الأهم فيما يتعلق بعنصر الردع وفرض الإرادة هي استعراض قوة النيران، والقدرة على شن هجمات من البحر، والتعاون الجوي البحري، والعمليات المشتركة على نحو يمكن أن يفهمه الطرف الآخر جيداً.

أحد أفضل الأمثلة في الآونة الأخيرة جاء في عام 2017، عندما أطلقت السفن الحربية الروسية صواريخ على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا من بحر قزوين، على بعد ألف و500 كيلومتر.

ولم تكن المناورتان البحريتان اللتان نفذتهما تركيا هذا العام بهذا القدر من الفاعلية والتأثير. ففيما يتعلق باستعراض القوة، لم تكن المناورتان مختلفتين بشكل كبير عن المناورات السابقة، باستثناء أن طائرات الهليكوبتر الهجومية التابعة للقوات البرية، وعناصر الحرب البرمائية، شاركت في المناورات في بحر إيجه.

لكن الخلاف الحالي ساحته شرقي المتوسط، ويتركز حول النزاع على موارد الطاقة. ولو أن تركيا نقلت عناصر من قوات الحرب البرمائية إلى مناطق قريبة من قبرص تحت حماية مشتركة من عناصر القوات البحرية والجوية، لكان ذلك تحركاً فيه مزيد من الجرأة. أيضاً دخول عنصر محاكاة هجوم على منصات النفط والغاز في المناورات الحربية سيظهر بوضوح إصرار تركيا وعزيمتها.

في أي حال من الأحوال، فإن محاولات تركيا إصدار تهديدات دبلوماسية فشلت إلى الآن في شرقي المتوسط، وباتت الخيارات المتاحة محدودة للغاية.

أحد الاحتمالات قد يكون المزيد من المناورات البحرية. وتخطط تركيا كل عام مناورات توروس وبارباروس العسكرية رداً على مناورات نيكيفوروس وتوكسوتيس التي تخططها اليونان وقبرص. والاتفاق الحالي هو أن يُلغي الجانبان المناورات كل عام إظهاراً للنوايا الحسنة.

ويمكن لأنقرة أيضاً أن تختار المضي قدماً في الجولة القادمة من المناورات، وهو إجراء سيزيد التوترات ويعكس الرأي القائل إن الجهود الحالية قادت إلى حالة من طريق مسدود.

في الوقت ذاته، تمتنع اليونان عن التورط مباشرة في هذه الأزمة، على الرغم من أن لديها مطالبها الخاصة بسبب جزر رودس وكارباثوس وكاسوت وكاستيلوريزو.

ويبدو أن أثينا تأمل في السماح لتركيا بالبقاء في دائرة الضوء، اعتقاداً منها بأن العدوان في شرقي المتوسط سيؤدي إلى فقد الشرعية في نظر الرأي العام الدولي.

وقد تختار تركيا معالجة هذا الأمر من خلال التركيز بصورة أكبر على التحرك العسكري في مناطق قريبة من الجزر اليونانية، وهو ما سيجر أثينا وقتها إلى الأزمة كلاعب مباشر

المصدر ..الاحوال التركية