الرئيسية / تاريخ / شهادات: أردوغان الوجه الآخر لداعش.. فهل سيُحاكمه المجتمع الدولي

شهادات: أردوغان الوجه الآخر لداعش.. فهل سيُحاكمه المجتمع الدولي

شهادات: أردوغان الوجه الآخر لداعش.. فهل سيُحاكمه المجتمع الدولي؟

تشير الأرقام الرسمية إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تحتفظ بما لا يقل عن 12 ألف معتقل من عناصر تنظيم داعش الإرهابي. وقد أجريتُ لقاءات مع ما يربو عن 45 شخصاً من هؤلاء الذين اعترفوا جميعهم بعلاقة الدولة التركية الوثيقة بتنظيم داعش الإرهابي. وقمتُ، بعد ذلك، بنشر تفاصيل هذه المقابلات في وسائل الإعلام المختلفة.
كان آخر لقاء لي في مدينة الشدّادي التابعة لمحافظة الحسكة في سوريا مع القيادي الداعشي أسامة عويد الصالح، الذي اعتقلته قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور. اعترف أسامة عويد الصالح، خلال اللقاء، بأنه عمل إلى جانب البغدادي في دير الزور، قبل أن يتم اعتقاله بعد ذلك، وأكد صراحةً على علاقة التنظيم بتركيا. تحدث الصالح كذلك عن تجارة البترول، على وجه التحديد، وكيف كانوا يقومون بنقل الذهب والآثار التاريخية، التي يجلبونها من الموصل، إلى داخل تركيا عبر إدلب.
كان أكثر ما لفت الانتباه في اعترافات أسامة عويد الصالح هو تأكيده على أن البغدادي كان يتحرك تحت غطاء كامل من الحماية، وفرته له الدولة التركية. يقول الصالح “إن البغدادي خرج قبل حوالي خمسة أشهر من دير الزور، متوجهاً الى تركيا”، وقال صراحة “هو الآن موجود داخل تركيا أو في المنطقة التي تخضع لسيطرة تركيا في إدلب”.
وفي يوم الأحد الموافق 27 أكتوبر، استقبلت الدول في جميع أنحاء العالم نبأ مقتل البغدادي، زعيم تنظيم داعش الإرهابي، بالترحيب. وقامت قوات سوريا الديمقراطية بإصدار بيان حول وفاته، تلاه إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبأ مقتل البغدادي إلى العالم بأسره، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في البيت الأبيض.
وقد جاءت المعلومات، التي أدلى بها القيادي الداعشي أسامة عويد الصالح، متوافقة تماماً مع البيانات التي وردت في التصريحات الصادرة عن قوات سوريا الديمقراطية والبيت الأبيض في هذا الخصوص.
وفي حقيقة الأمر، إن عملية “عاصفة الجزيرة” التي بدأتها قوات سوريا الديمقراطية في 1 مايو 2018 ضد تنظيم داعش الإرهابي في دير الزور، هي التي قضت فعلياً على حلم البغدادي في إقامة خلافته المزعومة. ومع تتالي ضربات “قسد” ضد عناصر التنظيم، كانت تركيا هي شريان الحياة النابض لهذا التنظيم الإرهابي، ولم تسجل العلاقة بين تركيا والتنظيم تراجعاً خلال المرحلة الراهنة كذلك، بل ازدادت تلاحماً معه بشكل كبير للغاية. ومما يؤكد ذلك أيضاً تعاونها مع الجيش الوطني الذي يتكون، في الأساس، من بقايا عناصر تنظيم داعش.
من ناحية أخرى، توثِّق عشرات الصور والأخبار، التي لا تزال تتناقلها وسائل الإعلام الكردية، حتى الآن، مدى قوة العلاقة بين تركيا وعناصر التنظيم الإرهابي، حتى صارت هذه المواقع الإخبارية معروفة لدى الرأي العام العالمي أكثر من أي وقت مضى. ويبقى السؤال: هل سيتسامح المجتمع الدولي مع أردوغان إزاء هذه الحقائق الدامغة، أم ستتم محاكمته بوصفه واجهة التنظيم الإرهابي على العالم؟
وفي السياق ذاته، زاد عدم وثوق الولايات المتحدة بتركيا، التي يفترض أنها من حلفائها في المنطقة، وعدم إخبارها بأية معلومات عن عملية قتل البغدادي، من صعوبة تحرك أردوغان على الأراضي السورية. وعلى الرغم من قول المسؤولين الأتراك “شاركنا كذلك في عملية البغدادي”، إلا أن الحقيقة كانت على النقيض تماماً مما يزعمون.
ما يمكننا قوله هو أنّ القوات الأميركية قد تمكنت، بالاستعانة بوحدات استخباراتية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، من قتل البغدادي في منطقة تبعد خمسة كيلومترات فقط عن الحدود التركية، وعلى مقربة من القاعدة العسكرية التركية في قرية باريشا شمال إدلب.
والواضح أنّ أردوغان لم يتردد في إخفاء زعيم أكثر المنظمات دموية في العالم في منطقة خاضعة لسيطرته. وعندما تمّ تحييده تماماً بعيداً عن هذه العملية، راح يدلي بسلسلة من التصريحات، واحدة تلو الأخرى، في تعبير واضح عن مدى شعوره بالخوف. وبطبيعة الحال، فإن “تكتيك” أردوغان الساذج هذا لن يصمد طويلاً؛ لأن العالم بأسره صار يعرف الآن الحقيقة. ومهما حاول أردوغان، ومهما فعل بعد ذلك، فلن يجدي هذا نفعاً؛ لأن الجميع صاروا ينظرون إليه باعتباره الوجه الآخر لداعش، وأن وجهه الحالي، الذي يحاول الظهور به، هو وجه مزيف.
لم يحرك أردوغان ساكناً، بينما يرتكب تنظيم داعش جرائم ضد الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط أثناء وجوده على الحدود مع تركيا، بل ولم يهتم أردوغان بالأمر من الأساس، كما لم يبدِ أي تعليقات على الانتصارات، التي كان الأكراد يحققونها في صراعهم ضد هذا التنظيم البربري.
وفي المقابل، أثارت الهجمات الاستعمارية، التي قام بها أردوغان في شمال شرق سوريا، تحت ذرائع واهية، موجة عنيفة من الاستهجان لدى الرأي العام العالمي. وفي رأيي، فإن العملية العسكرية الاستعمارية، التي نفذها أردوغان مؤخراً ضدّ الشعب الكردي، ستكون المسمار الذي يُدق في نعش أردوغان نفسه؛ لأنه لم يتورع، إبان هذا الهجوم، عن ارتكاب العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فضلاً عن أن تلك الهجمات، التي بدأها في 9 أكتوبر، وشارك فيها الجيش الوطني، الذي يتكون، في معظمه، من أعضاء سابقين في تنظيم داعش وجبهة النُصرة، قد تسببت في خلق حالة كبيرة من عدم الاستقرار في المنطقة. وقد خرج القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بتصريح حينذاك، قال فيه “إنّ العصابات التي يطلق عليها أردوغان اسم “الجيش الوطني”، هي نفسها عناصر النُصرة وتنظيم داعش الذين حاربناهم من قبل على هذه الأراضي، ونعرفهم جيداً”.
تحولت كل الأنظار، بعد اغتيال البغدادي، إلى أردوغان، وصار الجميع يتحدثون عن علاقته بتنظيم داعش. وفي مقابل ذلك، حاول أردوغان، خلال اليومين الأخيرين، اتباع سياسة تضليلية بالحديث عن عمليات صورية داخل الحدود التركية، زاعماً أنها موجهة إلى عناصر تنظيم داعش، وهو الذي لم يخض مواجهة مباشرة ضد تنظيم داعش، اللهم إلا بعض المواجهات الصورية كذلك.
لقد بات الرأي العام العالمي يدرك جيداً اليوم حقيقة أن أردوغان كان يخلي سبيل عناصر تنظيم داعش، الذين زعمت تركيا أنها اعتقلتهم في عمليات سابقة، من الباب الخلفي، بعد أن يعرضهم على وسائل الإعلام؛ لذلك كان من الطبيعي أن يطالب جميع عناصر داعش تقريباً، الذين أجريتُ معهم مقابلات، بأن تتم محاكمتهم في تركيا. والواقع أن تلك المطالبات المتكررة من أفراد عصابة داعش المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية بأن تتم محاكمتهم في تركيا، إنما تكشف زيف تحركات أردوغان المزعومة على الأراضي السورية

المصدر .مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا