الرئيسية / أخبار / دواعش أردوغان لإعادة التصدير

دواعش أردوغان لإعادة التصدير

دواعش أردوغان لإعادة التصدير

يعمل أردوغان على الضغط على الدول الغربية وابتزازها بشتّى السبل الممكنة، ولا يوفّر ورقة من الأوراق التي بحوزته إلّا ويقوم بتوظيفها من أجل إرضاخها وإرغامها على تلبية طلباته.
ويأتي ترحيل أنقرة لبضعة مقاتلين من جنسيات غربية كخطوة أولى في طريق الضغط والابتزاز، كما يعدّ تنفيذاً فعلياً للتهديد الذي دأب مسؤولون أتراك على تكراره، وبأنّ تركيا ليست فندقاً للدواعش، وأنّها ستعيد الدواعش إلى بلدانهم ولن تتحمّل مسؤوليتهم.
ووجد أردوغان ذريعة لدى الغرب، وهي أنها متمثلة بالخشية من مصير المقاتلين الدواعش المسجونين لدى قوات سوريا الديمقراطية، والذين يبلغ عددهم بضعة آلاف، فعمل على استغلالها ضدّهم، وتحويلها إلى ورقة ابتزاز بيده، والتأكيد على أنّ مصير أولئك الدواعش ليس بيد الأكراد فحسب، بل هو أيضاً لديه معتقلون دواعش، وعلى الغرب أن يستمع له وإلّا فإنّه سيعيد الدواعش إليهم وليكن ما يكون.
الدفعة الأولى هي بمثابة بالون اختبار للغربيين، يعمل على بثّ الرعب بين مجتمعاتهم، من خلال التضييق على الحكومات الغربية، ووضعها في مواجهة مع بعضها بعضاً ومع شعوبها وقوانينها، على أن يتمادى في الضغط، وينتقل إلى المرحلة التالية من التصعيد، وإرسال مزيد من الدواعش أو إبقائهم في تركيا لحين تلبية رغبات أنقرة، واستخدامهم لاحقاً حين تقتضي الحاجة أو الضرورة.
يدرك أردوغان أنّ مشكلة المقاتلين الدواعش الذين يحملون جنسيات أوروبية وغربية، ما تزال موضع نقاش محتدم لم يتمّ إيجاد حلّ له بعد، وتثير مخاوف الغرب من عودة أولئك الجهاديين الذين سيشكّلون خطورة على أمن الدول والمجتمعات الأوروبية وسلامتها..
وهناك حوالي 1500 مقاتل من الجهاديين الأجانب المعتقلين في تركيا، وهؤلاء كانوا تحت سمع السلطات التركية وبصرها، ويقومون بالتنسيق معها في عملياتهم في سوريا والعراق، بحسب ما تشير تقارير إعلامية سابقة تحدّثت عن تنسيق عال بين قيادات داعش وتركيا، ولاسيما في تجارة السوق السوداء والنفط. 
يضغط أردوغان على جراح الغربيين، يستغلّ تردّدهم وتخوّفهم من عودة الدواعش الإرهابيين إلى بلدانهم، ويقوم بتهويل تلك المخاوف والنفخ فيها، من أجل دفعهم إلى الرضوخ لطلباته المتعلّقة بإنشاء منطقة آمنة على الحدود مع سوريا، بين تل أبيض ورأس العين، في المرحلة الأولى، ومن ثمّ توسيعها لاحقاً، على أن تكون بإدارة ورعاية تركية.
فبعد أن كانت تركيا معبراً للجهاديين من مختلف أنحاء العالم إلى سوريا، ها هي تعيد توظيف أولئك الدواعش الذين مرّوا منها، والذين تربطهم علاقات وثيقة معها، من أجل ترويع الأوروبيين، وعدم إفساح أيّ مجال أمامهم للتردّد في الاستجابة له.
يتعاطى أردوغان مع الدول الغربية بسياسة انتقامية، بحسب ما يلفت محللون، ويبدو منساقاً وراء غروره بضرورة دفعهم لتحقيق مطالبه، سواء كانت سياسية أو اقتصادية..
كما أنّه يتعامل مع المقاتلين الدواعش المسجونين في تركيا بسياسة انتقائية بدوره، حيث يركّز على الدواعش الذين يحملون جنسيات أوروبية، ويبقي مَن يحملون جنسيات أخرى لديه في المرحلة الراهنة، وذلك لحين الحاجة لاستخدام ورقتهم، أو استخدامهم في مساومات معينة، ومن ذلك مثلاً ما أعلنه السفير التركي في تونس علي أولونار اليوم الاثنين من أنّ تونس لن تكون معنية بعمليات الترحيل التي تقوم بها السلطات التركية للموقوفين الأجانب في سجونها والمتورطين مع تنظيم “داعش” المتطرف.

أنقرة ماضية بتنفيذ التحذير بإعادة الدواعش وتحريرهم

ومعلوم أنّ الدواعش الأجانب يشكّلون مجموعات من الذئاب المنفردة التي من شأنها خلق بلبلة كبرى في المجتمعات الغربية، وقد بادرت بعض الحكومات الأوروبية إلى إعلان الاستنفار قبيل وصول المقاتلين الدواعش المعتقلين إليها، وهذا مما يرمي إليه أردوغان، بحسب مراقبين، فاليوم مثلاً أعلن الادعاء العام في مدينة لاهاي الهولندية أن الشرطة ألقت القبض على ستة رجال يشتبه أنهم من أنصار داعش في هولندا وبلجيكا، وأوضح الادعاء أن هؤلاء الرجال متهمون بجمع 200 ألف يورو، على الأقل، عن طريق مؤسسة زعمت أنها تقدم “مساعدة لضحايا الحرب”.
قوبلت العملية العسكرية التي شنّها الجيش التركي بالتعاون مع ميليشيات متشدّدة مما يسمى بالمعارضة السورية، على شمال شرق سوريا بحملة من التنديد والرفض والإدانة من قبل معظم الدول الأوروبيّة، ووصفت بأنّها شكّلت كارثة لتركيا على صعيد سمعتها الدولية، ولاسيما بعد اتّهامها بالتطهير العرقي وارتكاب جرائم حرب، وتورّط مسلّحين تابعين لها بارتكاب مجازر ضدّ المدنيين العزّل.
تحرص أنقرة على التأكيد للدول الغربية أنّ تحذيرات قوّات سوريا الديمقراطية بتحرير السجناء الدواعش لديها، وإمكانية هروبهم من سجونها، وإعلانها أنّ العملية العسكرية التركية ستتسبب بتخفيف الحراسة على السجون، لم تكن إلّا دعايات للاستغلال الإعلامي، ولدفع الأوروبيين للتعاطف والوقوف معها، في حين أنّ أنقرة ماضية بتنفيذ التحذير بإعادة الدواعش وتحريرهم، وإخراجه من طور القول إلى طور الفعل الذي يرهب الحكومات الأوروبية ويبثّ الذعر بين شعوبها.
وبعد أن هدّد بإغراق أوروبا باللاجئين، وفتح الأبواب والحدود أمام اللاجئين السوريين للعبور إليها، في حال لم تبادر إلى تقديم الدعم والمساندة له، دفع أردوغان المواجهة إلى التصعيد، ونفّذ تهديده بشكل نسبيّ ليؤكّد جدّيته، وقامت السلطات التركية بغضّ النظر عن عبور الحدود وركوب البحر إلى الجزر اليونانية التي اكتظّت بعشرات الألوف من اللاجئين.
وكان مشروعو الاتحاد الأوروبي نددوا في 23 أكتوبر الماضي بالهجوم التركي الذي يستهدف إقامة “منطقة آمنة” في شمال شرق سوريا ما يمهد الطريق أمام فرض عقوبات مالية أوروبية جديدة على أنقرة.
واحتجت حكومات دول الاتحاد الأوروبي على توغل أنقرة لكن هذه الحكومات منقسمة بشأن كيفية الرد عليها. وتسعى أنقرة لإقامة “منطقة آمنة” على طول الحدود مع شمال شرق سوريا والذي يبلغ 440 كيلو مترا.
وعلى الرغم من أنه ليس للمشرعين الأوروبيين رأي مباشر في العقوبات ذات الصلة بالتجارة فإن لهم نفوذا فيما يخص القدرة، مثلا، على خفض التمويل السنوي المقدم لأنقرة، والبالغ نحو 250 مليون يورو، في إطار عمليتها المطولة للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، وهو خيار تؤيده مجموعة يمين الوسط في المجلس الأوروبي. كما بوسع البرلمان كذلك عرقلة أي تمويل جديد من الاتحاد الأوروبي لمساعدة أنقرة على التعامل مع ثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها، كثير منهم ترغب تركيا في إعادة توطينهم في “المنطقة الآمنة”.
يشير مراقبون إلى أنّ أردوغان يلفت أنظار الأوروبيين إلى أنّه إذا كانت العقوبات الاقتصادية والسياسية سلاحهم للتعامل مع تركيا، فإنّ الدواعش الأجانب يظلون أدواته وأسلحته للضغط عليهم، يقوم باستخدامهم لتحصيل امتيازات ومكتسبات سياسية واقتصادية، ولا يقبل منهم التهديد والتنديد والضغط في الملفات الشائكة العالقة بينهم.

الأحوال التركية

وكالة وجه الحق ١١-١١-٢٠١٩ rumaf