الرئيسية / مقالات الكتاب / رواية يوم من أيام عفدالي زينكي

رواية يوم من أيام عفدالي زينكي

رواية يوم من أيام عفدالي زينكي

#للكاتب_محمد_أوزون…وهو كاتب كردي من كردستان تركيا.وله عدة روايات منها (ظل العشق) و(بئر القدر)و( يوم من أيام عفدالي زينكي ) وهي الوحيدة التي ترجمت الى العربية وترجمها (محمد نور الحسيني)
يسرد الراوي على لسان راويه ،وهو حكواتي ومغني بنفس الوقت.

وزمن حكايته متعدد الأبعاد ، ولكن زمن سردها جرى في يوم واحد.

وعفدال هذا كان يتواجد في مضافة طاهر خان وهو كان اغا من اغوات منطقة بوتان حيث كان طاغية وظالم.وكان عفدال يغني همومه وهموم الناس، وقد احب فتاة ارمنية اسمها (كلي) (حيث انه كان يناشد الاكراد من خلال اغانيه بعدم قتل الارمن وبانهم اخوة لنا ..) وتزوجها وانجبا ولدا (تمو)، ومن ثم تبنى الطفلة الارمنية وسماها (ميرو) والتي احبها فيما بعد بنكين وفروا من بطش الاغا الذي سمع ان ابنه ايضا كان يحب ميرو وقد مات بسبب مرض الم به .

فاراد ان ينتقم منهم وبدا رحلة البحث عنهم والذين كانو في حماية الايزيديين في جبال شنغال،واللذين دافعو عنهم حتى الموت ولكن للاسف تمكنوا منهم وقتلوهم.

وقد اصيب عفدال بعمى لم يعد يبصر النورفاصبح اكثر شقاء وعذابا، وكان يشاطره الكراكي الحزين الطائر مكسور الجناح المه وعذابه ،ولم يبقى له سوى اغانيه وصوته.الاانه يبصر اخيرا ،ويبدأ نور الخير يظهر في النهاية.

سنقدم الفصل الاخير من هذه الرواية

كان عفدال قد انهار، فاقد الوعي. إذ كيف كان جسد عفدال الشائخ والعليل سيصمد في مواجهة تلك الأحداث الجسام؟

فلو حلّ محله حجر لذاب وانحلّ رغم صلابته. عيناه مفتوحتان، ممدد على الأرض ورأسه على ركبة “كلي”، كان يتنفس ببطء شديد فما عاد في جسده طاقة ولا قوة.

عيناه قد غارتا، وجهه المنكمش غدا مثل حفنة، من كثرة الحكي والغناء، كانت شفتاه قد تشققتا، طالت لحيته وتهدَّل شارباه وغزاها الشيب فصارت بيضاء كالقطن.

انتشرت التجاعيد في وجهه وجبهته وأسفل عينيه. كانت شرايينه والعروق تلوح تحت جلده الرقيق.

الزمن الغادر كان قد ناء بكلكله على وجه وجسد المغني. يد “كلي” كانت تطوف بهدوء وتؤدة على وجه عفدال وجبهته، كانت تدندن له وتهدهده بينما التلاميذ والصحب وبقية الناس جلسوا بعيدين عنه قليلاً.

وبقلب واجم ووجوه قلقة ومضطربة، كانوا يحدقون إلى حيث عفدال ويدعون على “عكيد” بك الدموي بالويل والثبور.

كانت النسوة يذرفن الدمع دون “كلي”، عدة أشخاص آخرين أيضاً كانوا يزورون عفدال. قروي يسرع جالباً من الخيام الحليب واللبن.

أرادت “كلي” أن تضع طاسة الحليب في فمه، لكنه لم يذقها بعدها، وثانية قرّبت طاسة اللبن منه ففتح فمه وابتلع عدة قطرات لبن.

وغدت “كلي” تعطيه اللبن بتؤدة حتى أتى على شرب الوعاء كله. كانت الشمس قد ارتقت بمثابة شبرين وأكثر، والمكان محاط بإشعاعات الشمس البارقة، الشمس التي تسطع على وجه عفدال ولحيته وشاربيه وتجعل وجهه يكتسب هالة نورانية.

الآن هدأت رجفته واستعاد هدوءه، وبصمتٍ كان يصغي لـ “كلي” وللأصوات الأخرى. هكذا يظهر أنه بدأ يتعافى قليلاً .

بعد برهة، أخرج يده من تحت الفراء وأمسك بيد “كلي” وأسندها إلى صدره، تحركت شفتاه ببطء وقال بتثاقل كبير:

– “كلي”.. أرأيتِ.. لقد خانني جسدي ووعيي. إنها الدنيا، يا”كلي”، الدنيا التي حين أدركتُ أسرار جسدي وبدني شارف عمري على الانتهاء.

“كلي” وزواره الذين يعودونه، يريدونه ألا يتكلم، فالكلمات تخرج من فمه بصعوبة. تغير لون وجهه، رقبته متراخية.

مدتْ “كلي” يدها بهدوء إلى فمه وقالت:

– عفدالو، يا كنز قلبي.. اصمد، واقطع صوتك، ارتح قليلاً، تنفس ونم. كلامك دوماً يصحبنا، حين تصحو قل ما تريد.

عَصَرَ عفدال يدَ “كلي”، رفع رأسه قليلاً، بلل شفتيه بلسانه وقاطع كلام “كلي”:

– “كلي”، يا عزيزتي.. إن قوتي تكمن في صوتي، إن راحتي هي في كلامي وأغنياتي.

بفضل الأغاني ينبض جسدي بالحياة. وروحي بفضل الشدو ترفل في النعومة والرقة ويستمر قلبي في الخفقان.

وإذ لا يصدر عني صوتٌ ولا تصلُّ أغنيتي إلى الأرواح، حينها ستفارق روحي الجسدَ، اتركيني ياوردتي.

الأمل فوق كل شيء. الأمل هو وجودي. إن السيئات كثيرة والتصاغر والتذلل والسوء أفعال لا نهاية لها. إنما الذي يقضي عليها هو العقيدة والأمل .

هنا، توقف عفدال عن كلامه، انكتمت أنفاسه ثانية. طلب شيئاً من اللبن. مدّته “كلي” بطاسة أخرى من اللبن وبعد اللبن، غسلت وجهه وجبهته بالمياه الباردة.

حينها أسبل عفدال عينيه ونام. نظرت “كلي” ورفاق عفدال إلى بعضهم البعض محدقين دون صوت، معتقدين أن عفدال الذي حُرِم طويلاً من نوم الليالي سوف يستغرق الآن في خضم النوم الرخي.

لكن عفدال بعد فترة وجيزة حرك نفسه، وبيده صار يبحث عن يد “كلي”.

لم يفتح عينيه؛ وعيناه سواء أكانتا مفتوحتين أو مغلقتين فهذا لا يغير من الأمر شيئاً.

دنياه كانت واحدة، عتمةُ ليلٍ فحسبُ، هذه الحقيقة كيف كانت ستتبدل؟ “كلي” قالت له:

– عفدالو، اهدأ ونم، انس كل شيء ونم. أمامنا وقت طويل. الزمان رحب. حين تستيقظ سنواصل الحديث.

قاطع عفدال “كلي”، ثانية ..
– “كلي”.. ليس الوقت وقت نوم ورقاد، فقد سقط منا ضحايا، في انتظارنا الحزن والحداد.

الوقت وقت ارتداء السواد. يجب أن نقيم مجالس عزاء وألا نترك بنكين وطاف بانوي في مقبرتهم أذلاء وأيتام.

الذي لا يجلس للعزاء ولا يقيم الندب، لا يقدّر ولا يحترم أمواته، ليس بشراً، ليس كردياً.

طاف بانوي وبنكين اغتيلا. أسلما إلى ظلمة القبور غيلة وعدواناً.. “كلي”، “كلي”، آه.. ياللفجيعة، “كلي”.. إنهما فقيدانا وفقيدا الأكراد.

“كلي” يامنكودة الحظ.. الآن لي توسلات منك، يجب أن يكون حِداد طاف بانوي وبنكين لائقاً بهما ولا مثيل له.. وقلبي يحدثني أنني بعد هذا الحِداد سوف ألتحق بهما وأغلق عينيَّ.

لكن الآن حداد، سوادُ حدادٍ، فانهضي واذهبي إلى خيمة تمو وزيني واصطحبي تمو وابنه..

حسب طلب عفدال نهضت “كلي” وعدة نسوة عجائز وذهبن معاً واصطحبن تمو وابنه إلى عفدال.

كان الطفل يبكي ويصرخ. كان تمو يتلفت حواليه باشاً، بينما أسند عفدال ظهره إلى صخرة وجلس، أعطت “كلي” الطفل لعفدال الذي حضنه وانحنى عليه ليشمه، أطاف بكفه على وجهه وقبّله من الوجه والجبهة:

– ربيّ إن عبق الولادة والحياة يفوح منه، عفدال قال، عبقٌ وأيُّ عبقٍ!، إنها علامة حركة الحياة وديمومتها، إنها إشارة إلى سيرورة البشر.

ربي ماهذا الصنيع؟ إن صنيعك لا تدركه العقول. فمن جهة تمنحنا طفلاً ومن جهة تخطف منا أبناءنا، إنك غاضب علينا.

الشمس قد أشرقت، أشرقت على كل الناس، لكنها لم تشرق علينا.. ماهذا الزمن، ماهذا العهد!؟.. تمو، ولدي، فلتكن متعافياً ولتكن تحركاتك وعلاقاتك مرسومة بتعقل، انصت إليَّ جيداً.

“كلي”..

أصدقائي، أصحابي، طلابي.. أيها الغوالي.. أنتم تبصرون بأعينكم، تسمعون بآذانكم، بنكين ارتحل، بنكين جاء. غَرُبت شمس وأشرقت شمس.

بنكين تحت التراب، بنكين عندنا، على ذرا سيباني خلاتي. بنكين مات، بنكين انبعث.. إذا كنتم ترغبون مثلي وتفضلون، فلنسمِّ هذا الغالي ابن تمو وزيني، حفيدي وحفيد “كلي”، فلنسمه بنكين.

آملاً أن يقتفي أثر بنكين، فيكون مثله نشيطاً ماهراً، رشيقاً ومرهفاً، عذباً ولطيفاً، مؤدباً وحكيماً.. ولايفرط في الثأر لبنكين ولآهات طاف بانوي. أرضى كلام عفدال السامعين وهدَّأ من روعهم، فما كان منهم إلا أن قالوا بصوت واحدٍ:

– جميعاً نوافقك، فليكن اسم ابن تمو بنكين. بنكين لا يموت. بنكين وميرو حياَّن يرزقان.

بنكين لن يموت.. بنكين لن يموت.

تناولت “كلي” الطفل من حضن عفدال، قبلته من عينيه، ومن ثم أسلمت الطفل إلى الشيخ الذي بجانبهما قبَّل الشيخ مثلها جبهةَ الطفل وأسلمه إلى امرأة بجانبه.

فعلت المرأة مثلهما. هكذا طاف بنكين الصغير بين الأيدي وتنقل من حضن إلى آخر.

كل ذلك حدث في صمت مطبق. لم يكن ثمة صوت غير صوت وصراخ بنكين الوليد.

كأن المجلس والناس كانوا في لقاء ديني.

كان الصمت يتنامى ويمتد. وبهذا الطواف الهادىء أوصل الناس الطفل إلى أمه زيني.

أما سيباني خلاتي فقد أحيط بالناس وصمتهم المديد.

الشمس تشرق بتؤدة وأوراق الشجر وأغصانها تتمايل في هدوء.

بينما نسمات صباحية ترف.

والكركي يمرِّغ منقاره في الأرض.

كانت مراسيم الحِداد قد بدأت.

مزق عفدال ثانية سترة الصمت..
– رفاقي.. الأعراف والقيم، التراث والتاريخ تبقى أوتاداً تشد خيام الشعوب وتثبت أركان الأمم، ميِّتو الضمير طعنوا في هذه الأركان.

الناس الذين يقدِّرون هذه القيمَ أبداً تنضر وجوههم وتبْيَضُّ، أما من يهدمها فوجوههم تكلح وتسْوَدُّ.

فليبتعد الكلح عنا ولترافقنا النضارة أبداً.

في بلادنا من المعتاد، كما في ملحمة، مم آلان، أنه في المآتم تسمى شجرة بشجرة الحِداد.

تزين ويجلس الناس للندب. فأسرعوا وقطِّعوا أغصاناً وبالألوان الأخضر والأحمر والأصفر والأسود زخرفوها.. وأنتم أيها الشباب، يا بنكينيو، بلادي.. أنتم أيضاً هيِّئوا الخيل وجهزوا عدتها، احملوا شجرة الحداد وطوفوا بالخيول حول سيباني خلاتي، حتى تنتصب الشمس فوق رؤوسنا وتتوسط كبد السماء، وبعد أن تميل الشمس من فوقنا، اهبطوا مع شجرة الحداد، انحدروا صوب السهول وأذيعوا حدادنا واستغاثات أفئدتنا في أرجاء الوطن وبلغوها الشعبَ.

بعد كلام عفدال، ساد هرجٌ بين الناس.

وارتفع العويل والنحيب.

البعض في جماعات انتشر في الأطراف وآخرون هيئوا المجالس تحت الشجر بإزاء الينابيع فبسطوا السجاجيد واللباد.

أما النادبات فقد شرعن في الندب وذكر الحوادث والوقائع المؤلمة وكان عويلهن يشق عَنان السماء.

بينما كان المغنون والمطربون يصعّدون أغاني الحزن والحداد. توجَّه الفتيانُ نحو السفح لتهيئة المزاود والمياه للخيول، فهيؤوها ومدوا عليها عدتها.

كانت “كلي” وتمو وعدد من رفاق عفدال ومعهم الكركي متجمعين فوق رأس عفدال، غطت “كلي” عفدال بقطعة من القماش، عفدال الذي كان خائر القوى، ارتشف بعض اللبن وتناول كسرة من الخبز.

ثم طلب من صديقه القريب منه أن يعزف له على الناي.

عزف الصديق بتأنٍ ودقة ومهارة على الناي فصدر صوت واجم ومديد وحزين من الناس وأضيف إلى الأصوات.

عزف معزوفة الحداد، لم يكن الناي قد توقف بعد، حينما رفع عفدال رأسه ويمم وجهه شطر الشمس وقال:

– “كلي”،.. إن صوت سيباني خلاتي يهلل في دماغي، إن رحمة وقدرة سيباني خلاتي تتماوج في أعماقي.

عيناي تؤلماني، حنجرتي ناشفة، صوتي مبحوح وعتمتي قد سدّت عليَّ كلَّ المنافذ، قلبي يحدثني أن تنهضي ورفاقي لإيصالي إلى القمم الصخرية والجروف العالية حتى يغمر ضوء الشمس وجهي وحتى تنعشني حرارة النهار، ومن هناك سأنشر صوتي المبحوح على كل أرجاء البلاد.

فانهضي ورفاقي الموجودين هنا واجلبوا معكم الكركي أيضاً.

– عفدالو، أنت عليل.. ألا تدرك هذه الحقيقة، أنت خائر القوى؟، قالت “كلي”.

لا تقدر على مفارقة فراشك والنهوض وإيصال نفسك إلى أي مكان.

– “كلي”.. قال عفدال ورد عليها: يتراءى لي، أن أصعد الصخرة الأكثر علواً وأن أرفع عقيرتي مغنياً عن حالنا وأوضاعنا، إن كنتم ترضون موتي، فلا تحققوا أمنيتي ودعوني هنا.. ومهما كانت الصعاب فيجب أن أصل إلى المكان الأكثر علواً..

لم يكن هناك حل، كانوا سيأخذون عفدال.

فأسندته “كلي” من طرف، وأسنده صديق آخر من طرف، وبرفق وبتمهل صعدوا معاً نحو ذرا سيباني خلاتي، أما تمو فقد حضن الكركي حاملاً إياه.

وإذ وصل عفدال إلى القمة كانت قواه قد استهلكت تماماً وأنفاسه غدت مكتومة. وهناك مدَّدوه على لبَّاد، وجلست “كلي” بجانبه ثم وضعت رأس عفدال على ركبتها.

المكان صخري مقفر لا خضرة فيه، واسع وسع بحيرة سيباني خلاتي وهو ملاذ الطيور الضخمة وموئلها.

من ذلك الشاهق تبدو كل الأمكنة ممتدة تحت النظر، مياه نهر “مرادي” يتدفق بكل حرية وانطلاق، الطرق والدروب تتمازج ثم تتلاشى وتختفي في البعيد البعيد.

أما القرى فتبدو مثل حصوات صغيرة، والسهل الذي لاأول له ولا آخر، كان يخضوضر.

في حين أن الشمس قريبة منهم تتلظى وتبرق كنيران متوهجة. كانت قد ارتقت عدة أشبار وصارت تشمل محيطها بالنور والضياء.

وفي اعتقادي أن لا أحد أبصر مشهداً في هذه الروعة، هكذا لطيفاً، هكذا ناضجاً ومنسجماً، ملوناً ومزدهراً ودافئاً، روعة الدنيا كلها كانت هناك ماثلة أمام العيون.

لكن عيني عفدال لم تكُ تبصر هذه الروعة، عيناه مفتوحتان لكن دنياه كانت ضريرة.

بعد فترة، حرك نفسه بهدوء، وضع يده على ركبة “كلي”، ونهض، جلس. ضوء الشمس سطع على وجه الكركي فحرك نفسه وصار يزعق.. هناك، نور الشمس ونسيم الصباح تمازجا، وشرعا يبعثان ويحييان عفدال والآخرين، طلب عفدال من تمو أن يناوله الكركي.

لم يكن الكركي يهدأ ويظل يزعق. يخفق بجناحيه ويحركهما وهو ماثل في حضن عفدال الذي بدأ يلتفت حواليه وكأنه أبصر نور الشمس وأحس بنسيم الصباح..

أذنه كانت تتابع الأصوات، حلق رفٌّ من الطير فوق رؤوسهم صارخاً. امرأة من بين النسوة ذكرت اسم ميرو وانطلقت في آهتها الحِدادية. ومن السفح، من صوب الخيام صهلت الخيل.

عدة أطفال بكوا صارخين، تفوَّه أحد المغنين باسم عفدال وقال: يسقط الظالم عكيد بك، يحيا عفدال.. من السفح تجاوب ماء نهر مرادي مع صوت المغني ذاك.

كان قد حان الوقت.
مد عفدال يده إلى سمعه وبدأ الغناء بلطف وروية.
ليلي.. ليلي.. ليواي.

مع كلمات الأغنية وارتفاع الصوت، لانت حنجرة عفدال وغدت مطواعة له، تنفس الصعداء.

وجّه وجهه شطر الشمس وضيائها وغنَّى..
مع شدوه وبداية تغريده، سكت بقية المغنين، انقطع ندب العجائز، الفرسان الشباب عادوا بأحصنتهم واتجهوا إلى الصوت الذي شرع من جديد ينتشر في البقاع المحيطة جميعاً، كان قد وصل إلى كل مكان فاستيقظت السباع، وخفقت الطيور عالية، قطعت البلابل والشحارير تغريدها، مالت الأعشاب، وأوراق الشجر تحركت واختالت أغصانها، أجل!، أثار صوت عفدال مياه الأنهار والينابيع، كانت انفعالات عفدال وعواطفه قد هاجت تماماً، صحا عفدال واكتشف نفسه من جديد، عثر على نفسه ووعى ذاته وربح صوته.

صوت عفدال على قمة سيباني خلاتي يهلهل، بين الجروف والجبال، في قيعان الأخاديد والوديان، على السهول الممتدة أمام الأنظار.

الصوت يتسع ويتعاظم ويتعالى ويقوى أكثر فأكثر، وقف الخلق جميعاً ذاهلين، عفدال الذي أوشك على الموت، الآن وبصوته وشدوه الرخيم يبعث من في القبور ويهز من في الأضرحة.

ومع غنائه كان عفدال ينتقل من ديار إلى أخرى ومن دنيا إلى دنيا.

في الأعالي، في ذرا سيباني خلاتي كان صوت عفدال ينساب، في السفوح، عند أقدام سيباني خلاتي، كانت المياه والينابيع تنساب.

كانت الشمس المواجهة لعفدال تزداد اتساعاً واحمراراً ودفئاً. حرارة قصوى انتشرت في جسد عفدال، فاتسعت شرايينه وانتفخت عروقه بالدم.

تلألأت قطرات العرق على جبهته ووجهه وعلى عنقه، غرق جسده في العرق، كان العرق يتساقط منه.

يداه نهضتا.. بدأ بالطيران، غدا فوق الغيوم والسحب، غدا في السموات السبع الطباق.

أجنحته وأجنحة الكركي نمت معاً وسوياً حلقا وطارا.

ذاك العفدال الذي كان مثل حفنة منكمشة، الآن غدا الملاك، سيباني خلاتي صار حنجرته، السهول صارت ثغره، الفيضان غدا صوته، صار كبيراً وكبيراً دون حد ولاحدود .

أيها القراء والمستمعون الأعزاء، إن المعجزة التي وقعت حينذاك، تلك المعجزة المذهلة هي محط اهتمام حكايتنا الآن فعلى قمة سيباني خلاتي حدثت تلك الأعجوبة الغرائبية فانقشعت ظلمة عيني عفدال، تمزقت ستارة الظلام، زال النكد وسوء الحظ..

انفتحت عينا عفدال وأبصرتا.. في البداية ظهر في عينيه بصيص نور، لم يصدق ذلك.

ظن أن حُمَّى جسده تسبب له هذا الوهم، لكن بعدها، اتسع الضياء شيئاً فشيئاً، تعمَّق وقَوِيَ، أما عتمة الليل فقد ولت. أفعم النورُ والضياءُ عينيه.

الآن كل الجهات غدت منيرة وبيضاء، كلها غارقة في النور، كان النور يداهم عفدال أمواجاً فأمواجاً.

لم يتجرأ عفدال على إسبال جفنيه. كان يخاف التحرك والالتفات. وغدا يديم التطلع في نور النهار وشرع يغني.

لم يفهم أحد ما يحدث، ما التفتَ المغني إليهم.

وصوته أغرق الجميع في الذهول والوجوم، عفدال الآن صار يغني عن نور الشمس وضوء العين، فقد غلبَ النورُ الظلامَ، عندها فهمت “كلي” والحاضرون ماالذي يجري؛ فزغردت “كلي”، وعبَّرت عن كامل بهجتها، ومالبث أن التمّ الصحب والرفاق حول عميدهم وحضنوه، فما كان من عفدال إلا أن قال:

– نور ولاأروع من هكذا نور. ليس ما يماثل الضياء، يامعشر الرفاق.. أذيعوا في الناس، أن النور صرع الظلام، وأن البريق قد دحر عتمة الليالي.

لكنَّ أموراً أكثر غرابة تجري، فلم يكتف بنور النهار ولا بإبصار عيني عفدال. فالكركي أيضاً بدأ بالحركة وبعنف وشدة؛ صار يحرك أجنحته ويضربها ببعضها البعض..
وإذ يدور حديث حميم بين عفدال و”كلي” والأصحاب، فجأة ، بدأ الكركي بالتحليق.. كان الكركي يطير.

الكركي كان يخفق بأجنحته. كان الجناحان قد تماثلا للشفاء والبرء. فهو يطير ويلغو ويزعق، بينما عفدال يتابعه بالنظر.

ذلك الأمر الذي تراءى لعفدال الآن قد جرى.

استعاد عفدال الضياء، نما جناحا الكركي. ابتهج عفدال لطيران الكركي، فغدا يصفق له متأمّلاً تحليقه، الكراكي يحوّم فوق عفدال.

يهبط ويحلق هابطاً صاعداً، انحرف ثم التفت ومن هناك اتجه صوب المجلس والناس، وإذ وصل إلى الجمع، أَسَفَّ وحلق منخفضاً، تطلع الناس فوقهم باستغراب، إذ أن الكركي يطير، الكركي الجريح والمهيض الجناحين..
ربي، كان جناحاه قد برأا! كان يطير ويحلق ويخفق بجناحيه.. !!

بعد تحليق الكركي فترة طويلة حول المجلس، حلّق ثانية صوب الأعالي.

الآن هو فوق البحيرة، فوق البحيرة الناصعة البياض يطير، كان قد حلق عالياً وعالياً ومن هناك، فجأة، انحدر نحو الأسفل وجاء، غاص وغطس في مياه البحيرة.

فعل ذلك عدة مرات، علا وارتفع، ثم غطس في مياه البحيرة..

ماجت المياه وامتدت أمواجها حتى المجلس. نهض الناس واستغربوا هذا الأمر، فغسلوا وجوههم وأياديهم بالمياه الباردة.

ومن هنا حلق الكركي ثانية باتجاه عفدال، وغدا يحوّم فوقه وصار يزعق..
كان عفدال يضحك..
“كلي” كانت تضحك..
تمو كان يضحك ويصفق..
الأصدقاء والأصحاب يضحكون..
الناس جميعاً فرحون ضاحكون..
الكركي أيضاً كان يطير وهو يصرخ ويصيح.

طار الكركي.
طار بما فيه الكفاية، ثم رجع إلى عفدال، لائذاً به واسترخى على ركبته.. كان الجميع فرحين.. عفدال كان يضحك.. “كلي” كانت تضحك.. تمو كان يضحك.. الناس والمجتمعون كانوا يضحكون.