مقالات الكتاب

لن تلتزم تركيا الأردوغانية

بقلم الكاتب : أحمد شيخو

من يتابع تدفق الحياة عبر التاريخ يلاحظ أن المجتمعات عندما تصادف الأزمات تحاول إيجاد الحلول استناداً إلى التراكم التاريخي لكينونات المعاني والبنى ولمعارفها وقيمها ومجهوداتها السابقة وذلك بإيجاد رؤى وذهنيات ونظم للحياة والعلاقات تترجم سلوكيات ومقاربات ما يجعلها تتجاوز أزمتها .

وكما في كل المخاضات والولادات العظيمة للأفكار والحلول يلاحظ بعد فترة يقوم بعض الأفراد والتيارات في المجتمعات باستغلال ما كان منظومة للحل وتبدأ بتحويرها وإدخالها في أنفاق ومسالك تخدم رغبتهم في التحكم والسيطرة والنهب.


ولعل استغلال أباطرة الروم للمسيحية لتثبيت حكمهم ومنهم الإمبراطور قسطنطين بولوس وغيره من الذين كانوا يقيمون “الكولوسيوم” ويجعلون الناس يقتلون بعضهم وهم يدعون المسيحية. وكذلك ما فعله كيروس و البرسيون بالفلسفة الاخلاقية لزرادشت المنحدر من جبال زاغروس واستعمالها في بناء الامبراطورية على جماجم الناس كان في نفس الإطار. وأيضاً فعل بعض من قريش يوم فتح مكة نفس الشيء للحفاظ على تجارتهم ومكانتهم.

ما فعله العثمانيون ويفعله اليوم أردوغان وكذلك ما فعله الخميني ويفعله الخامنئي بالإسلام بالإضافة إلى ما يفعله الصهاينة بالديانة اليهودية كلها تندرج في نفس منحى الاستغلال والتلاعب بمقدسات المجتمعات والشعوب وبل أغلبهم من نفس المنبع والمنطق.

بعد الأحداث التي مازالت مستمرة في المنطقة وبسبب حالة الفوضى والأزمة والفراغ الفكري والسياسي وغياب الرغبة وأفق الحل من قبل القوى العالمية المهيمنة، تدخل وتمدد القوى الإقليمية بمشاريعها الساعية للهيمنة وعلى رأسها تركيا الأردوغانية الإخوانية التي تحاول زوراً وبهتاناً ونفاقاً استعمال الديانة الإسلامية لتمرير مشروعها العثمانية الجديدة وما كان داعش والنصرة إلا نتيجة وترجمة للعلاقات التركية المشبوهة لضرب قيم التسامح وصورة الإسلام الحقيقي في العالم حتى أصبح أردوغان يسمي مجموعاته المرتزقة بما يسمى “جيش محمد ” و يبعثهم لقتل المسلمين من العرب والكرد .

وتجاوز أردوغان على حرمة ومكانة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عندما قال إن الانقلابين لم يروه بالطائرة كما لم يرى المشركون سيدنا محمد وأبو بكر الصديق في غار حِراء، وما كلامه إلا ليقول أنا الخليفة أو الرسول استغلالاً ونفاقاً وكذباً فهو من سهّل عمل الانقلابين في 15يوليو 2016م .

قامت السلطات التركية وأردوغان بتكوين نسخة من الانكشاريين الجدد من ما يسمى ” الائتلاف الوطني السوري” وجماعة فايز السراج وإسماعيل هنية و راشد الغنوشي وأمير قطر وغيرهم حتى أصبح أردوغان المرشد الفعلي للإخوان وللإرهابين يحارب شعوب المنطقة بثلة من المرتزقة وبتمويل من بعضهم.

على شعوب ودول المنطقة معرفة أن من يعول على التوصل للحلول بوجود حضور التأثير والتجاوزات الأردوغانية مع الوقف الجزئي والمؤقت لبعض أماكن القتال استناداً إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار غير مجدي، لأنه لو دققنا قليلًا في سجل تركيا في مجال وقف إطلاق النار في مواقف وأماكن كثيرة للوصول إلى الحلول للأزمات سنجد:

1- وقف إطلاق النار في الحرب التي تخوضها تركيا منذ تأسيس تركيا على الشعب الكردي بين الطرف الكردي والسلطات التركية هناك حوالي 20 مرة تم وقف النار من قبل الجانب الكردي في فترة( 1923_1939 م) وفي كل المرات كانت السلطات التركية لا تنفذ التزاماتها بل تعتقل وتعدم من يأتي إلى المفاوضات للحل . وزد على ذلك أن من 1993 وحتى الآن وقف حركة الحرية في شمال كردستان وتركيا القتال أكثر من 10 مرات وكان الطرف التركي بسلطاتها ودولتها العميقة تخرق وتتجاوز على الاتفاقيات وبل كانت من طرف تفاوض الكرد ومن طرف آخر تحضر القبور للطرف الكردي واتفاقية الإعلان في قصر “دولما بهجه” خير مثال، حيث بعد فترة قصيرة أعلن أردوغان أنه لا يلتزم بها رغم موافقته عليها في البداية.

2- لم تلتزم تركيا الأردوغانية بالسماح للجرحى من الشباب الكرد في مدينة جزيرة في محافظة شرناخ بجنوب شرق تركيا بالخروج والمعالجة اثناء هجوم جيش الاحتلال التركي على المدينة عام 2016 وقامت المخابرات والجيش التركي بأمر من أردوغان بحرق حوالي 150 جريح بالبنزين في ملاجئ بالمدينة حسب تقرير منظمة العفو الدولية.

3- في سوريا تكلم أردوغان عن خطوط حمر كثيرة مقابل النظام السوري ودعماً لطرف معين في سوريا لكنه بعد فترة تحولت خطوطه الحمر إلى خضر وصفر بوجود الإيراني والروسي معه في محور التسويف والمماطلة محور الآستانة مع غض النظر من قبل الطرف الأمريكي والأوربي .

4- لم تلتزم تركيا بتعهداتها مع الاتحاد الأوربي فيما يخص ملفات عديدة منها ملف حقوق الانسان والحريات الشخصية والقيم الليبرالية الأوربية وتنفيذه شروط الترشيح و الدخول إلى الاتحاد الأوربي حتى أوقف الاتحاد الأوربي مفاوضات الانضمام.

5- لم يلتزم الطرف التركي الأردوغاني باتفاقية “أردوغان _بنس” واتفاقية سوتشي حول شمال و شرق سوريا ويستمر حتى الأن بالهجمات والتعدي على مناطق الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا. وحتى أنها لم تلتزم كدولة احتلال بالتزاماتها بعفرين ورأس العين وتل ابيض ونفذت جرائم حرب كثيرة ضد الانسانية من التطهير العرقي والقتل الجماعي والتهجير والتوطين بحق العرب والكرد وشعوب المنطقة في تلك المناطق.

6- اتفاقيات سوتشي ووقف اطلاق النار بمحافظة إدلب لم يلتزم بها الطرف التركي ويحاول مراراً زيادة أوراقه ونقاط القوة للتحكم والتدخل بمصير سوريا بل زاد عليه إرسال المرتزقة الذين يحملون أسماء السلاطين العثمانيين من المناطق المحتلة بشمال سوريا للقتال ضد الشعب العربي بليبيا.

ويعتقد الكثيرون مما سبق أن السلطات التركية المتجمعة حول حزب العدالة والتنمية والحركة القومية التركية لن تلتزم بأيٍ من تعهداتها أينما كان وآخرها خرق جماعة السراج ومن ورائها تركيا لاتفاقية وقف أطلاق النار حوالي طرابلس العاصمة. والدافع والمحرض له لسلوك أردوغان يتلخص في:

1- الوضع الداخلي لتركيا ولاقتصاده ولحزبه المتأزم والذي يعيش آخر أيامه .
2- رغبة أردوغان وذهنيته العثمانية الساعية للتمدد بالمنطقة.
3- رغبة الأطراف الدولية بالسماح له بالتورط أكثر في الملفات الإقليمية الشائكة للتحكم به وفرض الشروط عليه واستغلال تركيا كما تفعل روسيا وأمريكا وغيرها معه ومع إيران الخمينية .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق