الرئيسية / تاريخ / “روجیه لیسكو” الفرنسي الذي يجهله الكرُد في سوريا

“روجیه لیسكو” الفرنسي الذي يجهله الكرُد في سوريا

(روجیه لیسكو 1914-1975) كاتب ومستشرق كردولوجي ودبلوماسي فرنسي.

وُلد روجيه ليسكو في عام 1914 بمدينة “ليون” ودرس في “جامعة باريس” الأدب الفرنسي، السياسة واللغات الشرق أوسيطة. وبعد تخرجه من الجامعة عام 1932، بعثته الحكومة الفرنسية إلى المعهد الفرنسي في دمشق لإجراء أبحاث ودراسات علمية في المنطقة.

وفي دمشق تعرف على العلامة “جلادات علي بدرخان” وقاموا بدراسات حول التاريخ والتراث الكردي.

جلادات علي بدرخان

كان يكتب مقالات بالفرنسية والكردية في جريدة “هاوار” باسم ” Tawûsparêz”، كان مشهوراً جداً بين كُرد سوريا، كان الناس يلقبونه بـ ” Lezgîn Axa”، وفي عام 1945 قام بافتتاح دورات اللغة الكردية في جامعة السوربون وبدأ بإعطاء دروس اللغة الكردية.

روجيه كان فرنسياً ولكن روحه كانت معلقة بالشرق الغامض فصب كل جهده على تعلم اللغات الشرق أوسطية كـ (الكردية، الفارسية والعربية)، أمضى ريعان شبابه في سوريا حيث كان يستقي الأحداث من أفواه الشعوب التي كانت ضمن الخارطة السياسية الراهنة لسوريا.

الكرُد، كانوا محور تركيزه الأهم، روجيه جعل من الكرُد القاعدة الأساسية لأعماله الأدبية واللغوية التي أبصرت النور من خلال أعمال توثيقية في جبل الكرُد (عفرين) وسنجار (شنكَال) حيث ألفَ كتاباً قيّماً عن حياة الكرُد في منتصف ثلاثينات القرن الماضي

« Les Yezidis de Syrie et du Djebel Sindcar »

إيزيدو سوريا وجبل سنجار (شنكال)

 ومن خلال تنقله بين المناطق المختلفة من سوريا تعرّف على طبيعة وعادات شعوب المنطقة وهذا ما دفعه إلى نقل الصورة الحقيقة للوضع الاجتماعي والسياسي في تلك الحقبة.

عُيّن مديراً لمدرسة دمشق العربية بين عامي (1941-1942) ومديراً للمعهد الفرنسي في دمشق بين عامي (1942-1944)

والتحق “روجيه” بالعمل الدبلوماسي في سوريا عام (1944) وعُيّن سفيراً ووزيراً مفوض من قِبل وزارة الخارجية الفرنسية.

يُعدُّ (روجيه ليسكو) واحداً من أهم وأشهر الكُتّاب الفرنسيين، كرّس جُلَّ أعماله الأدبية في خدمة اللغة والأدب والتراث الكردي، ويعود له الفضل بمساعدة جلادات بدرخان (الأب الروحي للغة الكردية) في تأسيس القواعد الأساسية للغة الكردية.

كتاب (قواعد اللغة الكردية)

 

حبه وشغفه للغة الكردية دفعه لتعلمها وإتقانها بكل تفاصيلها، رغم الفرق الشاسع بين اللغة الفرنسية والكردية. ومن خلال تعمقه باللغة الكردية قام بتأليف كتاب متخصص في قواعد اللغة الكردية.

دخل إلى قلب عفرين وعاش بينهم يتجول بين القرى ليكتب عن شعباً منسي على رفوف التاريخ المزيف، التاريخ المخفي الذي حرّفه الجهل والتجاهل من ظهوره للعلن.

قرية عرش قيبار-عفرين 1936

كتب عن الأحدث التي جرت في جبل الكُرد (عفرين) إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا ووثق أدق التفاصيل عن الصراعات الدائرة بين الكرد والفرنسيين وحتى بين العشائر الكردية في عفرين وصداماتها الدموية مع (المريدين) في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي من خلال كتابه (جبل الكُرد وحركة المريدين)، يذكر روجيه أدق التفاصيل في سرد الأحداث الجارية في تلك الآونة، ويلخص حجم التناحر الدموي بين العشائر وبين حركة المريدين التي كان يتزعمه (إبراهيم خليل) الملقب “شيخ أفندي” وفيما بعد، تبين أنه ضابط استخبارات تركي بُعث بمهمة سرية وحساسة إلى جبل الكرد (عفرين) لتأليب الشعب ضد الفرنسيين بعد أن تيّقن الأتراك الكماليون حجم وثقل الكرد في عفرين بالتأثير على الخارطة السياسية في تلك الفترة.

روجيه ليسكو (جبل الكُرد والحركة المريدية)

ولكن بعد اكتشاف أمر (شيخ أفندي) وهروبه إلى تركيا لم تعد للدولة الطورانية خطط للسيطرة على عفرين عبر مرتزقة تعمل لخدمة الفكر الآتاتوركي، وهذا الفشل لم يمنع الأتراك من وضع خطط مستقبلية للسيطرة على هذه البقعة من سوريا.

(إبراهيم خليل) الملقب “شيخ أفندي”

باختصار، ما يجري حالياً من فظائع بحق أهل جبل الكُرد (عفرين) هو تنفيذ الأحفاد لوصايا أجدادهم عبر احتلال عفرين من خلال مرتزقة كأمثال (شيخ أفندي) وما أكثرهم !

 

روجیه لیسكو في عفرین عام ١٩٣٦

 

خلال زیارته إلى سوریا تعرف على القائد عثمان صبري و دكتور كامیران بدرخان و العلامة القومي جلادات بدرخان حیث ساعدوا روجیه بتعلم اللغة الكردیة وتدوین ملحمة “ماميه ألان” والكثیر من النصوص الفلكلوریة الكردیة .

ويعود الفضل له في نشر ملحمة “ماميه آلان” في الغرب (أوروبا) عبر ترجمته لهذه الأسطورة الكردية المشهورة بين الكُرد في العالم بأكمله.

قام بزیارة عفرین عدة مرات وفي عام ١٩٣٦ وصل إلى جبل الكُرد “عفرین”  واتخذ من إعزاز مقراً له بشكل مؤقت وبدأ في شھر تشرین الثاني بجولة في قرى جبل لیلون وسھل جومة، استغرقت جولته ثلاثة أسابیع، وقام من خلال ھذه الجولة بزیارة ٢٦ قریة یذكره بالاسم في كتابه الرائع :

Les Yezidis de Syrie et du Djebel Sindcar

إيزيدو سوريا وجبل سنجار (شنكال)

الكتاب مؤلف من قسمین :

قسم عن إیزیدیي جبل شنگال وقسم عن ایزیدیي سوریا (الجزیرة وجبل سمعان)

عن إیزیدیي الجزیرة یقول روجیه :

أن أولى الھجرات الإیزیدیة كانت في القرن الثامن عشر والتي استقرت في منطقة عامودا خلال فترة استقرار قبیلة” الملّیة” الكردیة في عامودا .

وعن إیزیدیي منطقة عفرین یقول روجیه :

إن تجمع إیزیدیي جبل سمعان (جبل لیلون في عفرین) ھو بلا منازع التجمع الإیزیدي الأھم والأكثر ثباتاً في سوریا، على رغم من أنه لا یفوق تجمع الجزیرة في العدد والأنفس.

زيارة شيخ عبد القادر-قرية ترنديه عام 1936

ھذا یعني أن عدد الإیزیدیین في الجزیرة كان أكبر من عدد إیزیدي منطقة عفرین ويقول روجیه:  إن عدد الإیزیدیین (عفرین) حسب الأرقام التي زودنا بھا زعیم الإیزیدیین جمیل آغا (ابن درویش آغا من قیبار) ھو ألف وخمسمائة نسمة .

جمیل آغا (ابن درویش آغا من قیبار)

 

ویضیف روجیه أيضاً :

إن معظم الإیزیدیین یتمركزون بین جبل سمعان (جبل لیلون) ووادي عفرین (یقصد حوض نھر عفرین) الذي یكاد یكون إیزیدیاً بأكمله حتى منعطف غزاویة (قریة تقع جنوب المنطقة بـ ٢٠ كم) وفي الشمال ثمة أربعة بلدات صغیرة وھي قسطل جندو، سينكو، بافلون، قطمة .

خريطة توزع الإيزيدين في جبل سمعان-عفرين

أما عن تاریخ وجود الإیزیدیین في عفرین یقول روجیه:  یعود تقریباً إلى عام ١٢٠٠ م.

 

وحول مسألة الدخول إلى الإسلام والثبات على دین الأجداد یقول روجیه :

إن سكان قرى : شیح الدیر ،غزاویة ،برج عبدالو ظلوا مخلصین لدین شیخ آدي في حین أن سكان بعض القرى مثل كورزیل وعین دارة وباسوطة یعدون من أقدم الداخلین إلى الإسلام وربما ھذا یكون لصرعاتھم الداخلیة المنسیة الیوم.

إن الكتاب القیّم (Les Yezidis de Syrie et du Djebel Sindcar) الذي أصدره روجیه حول زیارته لعفرین والجزیرة وجبل شنگال یتمتع بأھمیة كبیرة جداً كونه دراسة میدانیة وفي فترة حساسة من تاریخ سوریا والشعب الكردي خلال منتصف ثلاثینیات القرن الماضي.

تحقيق خاص لوكالة روماف – وجه الحق

Rumaf – وجه الحق – 28-01-2020