سياسةمقالات الكتاب

بين هنانو واللاجئين السوريين ….. مئة عام من الاستغلال التركي

بين هنانو واللاجئين السوريين ….. مئة عام من الاستغلال التركي

الكاتب -حسان يونس

عندما أعلن الزعيم الكردي الأصل، السوري الانتماء ابراهيم هنانو ثورته في شمال البلاد على الاحتلال الفرنسي عام 1920، تلقّى دعما ماديا محدودا بصورة سرية من سكان مدينة حلب، لكن الدعم الأساسي الذي أمدّ ثورته بالحياة، كان يأتي من القوميون الأتراك بقيادة مصطفى كمال، فالحركة القومية التركية كانت تقاتل في ذلك الوقت جيش المشرق الفرنسي في كيليكية والأناضول، حيث قدمت السلاح والرجال والأموال بكميات وافرة إلى قوات هنانو، من اجل مزيد من الضغط على الفرنسيين.
كما عمد القوميون الأتراك إلى نشر الدعاية المؤيدة للأتراك والمعادية للفرنسيين، وهي دعاية اعتمدت في بعض محتواها على التضامن الديني مع الأتراك (كما يفعلون الآن تماما)، الذي كان قوياً ولا زال قويا بشكل واضح في شمال سوريا.
فكان نتيجة ذلك أن العديد من داعمي ثورة هنانو، كجميل إبراهيم باشا كانوا من أتباعا مصطفى كمال اتاتورك، كما تلقى هنانو الدعم من صلاح الدين عادل بك قائد الفيلق التركي الثاني، إضافة إلى أن الأتراك أرسلوا قوة راجلة بضباطها وجنودها ووضعوها تحت إمرة ابراهيم هنانو، فكثر السلاح وكثر الثوار وتوالت الانتصارات وبدأ الخناق يضيق على الفرنسيين، عند هذه اللحظة التي أصبح فيها الدعم التركي لثورة هنانو مؤلما للفرنسيين، عند هذه اللحظة نضجت حاجة الفرنسيين إلى التفاهم مع الأتراك، فوصلت المفاوضات بين تركيا وفرنسا إلى اتفاق بشان كيليكية هي اتفاق “فرانكلين – بوييون”، التي سمحت بانسحاب الحاميات الفرنسية من كيليكية ومن أقضية عينتاب ومرعش وروم القلعة وأورفه (وهي اقضية كانت جزءاً من ولاية حلب في المرحلة العثمانية)، وتوافدت هذه الحاميات لدعم الجيش الفرنسي في قمع الثورة في حلب وريفها، فأصبح هنانو في مواجهة منفردة مع القوة الامبريالية الثانية في ذلك الزمن، بينما حقق الأتراك مبتغاهم مستغلين ورقة الثوار السوريين.
حين بدأت المساعدات التركية بالتوقف تدريجياً، اعتمد هنانو يائساً على قطاع الطرق المحليين في انتزاع الأموال من السكان المحليين، وتواصلت عملياته حتى ربيع 1921 حين أكملت القوات الفرنسية حصارها وفككت قياداته، فالتجأ بعد ذلك إلى شرق الأردن، وبعد رحلة هرب واعتقال مريرة دافع المحامي الحلبي المسيحي، فتح الله صقال عن هنانو محتجا بأن موكله كان بطلاً وطنياً، وعندما تناول هنانو الكلام، نزع ورقة التوت عن الدور التركي ملقيا مسؤولية العمليات العسكرية على الأتراك، باعتبار أن العمليات جميعها كانت في أيدي حكومة مصطفى كمال في أنقرة.
عندما تأزّم الوضع الداخلي في سورية بعد عام 2011، وفي موقف مشابه لما حصل قبل مئة عام، أعاد الأتراك استعمال العامل الديني في كسب ولاء السوريين وشحنهم غريزيا واستعمالهم ورقة في المفاوضات الإقليمية، وتجلّى ذلك في نموذج رجب طيب اردوغان الذي تلفع بالإسلام خلال سعيه المحموم للبحث عن المصالح التركية الخالصة، وخلال متاجرته بدماء السوريين وأرزاقهم وإبرامه الصفقات في الكواليس مع الروس والأمريكيين على حسابهم.
بعدما أوغل اردوغان في حشد السوريين، وشحنهم دينيا ولوجستيا بين عامي 2011 -2016، بغية تسعير أوار القتال الداخلي، وتفكيك المجتمع السوري بين مذاهب واثنيات، بعد كل هذا التجييش دخل الأتراك في تفاهمات سرية مع الروس (عوضا عن الفرنسيين قبل مئة عام) سمحت بإعادة حلب إلى كنف الدولة السورية في 2016 في مقابل السماح لتركيا ببدء عملية درع الفرات في بعض مناطق الإدارة الذاتية شمال سورية، ثم كرت السبحة فامتدت التفاهمات التركية الروسية الى عملية غصن الزيتون في عفرين في 2018 وعملية نبع السلام في المنطقة الآمنة في شمال البلاد في 2019 وكذلك امتدت إلى ليبيا في 2019 والى عملية استعادة ادلب الجارية حاليا.
هكذا استغل الأتراك الاضطرابات الداخلية التي شهدتها سورية بعد 2011 إلى أقصى حد ممكن، لتعظيم نفوذهم الجيوسياسي في الإقليم، فاستعملوا اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا ورقة يبتزون بها الاتحاد الأوروبي، الذي ما إن يتباطأ في تسليم تركيا المساعدات المالية، حتى يهدد اردوغان بفتح حدود بلاده مع الدول الأوروبية أمام موجات اللاجئين في ابتزاز مستمر للأوروبيين.
كما استعملوا اللاجئين السوريين كحاجز بشري بين الأكراد السوريين والأكراد الأتراك، من خلال إعادة توطينهم في عفرين وبقية مناطق الشمال السوري التي تدخل ضمن نطاق المنطقة الآمنة، وما قد ينتج عن ذلك من نزاعات عرقية تدخل ضمن سياق السياسات التركية الثابتة في بث النزاعات العرقية والمذهبية بين السوريين منذ الزمن العثماني، حيث أن غالبية المقاتلين في العمليات التركية ضد الأكراد في عفرين وفي المنطقة الآمنة هم من السوريين وليسوا من الأتراك، وكثير منهم تم تجنيده من مجتمعات اللاجئين داخل تركيا، وأدخلوا تحت مظلة فصائل مسلحة مدعومة تركياً.
قبل مئة عام تفاوض الأتراك مع الفرنسيين مستغلين دعمهم لثورة هنانو فانتزعوا كيليكيا واضنة ولواء اسكندرون، وهي جميعا أراضي سورية، أما اليوم ففاوضوا الروس مستغلين دعمهم لبعض الجماعات السورية المسلحة في شمال غرب البلاد، وانتزعوا قبولا روسيا بالمنطقة الآمنة وباحتلال عفرين، وبالتغيير الديمغرافي ضمن المنطقة الآمنة، وبسياسات التتريك البالغة الخطورة ضمن هذه المنطقة، وبمشروع السيل الجنوبي الذي يسمح لتركيا بلعب دور ممر الطاقة بين روسيا واوروبا، وكذلك انتزعوا اتفاقا حول الحصول على منظومة أس 400 .
وهذا في مجمله ما لخصه الأكاديمي غوني ييلديز من معهد دراسات الشرق الأوسط: “لقد تعامل الرئيس أردوغان مع الثورة السورية واللاجئين السوريين على أنهم بطاقة سياسية ليلعبها ضد أعداء ومنافسي تركيا”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق