2017/10/21 - 11:37 ص

الكوريدور الكوردي

الكوريدور الكُردي
لماذا أحدث انقلاباً في السّياسة التركية؟
د. أحمد الخليل
الموقع الجيوستراتيجي عامل مهمّ جداً لفهم أسباب الصراعات السياسية عموماً، والتنبّؤ بمساراتها ومآلاتها، وعلى ضوء هذه الحقيقة ينبغي البحث في أزمة (الكوريدور الكُردي)؛ نقصد المناطق الكردية على الحدود السورية- التركية، من الجزيرة شرقاً إلى عَفرين وإلى البحر الأبيض المتوسّط غرباً.

هذا الكوريدور الكُردي (الصغير جغرافياً) أحدث انقلاباً هائلاً في السياسة التركية، هو الذي جعل صُنّاع السياسة التركية يهرعون جهراً للتصالح مع إسرائيل وروسيا، متجاهلين مواقفهم المتعجرفة تجاه هاتين الدولتين. وهذا الكوريدور الكُردي هو الذي دفعهم إلى أن يهرعوا سرّاً إلى للتصالح مع الرئيس السوري بشّار الأسد، مستنجدين بروسيا وإيران، ومتجاهلين حلفاءهم (المعارضة السورية). وهذا الكوريدور الكُردي هو الذي يدفعهم إلى التصالح مع مصر، متجاهلين حلفاءهم (الإخوان المسلمون)، بل إن هذا الكوريدور سيدفعهم إلى التصالح حتّى مع الأبالسة إذا لزم الأمر.
واهتمام الساسة الأتراك بهذا الكوريدور الكُردي ليس جديداً، ظهرت بوادره أيّام الانتداب الفرنسي على سوريا في أوائل عشرينيات القرن الماضي، فبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، سيطر الحلفاء على أجزاء من تركيا، وسيطر الفرنسيون على كيكليكا وأجزاء من شمالي كُردستان (انظر الخريطة- اللون السّماوي).

واستنفر قادة تركيا حينما علموا أن فرنسا تخطّط لإقامة حكم ذاتي في المناطق الكُردية، ضمن ذلك الكوريدور وعلى أطرافه الشمالية، فاستغلّوا المشاعر الإسلامية عند الكُرد، وشجّعوهم على الثورة ضد فرنسا، وأقاموا مركز ارتباط في أورفا وديلوك (عينتاب) لإدارة الثورات الكُردية في منطقة الجزيرة، وفي منطقتي عَزاز وعفرين، وفي مناطق إدلب، ودعموها بالمال والسلاح والمستشارين.
إن تركيا حوّلت تلك الثورات إلى أوراق ضغط على فرنسا، وتمكّنت بذلك من إجهاض مشروع الحكم الذاتي الكُردي، وإسقاط اتفاقية سيفر (1920) التي فتحت الباب لقيام حكم ذاتي كُردي في شمالي كُردستان، قابل لأن يكون دولة كُردية، وإحلال اتفاقية لوزان (1923) محلّ اتفاقية سيفر، وبعد تحقيق مآربها مع فرنسا، سرعان ما تخلّت عن تلك الثورات، فانطفأت بعد حين.


إن هذا الكوريدور الكُردي يهمّ صنّاع السياسة التركية لسببين متلاحمين، هما المسألة الكُردية، ومشروع (العثمانية الجديدة). فالمسألة الكُردية مشكلة تؤرّق تركيا بشدّة، ولم يكن الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل يمزح حينما قال ذات مرة: ” لن نسمح بقيام دولة كُردية حتّى لو في إفريقيا”، إن قيام دولة كُردية يعني أن تركيا ستصبح دولة قزمة، وسيذهب مشروع (العثمانية الجديدة) أدراج الرياح.
ومعروف أن قادة تركيا لم تكونوا راضين بوجود إقليم جنوب كُردستان الفيدرالي، وحتّى الآن يسمّونه (شمال العراق/إقليم شمال العراق)، وهم يعرفون أن هذا الإقليم حتّى لو أصبح دولة مستقلّة، فسيبقى تحت رحمة العراق، وإيران، وتركيا، وسوريا، وسيبقى ضعيفاً، ولن يمتلك قراره المستقلّ بالكامل، وستبقى تركيا هي المنفذ الأهمّ لأن يتواصل مع العالم، وسيكون حديقة خلفية للدولة التركية.
ويدرك قادة تركيا أيضاً أن الزلازل الجيوسياسية والجيوثقافية في الشرق الأوسط ستتواصل، وأن وجود كوريدور كُردي في شمال سوريا (غرب كُردستان)، وبنفوذ كُردي على نحو ما، يفتح الباب لاحتمال أن يصبح كوريدوراً لإقليم جنوب كُردستان إلى البحر الأبيض المتوسّط، ويكون بوّابتَه إلى العالم، ولن يكون بحاجة إلى تركيا.
ويضع قادة تركيا في الحسبان احتمالَ حدوث معجزة إلهية، ويتفاهم قادة الأحزاب الكُردستانية الكبرى (PDK و YNKو PKK)، أو قد تقتضي مصالح القوى الكبرى ظهور (أولبرايت) أخرى لصياغة التفاهم الكردي، وعندئذ سيتيح هذا الكوريدور الكُردي المجالَ لأن يتحوّل إقليم كُردستان الفيدرالي إلى دولة كُردية تمتلك مقوّمات الاستمرار والازدهار، وليس هذا فحسب، بل قد تصبح لاعباً في بورصة السياسة الإقليمية الدولية، وتمتلك (أوراق ضغط) و(أوراق إغراء) لاستقطاب الأصدقاء والحلفاء.
وحينذاك، وبفضل هذا الكوريدور الكُردي الصغير، لن يبقى رئيس تلك الدولة الكُردية مجرّدَ (زعيم عشيرة)، حسبما وُصف السيّد مسعود بارزاني منذ سنوات من قِبل بعض كبار المسؤولين الأتراك. ولن يستطيع السيّد رجب طيّب أردوغان، ولا غيره من رؤساء الدول، أن يستقبل الرئيس الكُردي في غياب العلم الكُردستاني.
وبفضل ذلك الكوريدور الكُردي الصغير، لن يستطيع السيّد رجب طيّب أردوغان، ولا غيره من رؤساء الدول، أن يجلس مع الرئيس الكُردي كسلطان، ويحشره أمام خزانة بكيفية غير لبقة، ومجرّداً من أيّ رمز كردستاني، كما فعل بالسيّد مسعود بارزاني، خلال زيارته لأنقره يوم 24 -8- 2016، بناء على دعوة من الرئاسة التركية.

أجل، لهذه الأسباب أسرع قادة تركيا إلى إحداث انقلاب هائل في سياساتهم الإقليمية والدولية، غير عابئين بنقد الخصوم ولا بامتعاض الأصدقاء والحلفاء، وهم يعرفون من خلال إرثهم السياسي العثماني أن (درهم وقاية خيرق من قِنطار علاج)، وأن بقاء الكوريدور الكُردي يعني أن مصير تركيا أصبح على كفّ عفريت.
6 – 9 – 2016
الولايات المتحدة الأمريكية
dralkhalil@hotmail.com
http://www.kacenter.net/