2017/08/22 - 7:32 م

الأمّة الكُردية .. وصراع الأمم

 

د. أحمد الخليل Ahmad Alkhalil  

في تاريخ البشرية مفكّرون رائعون، نبّهونا إلى حقائق كبرى في الطبيعة والمجتمع الإنساني، منهم تشارلز دارْوين Charles Darwin، مكتشف قانون الانتخاب (الانتقاء) الطبيعي، هذا القانون يعني أن الصراع هو القانون الأعظم في الوجود، وأن البقاء للأقوى،

فالنجومُ في السماء تُجبر الكواكبَ على الدوران في أفلاكها، لماذا؟

لأنها الأقوى. وفي الأرض شعوب تُجبر شعوباً أخرى على الدوران في أفلاكها، لماذا؟ لأنها الأقوى.

وداخل كل شعب فئاتٌ تُدخل فئات أخرى في تبعيّتها، لماذا؟ لأنها الأقوى.  

وماذا عن حال الأمّة الكُردية على ضوء قانون الانتخاب الطبيعي؟  العبور من فلك إلى فلك: ها نحن منذ سقوط مملكة ميديا سنة (550 ق.م)،

أي طوال 25 قرناً، نُقاد من فلك أحد المحتلّين للدّوران في فلك محتلّ آخر:  ابتُلينا بالفرس الأخمين، ثم بالمكدونيين، ثم بالپارث (اَشْغان)، ثم بالساسانيين الفُرس أو المتفرِّسين، ثم بالعرب المسلمين، ثم بالتُّرك السلاجقة، ثم بالتُّرك الزَّنْكِيين، ثم بالتُّرك الخُوارِزْميين، ثم بالمُغول، ثم بالتَّتار، ثم بالعثمانيين التُّرك وبالصَّفَويين المُستفرِسين، ثم بالاستعمار الأوربي (إنكلترا وفرنسا).  

وأخيراً ها هم الفُرس والتُّرك والمُستعرِبون يتقاسمون وطننا، ويفرضون جنسيّاتهم علينا، ويُصرّون على انتهاك كرامتنا ونَهْب ثرواتنا، وفوق هذا يتّهموننا بالسرقة إذا تصرّفنا في قليل من ثرواتنا (حالياً يتّهم حكّام بغداد المُستعرِبون، في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي، حكومةَ إقليم كُردستان بسرقة البترول، لأنها تبيع بعض النفط الكُردي لدفع رواتب موظّفي الإقليم). الدَّوَران المستمرّ في فلك هذا المحتلّ وذاك؛ أليس دليلاً على أننا ما زلنا في موقع (الأضعف)، وأن الأقوياء يتحكّمون فينا؟  وثمّة تساؤلات أخرى تمسك بنا، وتطالبنا بإجابات دقيقة:  • كان جيراننا الفرس شعباً قَبَلياً متخلّفاً بالقياس إلى أسلافنا “الميديين الأقوياء”، حسب وصف ملوك الآشوريين( )، وكانت معظم بلاد الفرس (في جنوبي إيران) براري مقفرة، فلماذا استطاعوا انتزاع مملكة ضخمة من أيدي أسلافنا الميد، وأسّسوا أضخم إمبراطورية في الشرق الأوسط القديم، وعجز أجدادنا عن ذلك، وتَفرّس قسمٌ منهم؟ • في القرن (8 ق.م) وصل جيراننا الأرمن إلى منطقة آرارات (موطن أسلافنا الحوريين، ثم أحفادهم الخَلْديين)، وانتزعوها من الخَلديين (نايْري حسب التسمية الآشورية)،

وأقاموا فيها مملكة، وما زالوا مقيمين هناك في دولة مستقلة، فلماذا أفلحوا في ذلك وعجز أجدادنا حتى عن الدفاع عن وطنهم، وتأَرْمَن قسم منهم؟ • في القرن (7 م) أنشأ العرب- باسم الإسلام- دولة في شبه الجزيرة، رغم أنهم كانوا قبائل بدوية متصارعة، ويفتقرون إلى مقوّمات الحضارة بمعايير ذلك الوقت، ومع ذلك غزوا الشرق الأوسط وإسبانيا، وأسّسوا إمبراطورية لا تقلّ ضخامة عن إمبراطورية الفرس والإسكندر والرومان، فلماذا أفلحوا في ذلك وعجز أجدادنا حتى عن الدفاع عن وطنهم وعقيدتهم، وتَعرّب قسم منهم؟ • في بدايات القرن (14 م)، استطاع زعماء قبيلة تركية صغيرة في الأناضول أن يؤسّسوا السلطنة العثمانية نسبةً إلى جدّهم الأكبر (عثمان خان)،

وهيمنوا على ممتلكات دولة الخلافة العربية وإمبراطورية بيزنطا، وحكموا الشرق الأوسط وشرقي أورپا خمسة قرون، فلماذا أفلحوا وعجز أجدادنا عن فعل ذلك، وتَتَرّك قسم منهم؟ • منذ أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، كان أسلافنا يعيشون على شواطئ الخليج، فلماذا استطاع الفرس فرض اسمهم عليه، وإدخال اسم (الخليج الفارسي) إلى الخرائط العالمية، وعجز أسلافنا عن ذلك؟ لماذا لم يجعلوا اسمه (الخليج الميدي)؟ لماذا لم يجعلوا آريانا (إيران) كُرديةً وصارت فارسية وصرنا فيها مُستعمَرين؟ لماذا لم يجعلوا بلاد بابل وسومر (العراق) كُرديةً، وصارت مُستعرِبة وصرنا فيها مُستعمَرين؟  • ألم يكن من المفروض أن يكون نصف سوريا الشمالي جزءاً من كُردستان؛ بدل أن يحكمه المُستعرِبون ويستعمروننا؟ ألم يكن من المفروض أن تكون البلاد التي تسمّى (تركيا) جزءاً من كُردستان، بدل أن نكون فيها مُستعمَرين؟ ألم يكن من المفروض أن نكون الآن سادة ممرّ البوسفور- الدَّرْدَنيل الإستراتيجي بدل أن يتحكّم فيه التُّرك؟ ألم يكن من المفروض أن يصل بترولنا الآن عبر أراضينا إلى موانئنا على البحر الأبيض المتوسّط، بدل أن نستأذن التُّرك وندفع لهم جزءاً من ثروتنا؟ اللُّغز الكُردي والغضب الأعظم: دعونا نكن صُرَحاء مع أنفسنا، ها نحن كالأيتام على موائد اللئام، وطنُنا محتلّ، كرامتُنا مهدورة، قرارُنا مصادَر، مصيرُنا مهدَّد، المحتلّون يُذلّوننا حينما يشاؤون، يسجنوننا حينما يشاؤون، يقتلوننا حينما يشاؤون، ثقافتُنا بعضُها مغيَّبة وبعضُها مشوَّهة، قيمُنا تتشوَّه، ثرواتُنا منهوبة. ماذا يعني كل هذا؟ يعني أننا فشلنا إلى الآن في المعركة الوجودية الكبرى؛ فشلنا في معركة (الانتخاب الطبيعي)، وعجزنا إلى الآن عن إثبات أننا من فئة الشعب الأقوى في ميدان صراع الأمم.  وهذه النتيجة في حدّ ذاتها مثيرة للدهشة بقدر ما هي مخيفة،

وتثير كثيراً من التساؤلات؛ لأنها تتناقض كلّياً مع وصفنا التاريخي العظيم (أُومّان مَنْدا) Ummanmande، بمعنى (قوّات مَنْدا) أو (القوّة المُرعبة)، وقد أطلقه جيراننا البابليون والآشوريون على أسلافنا الميديين( ).  وهذه النتيجة تتناقض أيضاً مع اسمنا التاريخي (كُرد) و(پَهْلَوان) بمعنى (بطل، شجاع، جَسور)؛ ألم يكن من المتوقَّع على الأقلّ أن ندافع- نحن أحفاد (أُومّان مَنْدا) والپَهْلَويين- عن كرامتنا،

ونعيش سادةً وأحراراً في وطننا كُردستان؟ أجل، ثمّة انفصام بين ما كان عليه أسلافنا قبل سنة (550 ق.م) وحال أجدادنا بعد هذا التاريخ، لغزُنا الأكبر يكمن في هذه الـ 25 قرناً من الاحتلالات المتتالية، هذه الفترة من تاريخنا تستحقّ وصفَ (حِقبةَ الهزيمة)، حِقبةَ العجز عن إثبات أننا الأقوى في صراع الأمم. وصحيح أن في تاريخنا مواقف مضيئة كثيرة، صنعها عظماؤنا الذين كانوا خميرة hêvan مقدَّسة للنبل والبطولة طوال حقبة الهزيمة، لكن المؤسف أن حالة الهزيمة المهيمنة على شرائح كثيرة من شعبنا كانت أقوى منهم،

إنها صارت بلاء عليهم، وساعدت المحتلّين على إفشال كفاحهم. والمشكلة الأكثر خطورة أن استمرارية حالة الهزيمة طوال 25 قرناً؛ تعني ضمناً استمرارية ثقافة الهزيمة، واستمرارية فكر الهزيمة، واستمرارية روح الهزيمة، واستمرارية ذهنية الهزيمة، واستمرارية سايكولوجيا الهزيمة، واستمرارية قيم الهزيمة، واستمرارية سلوكيات الهزيمة. وإن لـحالة الهزيمة تجلّيات كثيرة في تاريخنا: حشودٌ من الخونة، والمرتزقة (جُحوش)،

والممسوخين، والأنانيين، والمغفّلين، والحمقى، واللّامبالين، وصراعاٌت قبَلية ودينية ومذهبية وحزبية لا تنتهي. يا شعبنا، إننا خسرنا إلى الآن معركة (الانتخاب الطبيعي)، نحن إلى الآن أمّةٌ مهزومة في ميدان صراع الأمم، تلك هي الحقيقة المُرّة، وينبغي أن نكون شجعاناً في الإقرار بها. نحن بحاجة إلى نوعين من الغضب: الغضب على ذاتنا المهزومة، والغضب على المحتلّ.

الغضبُ الأعظم خطوةٌ أولى نحو النصر الأعظم، والأمّةُ التي لا تمارس الغضب الأعظم لا يمكن أن تُحرّر وطناً، ولا أن تجد لها مكانة محترمة بين الأمم، وستظلّ إلى الأبد بضاعة في أسواق النِّخاسة السياسية.   وهل يكفي أن نغضب؟ لا، وإنما ينبغي أن نحوّل الغضب إلى وعي شامل، وفكر علمي، ورؤية واقعية، ومبادئ سامية، وقيم نبيلة، ونحوّل جميع ما سبق إلى وحدة في الرؤية والموقف والممارسة، وإلى إرادة قوية، وإصرار عنيد، ومواقف شجاعة، وسلوك جادّ، ونضال مخلص. ومهما يكن فلا بدّ من تحرير كُردستان! من كتاب (كردستان أولاً) 22 – 9 – 2016الأتراك واسلاف الكورد العرب واسلاف الكورد (1) الأرمن واسلاف الكورد