2017/12/12 - 3:15 م

جمهورية شمال سوريا التُّركية هل اقترب موعد تدشينها؟

جمهورية  شمال سوريا التُّركية هل اقترب موعد تدشينها؟

د. أحمد الخليل

من الأهمّية بمكان وضعُ الصراعات الناشبة في الشرق الأوسط ضمن سياقاتها الجيوسياسية، ومن هذا المنظور أيضاً يمكن تفسير الصراع الدائر بتوحّش مرعب في سوريا منذ خمس سنوات، وكذلك تفسير الغزو التركي لشمال سوريا يوم 24 آب/أغسطس 2016، في إطار عملية (درع الفرات). وثمّة أمران مثيران للانتباه في هذا المجال، ولهما علاقة مباشرة بتقاسم الكعكة السورية، والأمران هما: – ظهور رموز تركية رسمية في الأراضي السورية. – دلالات خطاب الرئيس أردوغان في الجمعية العامة. رموز تركية في أرض سورية:  نُشرت على صفحات الفيسبوك صورة، يظهر فيها المجلس المحلّي المنعقد في مدينة جَرابلس تحت علم الدولة التركية، وصورة الرئيس التركي الأول مصطفى كمال آتاتورك، وأقلّ ما يُفهم من ظهور هذين الرمزين التركيين الرسميين في هذا الاجتماع، هو أن الاحتلال التركي لشمال سوريا بات حقيقة، ولا مجال للشكّ فيه، وأن تركيا شرعت تطوّر الاحتلال من كونه احتلالياً عسكرياً إلى كونه احتلالاً سياسياً أيضاً، أي إلحاقاً لجزء من الأرض السورية بالدولة التركية، وإن لتمرير هذه الصورة، وبهذا الشكل، وفي هذا التوقيت بالذات، هدفين رئيسين:  - الأول: بالون اختبار سياسي لاستكشاف ردود الفعل سورياً وإقليمياً ودولياً.  - الثاني: تهيئة الأجواء سورياً وإقليمياً ودولياً لتقبّل الاحتلال التركي تدريجياً.  سوريا للسوريين.. لكن:  وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس التركي السيّد رجب طيّب أردوغان، في الجمعية العامّة لهيئة الأمم المتحدة، يوم الثلاثاء 20 – 9 – 2016، وردت أقوال مثيرة، لها صلة مباشرة بالغزو التركي لشمال سوريا، فقد قال ما يلي: • ” أصدقائي الأعزاء: نؤكد على ضرورة وحدة الأراضي السورية والسياسة السورية، وتركيا تهتم بهذا الأمر أكثر من غيرها، نحن لسنا طامعين في الأراضي السورية، وإنما الأمر يتعلّق بأن سوريا للسوريين فقط، وعلى أيّ دولة ألّا تطمع في الأراضي السورية”. • ” عملية (درع الفرات) التي بدأناها في سوريا تساهم في إحلال الاستقرار والأمن من جديد في سوريا، تنظيم PKK وPYD الإرهابيان، وتنظيم داعش الإرهابي، هم المستهدفون من عمليتنا تلك، إن عناصر المعارضة المعتدلة في سوريا تساهم في محاربة الإرهاب هناك”. • “ما يحدث في سوريا يشكل خطراً على تركيا وأمنها، صبرنا كثيراً، لكن في 24 أغسطس هاجم الإرهابيون بتحميل طفل متفجرات، وأرسلوه إلى عرس فقتلوا 56 مواطناً، ولم تبق تركيا صامتة، بل بدأت التدخّل، وبدأنا بتطهير جرابلس من داعش، ثم ذهبنا إلى منطقة الراعي، بدأ أهالي جرابلس يعودون، بدأنا نطهّر المنطقة الممتدة من جرابلس إلى عزاز، كي لا تبقى ممرّاً للإرهابيين”. • “بدأنا نعمل من أجل مدّ مياه الشرب والكهرباء في منطقة جرابلس، ويقوم الهلال الأحمر ومؤسسة الإغاثة والكوارث بما يجب في تلك المنطقة، لمدّ كل الخدمات الاجتماعية، نخطّط لإعادة بناء الأحياء السكنية هناك”. رابط الخطاب: https://www.youtube.com/watch?v=nYIeZeU_bI8&feature=youtu.be  وأقلّ ما يُفهَم من أقوال السيّد أردوغان، أن الغزو التركي لشمال سوريا هو شكل آخر من الغزو التركي لشمال قبرص في 20 يوليو/تموز عام 1974، إنه بدأ غزواً عسكرياً، ثم أصبح احتلالاً شاملاً، ثم أصبح ضمّاً لشمال قبرص إلى تركيا من خلال إعلان استقلال )جمهورية شمال قبرص التركية ( في  15 نوفمبر  عام1983.  في حالة شمال قبرص، كان القبارصة اليونان قد قاموا بانقلاب عسكري في 15 يوليو 1974، يدعمهم المجلس العسكري اليوناني، وعُزل الرئيس مكّاريوس من منصبه،  فادّعت تركيا أن الانقلاب يشكّل خطراً على القبارصة الأتراك، وعلى أمن تركيا، وأنها تقوم بالتدخّل العسكري لحماية الشعب القبرصي التركي.  وهذا هو الذي يتكرّر في حالة شمال سوريا، فمن جهة يعلن الرئيس أردوغان، في الجمعية العامّة، أن تركيا حريصة على وحدة الأراضي السورية، وأن سوريا ينبغي أن تكون للسوريين، وفي الوقت نفسه يبرّر الغزو التركي لشمال سوريا في عملية (درع الفرات) بذريعة حماية تركيا من إرهاب حزب العمّال الكردستاني PKK، وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD (هذا حسب زعمه). وجدير بالذكر أن الغزو تمّ بتأييد من (المعارضة السورية المعتدلة)، ومعروف أن معظم الجماعات التي دخلت جرابلس بحماية الجيش التركي كانت جماعات تركمانية سورية. وقد تذرّع السيّد أردوغان أيضاً بأن الغزو التركي لشمال سوريا، كان لحماية تركيا من إرهاب داعش، وأن العملية الإرهابية التي نُفّذت يوم 24 آب أغسطس 2016، في حفل عرس بمدينة عَينتاب، كانت السبب المباشر للتدخّل التركي في شمال سوربا، والعجيب أنه لا هويّة منفّذ العملية الطفل عُرفت، ولا تنظيم داعش الإرهاب تبنّى تلك العملية، وصمتت الحكومة التركية إزاء ذلك صمت القبور. إنها (العملية اللُّغز)، ويصبح اللُّغز أكثر مدعاة للشكّ إذا عرفنا أن حفل العرس كان كُردياً، وأن الضحايا (51 قتيلاً، و69 مصاباً)، كانوا من الكُرد، ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن محمود توغرول، النائب المحلّي عن (حزب الشعوب الديمقراطي) الموالي للكُرد، قوله “إن العرس كان لأحد أعضاء الحزب”. ومعروف أن الحكومة التركية تعمل بكل وسيلة لتضييق الخناق على هذا الحزب، ولتجريده من القيام بأيّ دور سياسي فاعل في تركيا. تركيا والكعكة السورية: إن تطرّق الرئيس أردوغان إلى موضوع الغزو التركي (درع الفرات) في الجمعية العامة) ليس عبثاً، أنه يهيّئ القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، والقوى الكبرى، لأن تتقبّل الغزو العسكري مبدئياً، ولأن تتقبّل إنشاء (جمهورية شمال سوريا التركية) مستقبلاً، وإلحاقها بتركيا، وثمّة تمهيد لذلك، من خلال ربط المناطق المحتلة بين جرابلس وعزاز بشبكة الكهرباء التركية، وببقية المؤسسات التركية الخدمية تدريجياً. إن قادة تركيا يعرفون أن الصراع على سوريا سيطول، بل كانت لهم طولى في إدامة ذلك الصراع من خلال صبّ الزيت التركي (أموال، أسلحة، إعلام) على نار الصراع في سوريا، ويعرفون أيضاً أن سوريا تذهب نحو التقسيم، وحتّى إذا شاءت القوى الكبرى الإبقاء عليها كـ (هيكل دولة) في المرحلة الأولى، كالعراق ولبنان مثلاً، فإنها ستكون دولة مقسّمة إلى دوائر نفوذ تابعة لقوى خارجية.  لذلك أسرعت تركيا إلى تحديد حصّتها من الكعكة السورية منذ الآن، ووضعِ حجر الأساس لــ (جمهورية شمال سوريا التركية)، وهي بهذه الخطوة بين خيارين حُلوَين:  - إذا قُسّمت سوريا، فتكون تركيا قد أخذت الشطر الذي يهمّها استراتيجياً. – وإذا بقيت سوريا كـ (هيكل دولة)، فإن (جمهورية شمال سوريا التركي) ستكون ورقة رابحة في يدها للمساومة مع الجهات الإقليمية والدولية. وما يهمّ تركيا في جميع الأحوال هو قطع الطريق على أيّ كيان كُردي في شمال سوريا، يصل بين القامشلي وعَفرين، ويمكن أن يصل لاحقاً بين خانقين وعَفرين والبحر الأبيض المتوسط، وهذا هو الهدف الأهمّ من وراء وضع حجر الأساس لـ (جمهورية شمال سوريا التركية)، وبين حين وآخر يصرّح بعض كبار صنّاع السياسة التركية أنهم سيضمّون مدينة مَنبج إلى المنطقة التي احتلّوها، وهم بذلك يرسمون حدود (جمهورية شمال سوريا التركية)، فتكون على شكل مستطيل يمتدّ من الفرات شرقاً إلى عَفرين غرباً، مروراً بالتخوم الشمالية لمدينة حلب. والسؤال هو التالي:  ترى هل ثمّة اتفاق ضمني بين إيران (من خلال النظام السوري) وتركيا (من خلال المعارضة السورية) على تقاسم الكعكة السورية بعيداً عن المملكة العربية السعودية حليفة تركيا في الصراع على سوريا؟ وماذا سيكون الموقف المصري والسعودي من ذلك؟ وهل سيكون ذلك في إطار تقاسم نفوذ أمريكي- روسي أوسع؟

27 – 9 – 2016

dralkhalil@hotmail.com