2018/04/25 - 7:51 ص

الفكر الديني الكوردستاني ؛ في عمق التاريخ

الفكر الدّيني الكُردستاني
في عمق التاريخ
د. أحمد الخليل
لم تكن الأمّة الكُردية تعيش- قبل اليهودية والمسيحية والإسلام- في ظلمات روحية وأخلاقية، بل كانت جغرافيا كُردستان مهداً لأك

الفكر الديني الكوردستاني في عمق التاريخ

الفكر الديني الكوردستاني في عمق التاريخ

keca.kurd.ezdiثر المنظومات الميثولوجية والدّينية عراقة وتنوّعاً في الشرق الأوسط، وللتوضيح دعونا نقمْ برحلة إلى الجذور.
مراحل تطوّر الميثولوجيا الكُردستانية:
الأديان- بمقدّماتها الميثولوجية- تجلّياتٌ روحية لثقافات الأمم، وهي تجلّيات معرفية وقيمية وسايكولوجية لأوضاعها البيئية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولفهم جذور الميثولوجيا الكُردستانية لا بدّ من العودة زمنياً إلى العصر الحجريNeolithic (يبدأ بحدود 9000 ق.م)، والعودةِ جغرافياً إلى جبال زاغروس وطوروس (مهد الأمّة الكُردية) وإلى المناطق المتاخمة لها، فهناك ظهرت بواكير الحضارة بما فيها الميثولوجيا، وتطوّرت بمرور القرون عبر أربع مراحل:
أولاً – مرحلة حضارة گُوزانا: ظهرت حضارة گُوزانا Guzana في العصر الحجري المعدني (5600 – 4400 ق.م)، وسُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى (تلّ گُوزانا) قرب Serê Kaniyê (رأس العين) الكُردية، وعُرِّب اسم (تلّ گُوزانا) إلى (تلّ حَلَف) بتأثير سياسات التعريب التي مورست منذ 14 قرناً. إن حضارة گُوزانا كانت حضارة رائدة باتفاق المؤرخين الذين بحثوا في تاريخ الشرق الأوسط، وقد شملت معظم جغرافيا كُردستان، وفي أحضانها ابتُكرت الزّراعة، ومارس الإنسان تدجين الحيوانات، وبناءَ البيوت، وصناعةَ الفخّار.
وفي إطار هذه البواكير الحضارية نشأت العقائد والمفاهيم الميثولوجية أيضاً، وفي مقدّمتها آلهةُ الطَّقس، وإلهاتُ الأمومة والخصوبة، وطقوسُ الدَّفن، والاعتقادُ بالعالم الآخر، وكان الميّت يُدفَن ورأسه في جهة الغرب لمقابلة جهة شروق الشمس، بتأثير مركزية الشمس في معظم العقائد الكردستانية، وكانت تُدفَن مع الميّت بعضُ أمتعته الشخصية، وكان الاعتقاد هو أنه سيحتاجها في العالَم الآخَر().
ثانياً – المرحلة السُّومرية: من جغرافيا حضارة گُوزانا انحدر السُّومريون إلى جنوبي ميزوپوتاميا Mesopotamia حوالي 4000 ق.م، وجلبوا معهم ثقافة جبال زاغروس (جبال كُردستان) بمضامينها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي جنوبي ميزوپوتاميا اخترعوا الكتابة، وكتبوا (ملحمة جِلجامِش)، وبنوا زَقُورا Sêqre (معبدٌ على مكان عالٍ، وكان مؤلّفاً في الأصل من 3 طبقات)، واخترعوا التقويم السنوي الشمسي، وأسّسوا الپانثيون Pantheonالإلهي (مجلس الآلهة)، بقيادة الإله الأكبر (آنو) ثم الإله (إنْليل) ثم افله (إنْگي) لإدارة شؤون البشر.
ومن حضارة سومر (سليلة حضارة گُوزانا) فاضت منجزات الحضارة- بما فيها الميثولوجيا- على شعوب غربي آسيا، وعدّلها كلُّ شعب بما يتناسب مع ثقافته؛ منها على سبيل المثال: قصّة الطوفان، وقصّة النبي نُوح (Nûh= المجدِّد)، ويؤكّد التراث السّومري والبابلي واليهودي والمسيحي والإسلامي أن الجبل الذي رستْ عليه سفينة النبي نوح يقع في كُردستان (في التراث السومري- البابلي: نِيسِير Nisir، وفي التوراة: آرارات، وفي القرآن: الجُودي)، ومن حضارة سومر اقتبس الأكّاديون والبابليون إلهَ الشمس السّومري (أُوتُو) Utu ) بالكُردية Etûn بمعنى الشمس، واللهب)، وسمّوه (شِمِش).
وما إله الطَّقس السّاميّ في بلاد الرّافدين وسوريا (هَدَد= حَدَد)، سوى أحد تجلّيات الإله السّومري الأصل (آدَّو Addaw = أَداد= الرزّاق)، وما زال هذا الاسم باقياً في التّراث الكُردي بصيغ مختلفة؛ إنها باقية في اسم مدينة (آدي يَمان Adi yeman) في شمالي كُردستان، وفي أسماء الأشخاص عند الكُرد الأَيزديين بصيغة (آدي îAd، آدو Ado) وبصيغة (آديك Adik) للتصغير().
ثالثاً – المرحلة الكاشّية- الحُورية: تمتدّ هذه المرحلة بين (2000 – 1000 ق.م)، وكانت جغرافيا كُردستان تحت سلطة أسلاف الكُرد من الفرعين الكاشّي والحُوري (هُوري= أُوري= خُوري= سوري)، إضافة إلى هيمنة الكاشّيين على بابل (وسط العراق) وسومر. وتطوّرت الميثولوجيا الكُردستانية في هذا العهد، فعند الكاشّيين ظهر الإله خُود (خُودا Xwe de= موجِد نفسه(، وإله الشمس سُورْياش Suriash، ويماثله عند الحوريين والسّوباريين الإله (آسُورا= Ê Sore)، واقتبسه بعض الأُموريين، وسمّوه (آشُور) بحسب اللفظ الأكّادي، وعُرفوا باسم (آشوريون)، وسُمّي عند أسلاف الكُرد بعدئذ باسم (آهورا)، وخاصة في التراث الزَّردشتي().
وهناك أدلّة كثيرة على أن ثقافات شعوب العراق (أكّاديون، بابليون، آشوريون، كِلْدان)، وشعوب سوريا وفلسطين (فينيقيون، كَنعانيون، عِبرانيون، آراميون) تأثّرت بحضارة سومر، وبالحضارة الكاشّية- الحورية- السُوبارية، وخاصّة في مجال الميثولوجيا، وحسْبُنا دليلاً على ذلك أن إله الطَّقس السامي السوري (حَدَد= هَدَد) هو نسخة من إله الطَّقس الحوري (تِشُّوب) Teshshup، وهذا دليل على أن الإله السّومري الأصل (آدَّو (Addawوالإله الحوري Teshshup ينتميان من حيث النشأة إلى منظومة ميثولوجية مشتركة، وجدير بالذّكر أن المنطقة التي هاجر منها السومريون إلى جنوبي ميزوپوتاميا عُرفت لاحقاً بأنها جغرافيا حورية- سوبارتية().
رابعاً – المرحلة الميدية: تمتدّ بين (1100 – 550 ق.م)، وفيها تحقّق التجانس الثقافي والسياسي بين فروع أسلاف الكُرد، إن الملك الميدي الأول دَياكو، وابنه فَراؤُرْت، وحفيده كَيْخَسْرَو، وحّدوا أسلاف الكُرد سياسياً وثقافياً ودينياً إلى حدّ كبير، ووضعوا أسس التكوين الكُردي، وفي عهدهم اكتسبت الأمّة الكُردية ملامحها المتميّزة والمتجانسة، وفي هذا العهد حدث اندماج وتفاعل بين المفاهيم والرموز الميثولوجية الكُردستانية، وتمحورت حول المنظومة العَقَدية اليَزدانية الشمسانية.
من الميثولوجيا.. إلى التوحــيد:
مرّ الفكر الديني الكُردستاني، خلال تطوّره من المنظومات الميثولوجية إلى المنظومة العَقَدية التوحيدية، بأربعة تجلّيات، هي التالية:
أ – الميثرائية: نسبة إلى إله الشمس الآري القديم ميثرا Mithra (ميثرو= مِهْر= مِير)، إله العَقد أو الاتّفاق، وحافظِ الحقوق والنظام، وحارسِ الحقيقة، وقاضي الأرواح بعد الموت، وكان ميثرا يرمز إلى إله الشمس، ووصلت عقيدته إلى الهند شرقاً، وإلى آسيا الصغرى غرباً (غربي تركيا حالياً)، ودخلت روما سنة 60 م، وانتشرت خلال القرن (2 م) في الإمبراطورية الرومانية ووصلت إلى الجزر البريطانية، وبد أن أصبحت المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية منذ عهد الإمبراطور قُسطنطين في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، أعلن الكهنوت المسيحي حرباً شرسة على الميثرائية، وقضوا عليها().
ب – الزُرْوانية: نسبة إلى الإله Zorvan (زُرْڤان)، ولهذا الاسم علاقة اشتقاقية بالكلمة السانسكريتية Sarva، وهي تعني (الكلّي، الكامل، الأوحد)، وزورڤان نورٌ، إنه إله الخير والنور، وإله الزمن، وهو إلهٌ واحد أحد، متسامٍ، وهو الزّمن اللّامتناهي، وحينما كان لم يكن في الوجود شيء، لا الأرض ولا السماء ولا المخلوقات، إنه المبدأ الأوّل، منه بدأ الكون، وهو إله القَدَر المسيطِر، يؤثّر من بعيد في مصائر جميع المخلوقات، وهو ربُّ النور والظلام، وربّ الحرب والسّلام، ربُّ كلّ شيء. وفيه توحّد آهورامَزْدا (إله النور/الخير) ونقيضُه أَهْريمان (إله الظُّلمة/الشّر)، وأصبحا تكويناً واحداً لا تمايز فيه، ويتجاوز كلَّ ثنائية().
ج – المَزْدية: نسبة إلى (مَزْدا= يَزدان) إله العالَم والناس جميعاً، وكانت الصِّلات بين الناس والقوى السماوية أكثر صفاء في الدّيانة المَزدية، والأرجح أن ظهور العقيدة المّزدية واكب بداية ظهور الفكر السياسي التوحيدي عند أسلاف الكُرد، وتحديداً في الفترة التي بدأت فيه الذهنية السياسية الكُردستانية تتحوّل من طور (الانتماء القبلي) إلى طور (اتحاد القبائل).
د – الزَّرْدَشتية: وضع الملك الميدي الأول دَياكو أُسس مملكة ميديا، تجسيداً لتطوّر الذهنية السياسية الميدية باتّجاه الاتحاد، وتكوينِ دولة قادرة على تحرير ميديا من الاحتلال الآشوري (يبدو أن الكُرد لا يتوحّدون إلا حينما يبالغ العدوّ في البطش بهم)، وواكب هذا التطوّرَ السياسي دمْجُ المنظومات العَقَدية الآريانية- على يدي النّبي الميدي زَرْدَشْت- في منظومة توحيدية، تحت لواء الإله الأوحد (مَزْدا)، ويُسمّى (آهورا مَزْدا= أورْمَزْد) أيضاً، وأضفى عليه زَرْدَشت جميع الصفات الإلهية المقدّسة، ووضَعَ منظومةً عَقَدية متكاملة من حيث التشريع، والعبادات، والشعائر، والطقوس، وقصّة الخليقة، ومصير الإنسان في العالم الآخَر، وظهر الكثير من ذلك لاحقاً في اليهودية والمسيحية والإسلام().
تلك باختصار هي مسيرة الفكر الديني الكُردستاني منذ أقدم العصور حتى سقوط مملكة ميديا سنة 550 ق.م، وهي مسيرة حافلة بالإنجازات الثقافية المهمّة، وغنيّة بالدّلالات الفلسفية والسياسية والاجتماعية، وقد استعرضنا الكثير من تلك الإنجازات والدّلالات في سلسلة دراسات نشرناها تحت عنوان (من ينابيع التّراث اليَزداني).
29 – 9 – 2016
المراجع: