سياسةمقالات الكتاب

الكورونا بقلم الكاتب السوري حسان يونس

الكورونا بقلم الكاتب السوري حسان يونس

كان القائد الفرنسي نابليون بونابرت سباقا في الإشارة قبل 200 عام إلى مكمن الخطر الصيني عندما قال: “هناك في أقصى الشرق عملاق نائم..اتركوه، لأنه عندما يستيقظ سيهتز العالم.”، وإذا كان بعض المؤرخين حاول إسقاط هذه المقولة البونابرتية على النهضة والصعود الياباني السريع ما بين الحربين العالميتين، ومن ثم في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن الانطلاقة والصعود الصيني المتسارع والمستمر منذ الربع الأخير من القرن العشرين أعاد تصويب المقولة البونابرتية نحو الصين، خاصة وان الصين قفزت، أو هي تقفز لتحتلّ المركز الاقتصادي الأول في العالم ساحبة البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة وسائر المنظومة الاقتصادية المرتبطة بها.
لم يلق هذا التحذير أذنا صاغية لدى البريطانيين، الذين أصرّوا على إيقاظ العملاق الصيني النائم، فكانت حرب الأفيون الأولى 1840، وحرب الأفيون الثانية 1858، اللتين قادتا إلى اتفاقيتين تجاريتين فُتِحت عبرهما موانئ الصين في وجه البضائع البريطانية بالقوَّة، اتفاقية “فان جنغ”، واتفاقية “تيانجين”، حيث شكّلت السوق الصينية حلاً لأزمة البرجوازية البريطانية الناشئة إبان الثورة الصناعية، عندما تصاعدت أصوات الثورات في بريطانيا لاحِقاً في العام 1895، وكان الأفيون الذي يزرعه البريطانيون في الهند ويهرّبونه إلى الصين من خلال شركة الهند الشرقية البريطانية خاصة، هو القوة الضاربة التي استعملوها لإخضاع الشعب والاقتصاد الصيني، والتي خاضوا في سبيل فرضها حربين تعرّضت الصين خلالهما للإذلال، ففُرِض عليها فتح موانئها أمام البحرية البريطانية، وحمولاتها من الأفيون، الذي شارك في تجارته كذلك الأمريكيون اعتمادا على أفيون تركي ارخص واسوا نوعا، وقد بلغ إجمالي وزن عملات الفضة التي خرجت من الصين عام 1837 مقابل دخول الأفيون أكثر من 1200 طن، ذهب منها 592 طنا إلى البريطانيين، ما تسبّب في ارتفاع سعر النقود الفضية وفي أزمة مالية واقتصادية خانقة في الصين، وما زاد من العبء الضريبي على السكان.
بعد كل التدّخل الغربي المدمّر كان خروج التنين الصيني من القمقم حتميا، وسقطت مقولة الإمبراطور الصيني تشيان لونغ: “إنَّ الإمبراطورية الصينية لديها كلّ ما تحتاجه، وهي ليست بحاجةٍ إلى الاستيراد من الخارج، ولكنها تريد علاقات طيّبة مع الأمم الأخرى”، في معرض الردّ على طلب الملك البريطاني في القرن الثامن عشر جورج الثالث، لعقد اتفاقيات تسهِّل تصدير البضائع البريطانية إلى السوق الصينية قبل حروب الأفيون.
خلال الحرب الباردة بين الروس والأمريكيين تعاون الأمريكيون مع الصين في الثمانينات لعزل الاتحاد السوفياتي، وفقا لتخطيط وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر، فحصلت الصين على الدعم المالي والتكنولوجي، لكنها سرعان ما غرّدت خارج السرب، وأصبحت قوة تتطوّر ذاتيا وتنافس على السيادة الاقتصادية على العالم، واليوم أعاد الأمريكيون إخراج خطة هنري كيسنجر من الأدراج، فتعاونوا مع روسيا لعزل الصين، وهو ما يفسّر القبول الأمريكي المضمر بالدور الروسي في سورية، والذي يقارب أن يكون تفويضا وتقاسما غير معلن للسياسات وللنفوذ.
إذاً كل السياسات الأمريكية منذ مجيء دونالد ترامب إلى البيت الابيض تصبّ في خانة عزل الصين، وفي هذا الإطار تدخل الاضطرابات التي شهدها إقليم الويغور شرق الصين، والتي مارست فيها تركيا معطوفا عليها حركات الإسلام السياسي دورا تجييشيا لصالح السياسة الأمريكية ضد الصين (رغم السوء الظاهر في العلاقات الأمريكية-التركية)، وكذلك يدخل في هذا الإطار اضطرابات جزيرة هونغ كونغ والتدخل الامريكي الصريح في دعمها، ومن ثم الحرب التجارية المعلنة على الاقتصاد الصيني وبالأخص استهداف شركة هواوي الرائدة في تقنيات الجيل الخامس، التي وضعها الأمريكيون على القائمة السوداء، وحظّروا عليها العمل في السوق الأمريكية، وحاولوا إخراجها من السوق الأوروبية ؟!.
في قمة هذا الهرم من الصراع الأمريكي الصيني ظهر فيروس الكورونا في مدينة ووهان في الصين، وعلى ضفتي الكورونا تراشق المسئولون الصينيون والأمريكيون بالاتهامات عن افتعال الوباء، فاتهم المتحدّث باسم الخارجيّة الصينيّة الجيش الأمريكي في تغريدةٍ له على حسابه على التويتر، وباللّغة الإنكليزيّة باحتمال إدخال الفيروس إلى مدينة ووهان، فيما أطلق الرئيس الأمريكي على الوباء اسم ” الفيروس الصيني “.
وكان الإعلام الروسي سبّاقا وصريحا في اتهام الولايات المتحدة بتصنيع الفيروس، فوصل الأمر بالقناة الحكومية الروسية الأولى، إحدى أبرز القنوات التليفزيونية، تخصيص فقرة ثابتة لتناول “المؤامرة الغربية” بشأن فيروس كورونا، في برنامج الأخبار المسائي “الوقت”.، بدوره طالب العالم الروسي إيغور نيكولين العضو السابق في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية بضرورة فتح الولايات المتحدة مختبراتها للتفتيش الدولي لمعرفة هل كانت مصدرا للفيروس، يضاف إلى ذلك اتهام الكثير من الجرائد الصينية والروسية للولايات المتحدة بالوقوف وراء نشر الفيروس، واستغلال الألعاب العسكرية العالمية في ووهان خلال تشرين الأول الماضي، حيث قام ضابط ضمن الأمريكيين بنشر الفيروس بطريقة صامتة لأن أولى الحالات جرى تسجيلها يوم 17 تشرين الثاني الماضي، بعد أسبوعين من انتهاء الألعاب، وهي مدة اختمار الفيروس في الجسم وبدء ظهور أعراضه.
بالتوازي مع حرب الكورونا استمر النزاع الأمريكي الصيني حول السيطرة على شبكات الجيل الخامس للانترنت “”G5، فحذّر وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، يوم السبت 15 شباط، الأوروبيين من أن السماح للمجموعة الصينية العملاقة للاتصالات (هواوي) ببناء شبكة “”G5 قد يهدد حلف شمال الأطلسي ، ونقلت قناة (الحرة) الأمريكية، عن إسبر قوله خلال مؤتمر الأمن الذي انعقد فى ميونخ “إذا لم ندرك التهديد ونتحرك، فإن ذلك قد يؤدى فى نهاية المطاف إلى تهديد أنجح تحالف عسكري في التاريخ (حلف الناتو)”. وهو ما أكّده وألحّ عليه مسئولون أمريكيون آخرون في مناسبات مختلفة، لكن الاتحاد الأوروبي رغم ذلك اصدر قرارا يتيح لدوله الأعضاء منع شركات اتصالات تعتبر أنها تشكل خطرا أمنيا من الوصول إلى أقسام حساسة من البنى التحتية لشبكات اتصالات “”G5، وهي صيغة سعى الاتحاد من خلالها إلى إيجاد حل وسط يوازن بين هيمنة شركة هواوي في مجال بناء شبكات “”G5 والهواجس الأمنية والجيوسياسية لواشنطن، ووفقا لهذا القرار فان دولا كفرنسا وبريطانيا وألمانيا واسبانيا وايطاليا سمحت خلال الأشهر الماضية لشركة هواوي بالمشاركة في بناء شبكات “”G5.
والسؤال هنا. هل انعكست الشراكة الأوروبية الصينية في مجال هذه الشبكات على الاستجابة لوباء الكورونا؟، بحيث أوقفت الولايات المتحدة رحلات الطيران إلى أوروبا دون إخطار مسبق، تاركةً دول القارة العجوز تواجه الانتشار الوبائي منفردةً في مقابل تصدّر الجهود الصينية لمساعدة القارة العجوز للواجهة، وبالأخص الدولة الأكثر تضررا، ايطاليا، وهل يمكن طرح هذا السؤال معكوسا؟، بمعنى هل الانتشار الوبائي محمولا من الصين إلى أوروبا هو سلاح أمريكي – كما يقول الروس والصينيون- لمعاقبة الأوروبيين والصينيين على تجاوز الخطوط الحمر والمسّ بالسيطرة الأمنية الأمريكية على العالم من خلال شبكات “”G5؟، وهل وباء الكورونا هو آخر “شحنات الأفيون” التي يصدّرها الأمريكيون-البريطانيون إلى الصين؟!.
إن وباء الكورونا أيا كان مصدره، قد خرج من القمقم أسوةً بالتنّين الصيني، وضرب الكثير من قواعد النظام العالمي، وسمح للصينيين بتزعم الاستجابة الدولية للوباء في مقابل انزواء التعاطي الأمريكي معه، ما اسقط ورقة التوت عن عجز واشنطن في قيادة العالم.
كما اسقط من جملة ما أسقطه العولمة، وفقما اعتاد عليها العالم بقيادة الغرب، فاتحا المجال أمام الصين لبناء عولمة مختلفة، ترتكز على المنفعة المتبادلة مع الدول الأخرى، في استعادة لمقولة الإمبراطور الصيني تشيان لونغ المذكورة أعلاه: “إنَّ الإمبراطورية الصينية لديها كلّ ما تحتاجه، وهي ليست بحاجةٍ إلى الاستيراد من الخارج، ولكنها تريد علاقات طيّبة مع الأمم الأخرى”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق