2017/12/12 - 7:32 ص

تركيا وسياسة (اقتل الكُردي بالكُردي)

تركيا وسياسة (اقتل الكُردي بالكُردي)
(عِصمت إينُونو .. وبِن علي يِلْدِرِم – نموذجاً) 
د. أحمد الخليل
منذ القديم تمارس الدول التي تحتلّ كُردستان سياسةَ إخضاع الكُردي بالكُردي، وقتلِ الكُردي بالكُردي. وللقادة الأتراك، منذ العهد العثماني، براعةٌ فائقة في هذا المجال، ونستعرض فيما يلي نموذجين، هما: نموذج (عصمت إينونو) في عهد تركيا العِلمانية، ونموذج (بن علي يِلدرم) في عهد تركيا الإسلامية.
النموذج الإينُونَوي (العِلماني):
مصطفى عصمت إينونو (1884 – 1973) جنرال وسياسي بارز، وُلد في إزمير، كُرديُّ الأب، تركيُّ الأمّ، أصلُ أسرته من بدليس، وكان صديقاً حميماً لمصطفى كمال آتاتورك، وشغل مناصب مهمّة عديدة، فكان رئيسَ الأركان في الفترة (1920 – 1921)، ووزيراً للخارجية في الفترة (1922 – 1924)، ورئيساً للوزراء في الفترة (1925 – 1937). وبعد وفاة آتاتورك أصبح رئيسَ تركيا في الفترة (1938 – 1950)، وكان زعيمَ )حزب الشعب الجمهوري ) بين (1938 – 1972)، وهو الحزب الذي أسّسه آتاتورك سنة 1923.

إن تعيين عصمت إينونو وزيراً للخارجية في فترة (1922 – 1924) كان محسوباً بذكاء، لأن (اتفاقية سيڤر) التي وُقّعت بين تركيا والقوى الأوربية الكبرى عام 1920 أتاحت الفرصة لتأسيس حكم ذاتي كُردي في شمال كُردستان، وإمكانية ِتحوّله مستقبلاً إلى دولة كُردية مستقلة، وعمل قادة الأتراك بكل وسيلة لإلغاء تلك الاتفاقية، وبجهود عصمت إينونو حلّت (اتفاقية لوزان) عام 1923، محلّ (اتفاقية سيڤر). قال زِنار سِلوپي (قدري جميل پاشا): 
“بعد أن دَحرت الحكومة القومية التركية اليونانيين، ورمتهم في البحر، لم تَعد تسمح بذكر أيّ شيء عن منح الكُرد حقوقَهم القومية في مؤتمر لوزان، وللأسف لم يحضر حتّى ممثّلٌ واحد للجمعيات الكُردية في هذا المؤتمر، سوى أن ممثّل تركيا عصمت پاشا كان قد اصطحب معه كُردياً واحداً، وهو النائب عن دياربكر بِرينجي زادَه فوزي بگ، وفي المرّة الثانية النائب زِلفي زادَه زِلفي بگ، حيث أعلن الاثنان: {نحن والأتراك إخوة، لا توجد بيننا أيّة فروقات، ولا نرغب في الانفصال عنهم}. وبذلك خانا شعبهما، ووقعت عليهما لعنة الشّعب إلى أبد الآبدين”().
وإن تعيين إينونو رئيساً للوزراء في فترة (1925 – 1937) كان محسوباً أيضاً بذكاء، ففي سنة 1925 قاد الشيخ سعيد پيران ثورةً ضدّ تركيا، وبعد فشل الثورة شنّت تركيا حملة قمع هائلة ضدّ الكُرد (اعتقالات، إعدامات، تدمير قرى، تهجير إلى الأناضول الغربي)، ومات على الطرقات عشرات الآلاف من الكُرد، إنه كان جينوسايداً حقيقياً، وقد تمّ بقرارات من رئيس الوزراء عصمت إينونو.
وقال عصمت إينونو سنة 1925: ” نحن بصراحة قوميون، … والقومية هي عامل تماسكنا الوحيد، وليس للعناصر الأخرى أيُّ نوع من التأثير في وجه الأغلبية التركية. يجب أن نعمل على تتريك أرضنا بأيّ ثمن، وسنَمْحَق أولئك الذين يعارضون الأتراك أو النزعة التركية”(). 
وقال جوناثان راندل Jonathan Randal: ” فعلى الرغم من أنه كُردي، حذّر إينونو الكُرد قائلاً: لا يَحقّ لغير الأمّة التركية أن تطالب بأيّ حقوق إثنية أو قومية في هذه البلاد، فما من أمّة أخرى أو عنصر عِرقي آخر يَملك مثل هذا الحق”(). 
النموذج اليِلْدرمي (الإسلامي):
في عهد تركيا الإسلامية، ابتكرت القيادة التركية نموذجاً (إينونوياً) جديداً هو السيّد بن علي يِلْدِرم، إنه كُردي مُسلم سُنّي، ولد سنة 1955 في قرية (قايى) بولاية أَرْزَنْجان الكُردية، ونشأ في إزمير، وهو أحد مؤسّسي (حزب العدالة والتنمية( الإسلامي عام 2001، وعضو في البرلمان عن* إزمير، وانتُخب رئيساً للحزب في مؤتمره الاستثنائي الثاني في 22 مايو 2016 ، وبعد استقالة أحمد داود أوغلو، أصبح بن علي يلدرم رئيساً للوزراء يوم 24 مايو 2016.

ويبدو بن علي يِلْدِرم، من خلال خطبه وتصريحاته، شديدَ العداء لحزب العمّال الكُردستاني PKK، ولحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، ولا يكاد يمرّ له خطاب أو مؤتمر صحفي إلّا ويضرب بيديه يميناً وشمالاً، كأنه يقاتل بسيف، ويقلّد الرئيسَ أردوغان بأسلوبه الخطابي الدوغمائي، ويصف هذين الحزبين بالإرهاب، ويضعهما في صفّ (داعش)، ويشدّد على ضرورة القضاء عليهما. 
ويعلن بن علي يلدرم بين حين وآخر أن تركيا لن تسمح بقيام كيان سياسي كُردي في شمال سوريا، وفي تصريح له يوم 4 أكتوبر 2016، – حسب وكالة الأناضول- أكّد أن عملية (درع الفرات) في شمال سوريا ستتواصل، حتى تطهير منطقة الباب (شمال شرقي حلب) من العناصر الإرهابية “داعش” وPYD، وYPG، وأن تركيا مستعدّة لطرد PYD، وYPG من مَنبج. انظر الرابط: 
http://aa.com.tr/…/%D9%8A%D9%84%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D9…/658106
إن الدور الذي أوكلته الدولة التركية إلى الكُردي العِلماني عِصمت إينونو، هو الدور نفسه الذي تُوكله الآن إلى الكُردي الإسلامي بن علي يلدرم، وفي عهد آتاتورك كانت الدولة التركية عِلمانية، فكان الأنسب أن يقوم كُردي علماني بمحاربة الكُرد، والآن الدولة التركية إسلامية، فالأنسب أن يقوم كُردي إسلامي بمحاربة الكرد.
والحقيقة أن بن علي يلدرم يتقن الدورَ الموكول إليه، وبإشرافه تشنّ تركيا هجمات وحشية على المقاتلين الكُرد وعلى بعض المدن الكُردية في شمالي كُردستان، وبإشرافه تتمّ محاربة (حزب الشعوب الديمقراطي) الكُردي، وتُنتزَع منه إدارات البلديات في المدن الكُردية، وتَحظر وسائله الإعلامية، وبإشراف بن علي يلدرم تغزو تركيا شمال سوريا (غرب كُردستان)، لمنع قيام أيّ كيان سياسي كُردي هناك.
تلك هي سياسة (اقتل الكُردي بالكُردي)، وقد مارستها دولة إيران في شرقي كُردستان، ومارستها الدولة التركية في شمالي كُردستان، ومارستها دولة العراق في جنوبي كُردستان، والآن ثمّة جهود محمومة تبذلها تركيا وحلفاؤها البعث إسلاميون السوريون لتنفيذها في غربي كُردستان أيضاً. 
وبطبيعة الحال لا نستطيع أن نمنع قادة الدول التي تحتلّ كُردستان من اختيار سياساتهم، لكن أما حان أن نفكّر جدّياً في ظاهرة (اقتل الكُردي بالكُردي)؟ أما حان أن نبحث عن برامج وخطط لمكافحة هذا الدّاء الخطير؟
6 – 10 – 2016

12 (1) 12 (3)