تاريخسياسة

1 نيسان (عيد الآكيتو) في عامه 6770 روزنامة الحضارة في سورية والعراق

الآكيتو: رأس السنة في أول أيام الربيع، نيسان … يومٌ للتاريخ من أجل روزنامة الحضارة في سورية والعراق

الآكيتو: هو عيد رأس السنة الآرشوية والذي يقابل الأول من نيسان من كل عام، في هذا العيد يتمثل تجديد دورة الحياة في الطبيعة من خلال الاعتدال الربيعي ما جعل من هذا اليوم المميز فلكياً أول أيام السنة الجديدة في حضارة عرفت قيمة الاتصال بالطبيعة وضرورة ضبط الوقت مع محيطها الحيوي المتمثل بمواسم الزراعة.

في الاصطلاح اللغوي، يشير معنى “اكيتو” إلى موعد بَذّرِ و حصاد الشعير، وتكشف لنا الشواهد الكتابية أن أول عيد للأكيتو في التاريخ بدأ على شكل عيدٍ للحصاد الزراعي، الذي كان يُنجز مرتين في السنة الواحدة، الأول في شهر ( Nisannu) ويقع بين شهري آذار ونيسان (مارس وأبريل) ، ويقام لحصاد الغلة الزراعية، والثاني في (Tisritu) ، ويقع بين أيلول وتشرين الأول (سبتمبر وأوكتوبر) ، لحصاد الحِنطة.

وقد تطور العيد من احتفال زراعي نصف سنوي إلى عيد وطني سنوي للسنة الجديدة، حيث يحدث هذا العيد في تلك الفترة من السنة التي يكون الليل والنهار في حالة توازنٍ تام مع بعضهما البعض، ويتم اعلان قدوم الاعتدال الربيعي بأول ظهور للقمر الجديد في الربيع وذلك في نهاية آذار مارس أو بداية شهر نيسان أبريل، وذلك وِفقاً لدورة القمر السنوية. مما يلقي الضوء على الاعتقادات السائدة في ذلك الوقت والتي تعتبر مشتركة بين الأكاديين والبابيلين والآشوريين والسريانيين، حيث ساد الاعتقاد بأن حركة القمر السنوية ما هي إلا “حركة دائرية مغلقة “، تضمن الطبيعة من خلالها الخلود ومقومات استمرار الحياة، إذ كانت المواضيع الأسطورية والدينية للاحتفال بالآكيتو في مدينة أورو قد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعلاقة بين إله القمر (Nanna ) ، وإله الشمس (Utu) ومع مرور الوقت أصبح نانا هو عراب الوقت في بلاد ما بين النهرين، وتشير المصادر إلى أن الاحتفال بمهرجان الاعتدال الربيعي كانت كبيرة جداً، لدرجة أنها انتشرت في جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين في تلك الحقبة، فلكل مدينة احتفالاتها المعتمدة وفقاً لشعائر الآلهة الرئيسية التي تعبدها.

أصول عيد الآكيتو:

إن عيد الأكيتو هو أقدم عيد مسجل في تاريخ الشرق الأدنى، وأقرب إشارة له هو في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد في مدينة أورو، كان الاكيتو يقام لإله القمر السومري (نانا)، و كان من المعتقد أن هذه المناسبة تحمل قداسة ممزوجة بجمال وهدوء الطبيعة، ما يجعلها أفضل فرصة لإقامة شعائر الزواج المقدس، حيث سرى الاعتقاد بارتباط هذا الحدث بالخصوبة أيضاً.

أما عند البابليين، فقد كانت مرتبطة بمناسبة دينية هامة، وهي انتصار الإله مردوخ ، الذي كان يُعتقد بأنه من خلق الحياة والطبيعة ، على الآلهة تيامات، وكانت الاحتفالات تستمر لمدة اثنا عشر يوماً، تخصص الأيام الأربعة الأولى منها لممارسة الطقوس الدينية و تقديم الصلوات والذبائح وقراءة قصة الخلق البابلية ” اينوما إيليش ” التي تحكي كيف جرت عملية اتحاد الآلهة ليكون مردوخ رئيسهم، بعد أن قام بثورة على الآلهة تيامات ، أما الأيام المتبقية فكانت تتضمن بعض المظاهر الاجتماعية والسياسية بالإضافة إلى الطقوس الدينية.

وفي مدينة بابل القديمة ، كان الاحتفال يقوم على أساس عودة الحياة إلى الطبيعة بعد عقد الاتفاق بين الآلهة جميعاً لتحرير “تموز” خطيب “عشتار” من العالم السفلي، وعقد زواجهما، فتعود الحياة إلى الطبيعة ليعم الخير وينشر الربيع أزهاره على الربوع.

بيت الاكيتو :

يشير مصطلح ” بيت اكيتو ” إلى المكان الذي تسكن به الآلهة على الأرض، لذا فإن هذا البيت يمثل أسطورة الإقامة القديمة للآلهة و البعيدة عن عالم البشر، حيث كانت الآلهة قد عاشت في هذه المدينة مؤقتاً قبل اختيار مكان اقامتها الدائمة. لذا كان المعنى الخفي لهذا الاحتفال هو: “الاحتفال بوقت اختيار الآلهة مدينة محددة ليقيم بها مؤقتاً، والغرض من هذا البيت هو أن يحرسها ويحميها من تلك اللحظة حتى نهاية الكون”.

دور بيت الاكيتو :

اثنين من الثوابت يمكن العثور عليها لكل من مهرجانات نيسان وتشرين (أبريل وأوكتوبر): أولها أن بيت أكيتو ، المكان الذي ستعيش به الآلهة لعدة أيام قبل عودتها المظفرة ، ينبغي أن يوضع خارج أسوار المدينة. الأمر الثاني أنه لا يجب ان يحصل شيء غير اعتيادي في البيت، وبطبيعة الحال يتم تقديم العروض المتوقعة والصلاة في بيت الآلهة ، وتجري الأحداث الرئيسية في المدينة نفسها، ويمكن القول باختصار أن مهرجان أكيتو قد نشأ في مدينة أورو بمثابة احتفال بداية دورة الاعتدال. كان الموضوع الرئيسي للاحتفال هو قدوم الإله نانا، والذي يرمز إليه بالقمر المتوهج في السماء ، وعودته بنصره المظفر، بعد إقامته بشكل مؤقت في بيت اكيتو.

اعتُمد هذا المهرجان في نيبور، العاصمة الدينية لبلاد ما بين النهرين، إذ تنبه أهميتها من كونها مركز ديني يمثل جميع بلاد سومر. لقد كانت فرصة رائعة للترحيب بالإله المحلي وإظهار الاحترام الذي يستحقه ، والآلهة بدورها تدير المدينة بالعدل. في بعض المدن يحدث هذا الترحيب بالآلهة مع عشتار في وقت آخر من السنة ، بشكل لا يتعارض مع أكيتو الإله الرئيسي.

وكان شكل المهرجان الأساسي يجري ضمن احتفالية مميزة بوضع تمثال للآلهة في المدينة ضمن موكبٍ مناسبٍ للإقامة المؤقتة في بيت آكيتو، حيث تجري عدة عروض و صلوات أثناء بقائه في بيت الآكيتو. ثم يعود التمثال بعد ذلك إلى المدينة في موكب كبير.
وفي النهاية فإن عيد آكيتو في مدينة أورو هو احتفال بالحياة والطبيعة، وإن أسطورة رحلة نانا إلى نيبور تظهر لنا بوضوح أن ثمار الحصاد يتقاسمها الجميع، لأن نانا يأتي كل سنة من السماء وقاربه محمل بالحيوانات وثمار الحصاد. تبحر إلى نيبور لتزور كل المدن، ويجري استقبالها من قبل السلطات في طريقها إلى مدينة نيبور، أو مدينة انليل والد نانا والتي غدت في يومٍ من الأيام العاصمة الدينية لبلاد ما بين النهرين. إن تلك الرحلة إلى نيبور التي يقوم بها نانا كل سنة ما هي إلا احتفالٌ بالسلام وتبادل الثروة ، مما سيمكن شعوب ما بين النهرين – حسب الاعتقادات السائدة في تلك الفترة – من البقاء على قيد الحياة.
وكيف يمكن ألا يكون الأمر كذلك ونانا كان يعتبر مصباح بهيج من الليل ، ابن نينال، ووالد اثنين من ألمع الأضواء التي تضيء البشرية، “أوتو” الشمس و”إنانا عشتار” الآلهة العظمى للحب والحرب .. الحب الذي يجعل كل شيء إلهي ومقدس ومشرق ومضيء بضوء داخلي و خارجي

المصدر : الباحثون السوريون

Rumaf – وجه الحق – 31-03-2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق