أخبار دوليةالمجتمعمنوعات

تعرف على “القبائل الأصلية” التي حذرت من تفشي الأوبئة

قبيلة مينتاواي في إندونيسيا

عندما سمع ليفي سوكر روميرو أخبار تفشي فيروس كورونا المستجد في الصين، ظن أنه بمنأى عن الفيروس ولم يتوقع قط أن يصل إلى قلب أمريكا الوسطى.

إذ يعيش روميرو، أحد زعماء قبيلة بريبري، التي تعد من أكبر القبائل الأصلية في كوستاريكا، في منطقة تالامانكا، وهي إحدى المناطق الجبلية القصية التي تجري فيها الكثير من الأنهار المتعرجة وتكثر فيها الأشجار وارفة الظلال، وتكاد لا تنقطع عنها الأمطار الخفيفة الدافئة طوال العام.

ولم يكد يمضي وقت طويل حتى وصل الفيروس إلى أراضيهم.

ويرى روميرو أن فيروس كورونا المستجد ما هو إلا محصلة لطمع البشر والاعتداء المتواصل على البيئة عبر قطع الأشجار والاعتماد على زراعة نوع واحد من المحاصيل أو ما يسمى بالزراعة الأحادية، والتوسع الحضري، والإفراط في استخدام الكيماويات.

وتشير الكثير من الأبحاث إلى أن قطع الأشجار والإتجار في الحيوانات البرية يزيدان مخاطر تفشي الأمراض حيوانية المنشأ كفيروسي كورونا المسببين لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية ومتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد وفيروس كورونا المستجد، الذي يرجح أنه انتقل من خفاش إلى عائل وسيط، ربما يكون آكل النمل الحرشفي، قبل أن ينتقل إلى البشر في أحد أسواق ووهان.

ويقول روميرو إن قبيلته تؤمن بأن “الإله سيبو”، الذي تقدسه القبيلة، عندما خلق الأرض، حبس بعض الأرواح الشريرة. وستتحرر هذه الأرواح في حالة انتهاك الطبيعة.

وكان روميرو يدرك، بحكم تعامله مع السكان الأصليين في أمريكا الوسطى والمكسيك الذين يزيد عددهم على 50 ألف شخص، أن هناك أساليب بديلة أكثر استدامة ومراعاة لكوكب الأرض، لأن المجتمعات الأصلية حول العالم تمارسها.

وظل روميرو وغيره من زعماء القبائل الأصلية يحثون العالم على تبني الطرق المستلهمة من القبائل الأصلية في التعايش مع الطبيعة، مثل الحفاظ على موائل الحيوانات الطبيعية، وتبني ممارسات الحصاد المستدامة التي تكفل الحفاظ على التنوع النباتي والحيواني واحترام العلاقة بين البشر وبين صحة كوكب الأرض.

وقد زادت أهمية هذه الرسالة بعد تفشي فيروس كورونا المستجد. وشدد روميرو وغيره من زعماء القبائل الأصلية من البرازيل وإندونيسيا على أهمية الدور الذي تلعبه الممارسات التقليدية في حماية كوكب الأرض، والحد من تبعات تغير المناخ وفقدان التنوع الحيوي.

ويجزم روميرو بأن هذا الوباء لم يكن إلا نتيجة للاستغلال الجائر للموارد الطبيعية. ويرى أن هذا الوباء لن يكون الأخير من نوعه.

وتؤيد أبحاث عديدة وجود علاقة بين ظهور الأمراض الجديدة وبين تدمير البيئة. إذ تنتشر الكثير من هذه الفيروسات بصورة طبيعية بين بعض الأنواع من الحيوانات، وتعزز إزالة الغابات من فرص التلامس بين البشر وبين الحيوانات التي تحمل فيروسات لم يصب بها البشر من قبل، ومن ثم تزيد مخاطر حدوث جائحة.

وأشارت دراسة أجريت في عام 2017، إلى أن مخاطر ظهور أمراض جديدة حيوانية المنشأ تصل إلى ذروتها في الغابات المدارية التي تتدهور أراضيها بسبب تغيير أغراض استخدامها، مثل الاستفادة منها في أغراض التعدين أو الاحتطاب أو بناء السدود عليها أو تحويلها إلى طرق.

وذكر الباحثون أن هذه الأنشطة تزيد مخاطر انتقال الأمراض لأنها تخل بتوازن النظم البيئية وتزيد احتمالات التلامس بين البشر والماشية والحيوانات البرية، التي قد تحمل مسببات الأمراض وقت حدوث المخالطة.

وكتبت إرين مورديكاي، عالمة بيولوجيا بجامعة ستانفورد، أنه كلما زادت وتيرة إزالة الغابات في البرازيل، زاد معدل تفشي الملاريا. وتعزو مورديكاي ذلك إلى أن قطع الأشجار يؤدي إلى زيادة حواف الغابات التي تعد البيئة المثلى لتكاثر البعوض الناقل للملاريا في البرازيل.

 

وقد يؤدي الزحف العمراني على الغابات إلى انتقال المزيد من الناس من شتى أنحاء البلاد للعيش بالقرب من الغابات. وهؤلاء الناس لم يتعرضوا من قبل للملاريا ومن ثم ليس لديهم مناعة ضدها.

وتشير الدراسات أيضا إلى أن الإتجار في الحيوانات البرية، سواء بشكل قانوني أو غير قانوني، يزيد مخاطر ظهور الأمراض الجديدة من خلال تعريض الحيوانات البرية لأوضاع غير صحية وغير آمنة، وكثيرا ما توضع أنواع الحيوانات المختلفة، التي تتحمل ظروف النقل القاسية، مع بعضها، وتتهيأ الفرص لانتقال الفيروسات من نوع لآخر.

والأسوأ من ذلك، أن أسواق الحيوانات الحية في المدن، حيث يقترب الكثير من الناس من الحيوانات، تمهد الطريق لانتشار الأمراض الجديدة.

وطالما حذر الخبراء ودعاة حماية البيئة من مخاطر إزالة الغابات والإتجار في الحيوانات البرية على الصحة، لكن تحذيراتهم لم تلق آذانا صاغية.

ولم يدم الحظر الذي فرضته الصين عام 2003 على الإتجار في الحيوانات البرية استجابة لتفشي متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد، لأكثر من عام.

وتقول مورديكاي إن الكثير من القبائل الأصلية تسهم في حماية الأراضي من مخاطر قطع الأشجار وتمنع تغيير استخدام الأراضي، لما لذلك من تبعات بيئية وثقافية وصحية.

وتعيش الكثير من القبائل الأصلية في الغابات المدارية، التي تشهد أعلى وتيرة من إزالة الغابات. وتقول ماري مينتون، الباحثة في العدالة البيئية بجامعة ساسكس، إن القبائل الأصلية أكثر حرصا على حماية الغابات والبيئة بمراحل مقارنة بغيرهم من مستخدمي الأراضي.

تعيش قبيلة بريبري في منطقة جبلية قصية جنوب كوستاريكا، تكثر فيها الغابات الكثيفة والأنهار المتعرجة

وتقول مينتون إن الممارسات التي يتبعها السكان الأصليون في التعامل مع الغابات والتفاعل معها تكفل حماية أفضل لأراضيهم مقارنة بسائر أجزاء الغابات.

وتعزو مينتون ذلك إلى أن هذه القبائل توارثت هذه الغابات، حتى أصبحت جزءا من مجتمعاتها. ويعتقد البعض أن أرواح أجدادهم جزء من الغابة. ولهذا فإنهم لا يحمون الطبيعة فحسب، بل يحافظون على حياتهم وتاريخهم وثقافتهم.

ويتحقق ذلك من خلال الممارسات المستدامة التي يتبناها السكان الأصليون، فقبيلة بريبري على سبيل المثال، توزع الأراضي على العائلات، وتضع كل عائلة قوانينها الخاصة لحماية الأراضي للأجيال القادمة. وعندما يقطعون أوراق النخيل، يلتزمون بترك خمس أوراق على الأقل في كل نخلة حتى تنبت أوراقا جديدة.

ولا يتخذ السكان الأصليون من الغابات وسيلة لتحقيق الثراء. ويلفت روميرو إلى أن العولمة والنزعة الاستهلاكية هي سبب الكثير من الأسقام العالمية، التي يرى أنها لن تزول إلا لو أعدنا النظر في النماذج الاقتصادية المبنية على جمع الثروات واستنزاف الموارد.

غير أن هذه المجتمعات الأصلية تواجه تهديدات من بعض الشركات والحكومات والأفراد الذين يعتبرونهم عقبة في طريق النمو الاقتصادي، وطالما حاولت مؤسسات في قطاع الزراعة والتعدين سلبهم أراضيهم وحرمانهم من حقوقهم.

وتقول مينتون إن أكثر من 1,500 مدافع عن البيئة قتلوا في الفترة ما بين 2002 و2017 في 50 دولة، وشكل السكان الأصليون 40 في المئة من ضحايا الدفاع عن البيئة في الفترة ما بين 2015 و2016.

ويعاني السكان الأصليون من التمييز العنصري وتصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية في مختلف أنحاء العالم.

وتقول مينتون إن السكان الأصليين لا يخوضون صراعات لإثبات أحقيتهم في الأراضي فحسب، بل أيضا للبقاء على قيد الحياة.

وكشأن الكثير من سكان العالم، تعطلت حياة أفراد قبيلة بريبري بسبب الحجر الصحي، وانخفضت مبيعات محاصيلهم الزراعية للأسواق الوطنية بنسبة 90 في المئة، وتوقفت جهودهم لتنشيط السياحة البيئية والثقافية مثل تنظيم رحلات سياحية للجبال والأنهار، كليا.

ويأمل روميرو أن يعيد الناس بعد أزمة جائحة كورونا تقييم علاقتهم بالطبيعية وأن يصبحوا أكثر استعدادا للاستماع لنصائح زعماء القبائل الأصلية.

BBC Travel غرافيكس Rumaf

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق