مقالات الكتاب

أحمد شيخو يكتب: تركيا.. على نهر درينا

أحمد شيخو يكتب: تركيا.. على نهر درينا

ونحن نتابع سلوك السلطات التركية وأفعالها التي لا تسير ولا تتوافق مع القوانين الوضعية ولا مع الأخلاقيات المجتمعية الإنسانية، وهي تجسد السلطوية الذكورية ( الاستغلال و الهيمنة والتحكم ).

ولفهم ومعرفة ماهية هذه السلطة وتدخلاتها في المنطقة، كونها هي التعبير العصري الحالي عن تراكم ذهنية الاستبداد والقتل والظلم والنهب القادم من هجمات قبائل الهون حوالي 250 ق.م مرورًا بالمغول والتتار والعثمانيين وصولًا للتركية الأردوغانية.

يسلط الكاتب إيفو آندريتش في جزء من روايته “جسر على نهر درينا” التي تعتبر من روائع الأدب اليوغسلافي، على تعامل العثمانيين مع شعوب البلقان ومناطقهم ومنهم البوسنة والهرسك وصربيا وكرواتيا.

يتم بناء الجسر على نهر درينا للربط بين إقليمي البوسنة والصرب للأمبراطوية العثمانية في عام 1517 بأمر من محمد باشا سوكولوفيتش الوزير الأكبر للعثمانية الذي ولد في قرية قريبة من مدينة فيشيغراد التي بني الجسر بالقرب منها وأخذ في صغره عنوة من أهله إلى إسطنبول. هذا الجسر الذي يحكى أن جنية البحر كان تقاوم بنائه ولذالك جلب العثمانيين توأمين لدفنهم تحت الأعمدة، وكانت أمهم تلحق بهم وتتوسل للمهندس أن يترك فتحة في العمود حتى ترضعهم، وظل حليب الأم ينزل من الاعمدة حسب متولوجية اهل فيشيغراد قرون طويلة.

لدى قراءتي للرواية أكثر ما لفت انتباهي ثلاثة مواضيع ومشاهد :

1_ضريبة الدم: التي يفرضها العثمانيون على شعوب تلك المنطقة، وهي أن يقوم جنود العثمانيين حسب حاجتهم بأخذ الأطفال من الاعمار 10 حتى 15 عنوة وبالقوة من الأهالي إلى أسطنبول، وبذلك لن يتمكن أهلهم من رؤيتهم أبدًا، وبذلك يكبرون بعيدًا عن أبويهم ومجتمعهم ووفق تربية وثقافة الترك وآل عثمان والسلطنة . وهنا يصور كاتب الرواية مشهد الأمهات وهن يركضن ويلاحقن الخيول العثمانية وهي تحمل السلال التي يتواجد فيه الأطفال، وكيف أن الأمهات ورغم ضعف اجسادهن و ضربهن من قبل الجنود يستمررن بالركض حول الأحصنة. وهن يرفضن تسليم أبنائهن و يذرفن الدموع ولعلهن يلقين النظرة الأخيرة والوداع على أبنائهن الأطفال الصغار الذين أغلبهم يبكون و يكونون مندهشين ولا يعرفون من الأمور أي شيء وبعضهم يخرج رأسه من السلال وهو يقضم كسرة خبز يوضع معهم في السلال.

2_ تعليق راديسلاف على الخاذوق: أثناء قيام عابد أغا أحد المندوبين العثمانيين ببناء الجسر الذي استمر حوالي 5 سنوات واستخدامه العمال والفلاحين من كل المدن والقرى حول تلك المنطقة بالسخرة دون ان يدفع لهم أجرهم. ونظرًا لطبيعة المنطقة كان العمل لا يستمر في الشتاء وأثناء مغادرة عابد أغا في بداية كل شتاء كان يقول لأهل فيشيغراد كل الاغراض والاعمال في حراستكم، وإذا نقص شيء أنتم مسؤولون عنه، لكن أحد الناس قال له إن النهر يفيض ويمكن أن يوذي أو يأخذ بعض الأشياء، قال النهر نهر منطقتكم ومدينتكم أنتم مسؤولون عن النهر أيضًا. وخلال أحد سنوات البناء قام اثنان من الفلاحين الصربيين في الليل بهدم وتخريب ما يقوم عمال ورجال عابد أغا ببنائه في النهار، وفي إحدى الليالي يتم القبض على أحدهم وهو رايسلاف ويهرب الاخر الذي قال راديسلاف أن اسمه جان في التحقيق. وهنا يأمر عابد أغا العثماني برفع راديسلاف على الخاذوق ويأمر الغجري مرجان بتحضير خاذوق من السنديان طوله 246 سنتيمتر ويتم تركيب حديد حاد في رأسه ويقول عابد أغا سننفذ الحكم فيه في الظهر وإذا عاش حتى المساء وهو مرفوع على الخاذوق سأعطيك ضعف أجرتك 12 دينارًا، بمعنى يريد أن يتألم راديسلاف اكثر ما يمكن ، وينادي الجامع في الناس بالتجمع حسب رغبة عابد أغا ويتجمهر أيضًا العمال والأطفال ويتم التنفيذ من قبل مرجان والجنود والدرك ويتم رفع رديسلاف بعد أن يخرج الخاذوق من فوق كتفه وليس فمه بعد دقه بالمطرقة الخشبية ومن دون أن يؤذي الرئة أو القلب أو المعدة حتى يتألم ولا يموت مباشرة. وهنا يتمتم راديسلاف وهو مثل الخروف على عمود الشوي ودمه ينزل على الخاذوق وشريانه في رقبته ينبض ولايستطيع حتى التحكم بعضلات وجهه : أتراك …أتراك …أتراك على الجسر. افطسوا كالكلاب… موتوا كالكلاب.

وفي منتصف اليوم الثاني يفارق الحياة ويقول عابد العثماني ” ارموا الكلب للكلاب” لكن الأهالي يجمعون 7 دنانير ويعطونها رشوة لمرجان لأخذ الجثة ودفنه حسب الأصول. وظل الهمس بين الناس ” إنه شهيد، إنه قديس” .

3_ إعدام العثمانيين للشيخ والدرويش الكهل تشاينتشه من ياليزييه والفتى ميلي: تم إعدامهم أثناء قيام ثورة قرى جورج الصربي فقط لأن الفتى وهو خاد الطاحونة و أثناء قطعه للأشجار القريبة من الطريق كان يغني أغنية فيها اسم جورج. والشيخ لأنه قال انه يزور الاماكن المقدسة والكنائس وهو يمر على جسر نهر درينا وكان على الجسر جنود آل عثمان ويريدون تعليق عدد من الرؤوس في يوم ذهاب الناس إلى السوق ليشاهدوا ذلك ، فتم رفعهم على وتد على الجسر حتى تعددت الرؤوس المعلقة على الأوتاد وكان يرمى بالجثث في نهر درينا.

وكان كلما أوقد الثوار النار على جبل بانوس كان الأهالي يقولون إن ضياء النار يرسل بأشعته إلى قبر راديسلاف وكان يزداد أملهم بالخلاص والتحرر.

وظل هذ الجسر يشهد رفع رؤوس ابناء المنطقة من البوسنة والهرسك والصرب على الأوتاد العثمانية قرونًا إلى أن زال وتتحقق أمنية الأهالي الذين كانوا يدعون الله ويقولون ” اللهم لا تمكن عدونًا منا طويلا اللهم أذله وأنقذنا” .

وفي عام 1878 يجتاز جيوش السلطان العثماني جسر نهر درينا من سراييفو إلى بريبوري إيذانًا بتسليم الوسنة للأمبراطورية (النمسا_المجر).

ونحن نستعرض مع إيفو آندريتش هذه الرواية يستحضرنا ما فعله العثمانيون في شعوب المنطقة في عدة مواقف في شمال كردستان(جنوب شرق تركيا):

إحدى الحوادث التاريخية لما لها من معنى يذكر انه بعد انتفاضة موتكي عام 1927 للشعب الكردي بقيادة عبد الرحمن ملا يونس ، أسر الضباط الأتراك إحدى بنات محمد علي يونس تدعى رندي خان لكنها طلبت من الضابط التركي أن لا يتم الاعتداء عليها في أرض عشيرتها وانه بعد مغادرة جسر “ملا باديه” في منطقة إيليه (باطمان) يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون وبعد الوصول إلى الجسر طلبت رندي خان القاء نظرة أخيرة على أرض آبائها وأجدادها وعندها رمت نفسها من فوق جسر حتى لا يتم الاعتداء عليها.

ونتذكر اعتقال الشيخ سعيد بيران على جسر “موراد تشاي” مع 47 من رفاقه واعدامهم من قبل جيش الكماليين الترك.وكذلك وضع الناس احياء في الكهوف وإغلاق ابوابها بالأسمنت والحديد في ثورة سيد رزا عام 1937_1938م. ووضع علم ثورة أكرى 1926م لإحسان نوري باشا في قبر وصب البتون فوقها والكتابة على شاهدها هنا تم دفن حلم الكرد كردستان.

ومايفعله العثمانيون الجدد من تركيا الاردوغانية ليس ببعيد وربما نحتاج إلى عشرات الروايات لتذكير العالم وأبناء المنطقة :

فهي تركيا الأردوغانية وجيشها ومرتزقتها مثلوا بجثة بارين كوباني ورموا العديد من جثث شهداء مقاومة الاحتلال التركي في الأبار ومثلوا بهم في إقليم عفرين، ومن لايتذكر الشهيدة همرين خلف وهي مقتولة وممثلة بجثتها على الطريق م4 بين تل تمر وعين عيسى من قبل الجيش التركي ومرتزقتهم. ولعل الشهداء الأطفال الصغار العشرة وبكاء أمهاتهم على أجسادهم البريئة في مجزرة تل رفعت قبل أشهر يحتاج إلى عشرات الروايات لتخليد ذكراهم.

وها هو يأخذ الأطفال السوريين وغيرهم هذه المرة إلى إسطنبول ومن ثم إلى ليبيا واليمن والصومال ولبنان وتونس وقطر و…. لضرب استقرار البلدان وتمكين أدواته من الاخوان والارهابيين بالإضافة إلى التجسس على أكثر من 16 دولة عربية. وبات شيوخ أردوغان يهددون مواطني تركيا بالذبح والاغتصاب وإخراج قوائم القتل في حال فكر أي شخص في الإنقلاب على اردوغان وحتى أن الصادق الغرياني يطالب أتباعه بالتفجبر بوسط المدنيين وهو في مركز الإخوان في العالم مدينة أسطنبول.

وقام الجيش التركي مقلدًا الجيش الاسرائيلي ببناء جدار العار والذل جدار العثمانية الجديدة بين عفرين واهلها المهجرين في منطقة الشهباء، وقبله بنى جدار على الحدود بين سوريا وتركيا للفصل بين الكرد في سوريا وتركيا ومن الممكن انه يفكر في بناء جدار في ليبيا لتقسيمها والسيطرة على أرضها وثرواتها للامتداد أكثر في البلدان العربية والمنطقة.

لكننا نستطيع القول إنه كما صور إيفو آندريتش في روايته والعثمانيين وجيشهم يجرون أذيال الهزيمة من البوسنة بعد أن ظلم وتجبر سيصوره الروائيون العرب و الكرد وهو ينسحب وينطرد من ليبيا وكل البلدان العربية ومن عفرين و سرى كانية ( راس العين) وتل ابيض ( كرى سبي) ومن إقليم كردستان ومن شمال كردستان بعد أن يقول شعوب المنطقة كلمتهم ويوحدوا إرادتهم في طرد العثمانيين الجدد الاردوغانيين كما طرد وكيل اردوغان من الرقة والموصل وذلك بتحالف ضد الارهابيين والأردوغانيين كمثل التحالف الذي تشكل للخلاص من النازية وهتلر.

بقلم أحمد شيخو

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق