مقالات الكتاب

الوحشية التركية والبدائل ؟!

الوحشية التركية والبدائل ؟!

بقلم الكاتب حسان يونس

صادف أمس الثلاثاء 19 أيار إعلان مؤسس الدولة التركية الحديثة الجمهورية الأولى ” مصطفى كمال أتاتورك ” حرب الاستقلال من ميناء سامبسون على البحر الأسود شمال البلاد عام 1919م.
وصادف أمس كذلك إحياء اليونانيين لذكرى الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها علي يد القوميين الأتراك، وراح ضحيتها 350 ألف يوناني، وقبل ذلك صادف في 4 أيار ذكرى إبادة سكان درسيم (1937 -1939) جنوب شرق الاناضول، التي يطلق عليها ( الإبادة الجماعية المنسية)، وقبل هذا وذاك صادف في 24 نيسان ذكرى الإبادة الارمنية الأشهر من نار على علم .
هذه القرابين البشرية هي بعض ما جرى تقديمه على مذبح قيام الدولة التركية الحديثة التي ظهر تاريخها القائم على الذبح ومحاولة قتل الجماعات والثقافات والهويات عاريا في رواية ” لقيطة اسطنبول”، للكاتبة التركية أليف شافاك، وهو عنوان يعبّر بقوة وقسوة عن كون هذه الدولة كيان “لقيط ابن حرام” لا يحمل أي شرعية أخلاقية .
هذا الدم الحرام المتدفق في عروق الدولة التركية أكده اردوغان حين استعمل تعبير “الناجون من السيف”
للإشارة إلى المذابح التي ارتكبها الجيش التركي ضد (الأرمن واليونانيين والآشوريين بشكل خاص) في الإمبراطورية العثمانية ومن ثم في تركيا، وهو تعبير ينسحب على الجرائم التركية بحق الأكراد وبحق النسيج الاجتماعي السوري إجمالا، كان اردوغان استعمل هذا التعبير الإجرامي في المؤتمر الصحفي الذي عقده في 4 أيار للتحدث عن فيروس كورونا، فقادته زلات اللسان إلى الحديث عن وباء الغريزة الوحشية المترسخة في العقل السياسي التركي .
لكن، على النقيض من الغول التركي الذي لا يرتوي من الدماء، يجدر بنا أن نذكر البديل الأخلاقي الذي ظهر في نماذج مختلفة، وفي أماكن مختلفة، محاولا احتواء الوحشية الغريزية المترسخة في العقل السياسي التركي، والتي تدفع بالأتراك إلى التغنّي حتى اليوم بلفظة “الغازي” ذي الأصول البدوية القبلية، التي يطلقونها على رمزهم كمال أتاتورك.
احد البدائل الأخلاقية عن الوحشية التركية تجلى في “حمو شرو”

حمو رشو

(1850_1933)، الزعيم القبلي الأيزيدي الذي أنقذ ووفّر المأوى في سنجار العراق لآلاف الأشوريين والأرمن، خلال “الإبادة الجماعية الآشورية لعام 1915”. أنقذ “حمو شرو” حوالي 20000 مسيحي خلال الإبادة الجماعية الآشورية والأرمنية لعام 1915 في جبال سنجار. وعندما طالب العثمانيون باستسلام اللاجئين المسيحيين، أجاب الزعيم الايزيدي:” كيف يمكنني قبول تسليم الآشوريين والأرمن المسيحيين إلى العثمانيين، الذين جاؤوا لطلب المساعدة ؟ وعدتهم وأقسم بشرفي بالدفاع عنهم وعدم إحضارهم إلى العثمانيين، طالما بقي دم في داخلي. إذا كان على أبنائي وأنا أن أموت من أجله ، فليكن! ” .

البديل الأخلاقي الآخر هو رجل الأعمال الكندي “ستيف مامان”، الذي استطاع إنقاذ نحو 128 فتاة إيزيدية من تنظيم “داعش” في العراق وسوريا، ودفع تكلفة الفدية الواحدة لكل فتاة ما بين) 1500 و 2000 يورو(، وفقا لصحيفة لوفيغارو الفرنسية، كما دفع تكاليف علاجهم من آثار الاغتصاب وإعادتهم إلى أهاليهم.
مع الأخذ بالاعتبار أن داعش هو امتداد فكري وروحي للوحشية التركية، كما انه امتداد لوجستي وتنظيمي للدولة التركية العميقة، حيث لم تعد العلاقات بين هذا التنظيم وبين الأتراك بخافية على احد، مع اخذ ذلك بالاعتبار يكون “ستيف مامان” و”حمو شرو ” لعبا أدوارا متشابهة في تضميد جراح ضحايا الوحشية التركية وفي تقديم بدائل أخلاقية لهذه الوحشية التي ستسقط في نهاية المطاف أمام هذه البدائل وستتعرض كسائر الظواهر الفاسدة للتدمير الذاتي والتحلل .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق