2017/12/12 - 3:19 م

ردود على أباطيل تركي فاشي إسلامي ( دفاع عن صلاح الدين الأيوبي

ردود على أباطيل تركي فاشي إسلامي
( دفاع عن صلاح الدين الأيوبي )
د. أحمد الخليل
ورد في خبر منشور ما يلي:
“مؤرخ إسلامي شهير يصف صلاح الدين الأيوبي بـ”الخائن والحيوان”.
والمقصود هو مصرلي أوغلو رئيس “مجلس أمناء وقف العثمانيين للعلم والعرفان”.
انظر الرابط:

http://www.zamanarabic.com/%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE-%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D9%8A%D8%B5%D9%81-%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D9%88%D8%A8/

مؤرّخ أم فاشي؟
الحقيقة أن المدعو (مصرلي أوغلو) ليس مؤرّخاً، ولا علاقة له لا بالعلم ولا بالعرفان، بل هو داعية إسلامي يختلق معلومات تاريخية تناسب مع مشروعه الدَّعَوي، شأنه في ذلك شأن بقيّة الدّعاة الذين يجهلون حقائق التاريخ إلى حدّ كبير جداً، ويجيدون تكفير الآخرين وتبشيع صورتهم.

(مصرلي أوغلو)
ولا مشكلة في أن يحبّ المرء قوميته، ويكون غيوراً على أمّته، فالأمم والقوميات حقائق تاريخية لا يمكن تجاهلها، ولا يجوز إنكارها، لكن المشكلة أن شعوب الشرق الأوسط مبتلاة بأناس يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وأن حبّهم لقوميتهم وغيرتَهم على أمّتهم يعني بالضرورة الاستعلاءَ على القوميات والأمم الأخرى، وقد حوّلوا هذه النزعة القوموية إلى ثقافة عنصرية متوحّشة بكل معنى الكلمة.
وإن مصرلي أوغلو أحد نماذج القوميين العنصريين الأتراك، وهم في الحقيقة بارعون في الجمع بين فبركة الافتراءات، والعُنجهيةِ القومية، وسوءِ الأدب في الخطاب، وإن مصرلي أوغلو في تهجّمه على صلاح الدين الأيّوبي، إنما يقصد الأمّة الكردية التي ينتمي إليها صلاح الدين، وخاصة أن المارد الكُردي خرج من القُمقم الذي سجنته فيه الدول التي تحتلّ كُردستان، وشرع يناضل بعناد وشجاعة دفاعاً عن وطنه وحريته، وبات من الصعب على المحتلّين إرجاعُه إلى القمقم.
ردود على أباطيل:
وفيما يلي بعض التوضيحات بشأن مزاعم مصرلي أوغلو:
أولاً – قوله: “صلاح الدين “تربى على يد أستاذه نور الدين زنكي”.
إن صلاح الدين تربّى على يد والده وعمّه شَيركُوه، وكانا فارسين مشهورين، وهما اللذان أوصلا نور الدين إلى السلطة بعد وفاة والده عماد الدين بن آقْ سُنْقُر، إذ نافسه أخوه الأكبر سيف الدين غازي، لكن الأيوبيين كانوا يشكّلون قوّة قتالية هامّة في الجيش الزنكي، فقدّموا الدعم لنور الدين، وأوصلوه إلى منصب السلطنة، وساعدوه في السيطرة على دمشق، وفي حروبه ضد الفرنج (الصليبيين)، وكان يُسنِد المهامّ الخطيرة إلى شيركوه، وكان نجم الدين أيّوب (والد صلاح الدين) حينما يدخل مجلس السلطان نور الدين يجلس من غير أن يأخذ الإذن من نور الدين، بخلاف الأمراء الآخرين. وجدير بالذكر أن آقْ سُنْقُر (جدّ الزنكيين) كان مملوكاً، في حين كان الأيوبيون أحراراً.
ثانياً – قوله: “وقرر إسقاط الدولة “الفاطمية، وتأسيس دولته الأيوبية”.
من قرّر إسقاط الدولة الفاطمية هو الخليفة العبّاسي بالاتفاق مع السلطان نور الدين زنكي، وكان صلاح الدين حينذاك وزيراً في مصر، وبمثابة الوالي على مصر من قِبل السلطان نور الدين، واضطرّ مُكرَهاً إلى تنفيذ أوامر السلطان، وما كان راغباً في ذلك، وكانت له علاقة صداقة حميمة مع الخليفة الفاطمي الأخير العاضد.

(السلطان صلاح الدين الأيوبي)
ثالثاً – قوله: “صلاح الدين الأيوبي ارتكب خيانة ضد نور الدين زنكي، وأنه أسقط الدولة الزنكية، وأقام الدولة الأيوبية”.
كان العصر في الشرق الأوسط حينذاك عصرَ العسكر، فكلّ من كان يمتلك صفات قيادية بارزة، وقوات قتالية شجاعة ومنضبطة، كان يسعى لتأسيس دولة خاصة به بقومه، وكان الزنكيون أنفسهم أتباعاً لسلاطين السلاجقة، ثم انقلبوا عليهم وحاربوهم في عهد عماد الدين، وانتزعوا بلاد الشام منهم في عهد نور الدين، وأسّسوا الدولة الزنكية، فلماذا يكون ذلك حلالاً للزنكيين الأتراك، ويكون حراماً على الأيوبيين الكُرد؟
وعدا هذا فإن صلاح الدين لم ينقلب على الدولة الزنكية، وإنما الحقيقة هي التالية:
كان صلاح الدين حاكماً على مصر وتابعاً للدولة الزنكية، فلمّا مات السلطان نور الدين عيّن بعضُ كبار القادة الأتراك ابنَه إسماعيل سلطاناً، وكان صبياً، واحتكروا السلطة، ونشبت الصراعات بين الزنكيين أنفسهم، نقصد حكّام الموصل وحكّام دمشق، واستعان بعض القادة الأتراك في دمشق بالفرنج (الصليبيين) الذين كانوا يحكمون مناطق من لبنان وكلّ فلسطين، فاستغاث قادة أتراك آخرون في دمشق بصلاح الدين كي ينقذ البلاد من الفوضى ومن الغزو الفرنجي، ففعل ذلك، ثم خاض حروباً عديدة ضد الحلف الزنكي، وأسّس الدولة الأيّوبية، ولم يسرقها في ظلمة الليل، ولولا أنه كان جديراً بذلك لما حصل على موافقة الخليفة العباسي في بغداد.
رابعاً – قوله “صلاح الدين تزوّج من زوجة معلّمه نور الدين زنكي بعد وفاته”.
وما العجيب في ذلك، فقد تزوّجها على سنّة الله ورسوله، ولم يأخذها سَبِيّةً ولم يغتصبها، وكان الأجدر أن يذكر مصري أوغلو جرائم سلاطين العثمانيين إزاء الفتيات الصغيرات الجميلات في بلدان أوربا الشرقية، إذ كان موظّفو الجباية العثمانيون ينتزعون تلك الفتيات الصغيرات من أمهاتهن وآبائهن، بدل الجزية، وكن يصبحن مَحظيات في قصر السلطان العثماني، وكان يهُدي بعضهن لمن يشاء من أتباعه.
خامساً – قوله ” صلاح الدين الأيوبي عقد اتفاقا مع الصليبيين وباع الدولة السلجوقية، ووهب منطقة الأناضول لهم شريطة ألا يمسوه بسوء”.
هذا محض افتراء، والعكس هو الصحيح، فكان حكّام السلاجقة في الأناضول يحجمون عن مساعدة صلاح الدين في الحرب ضدّ الفرنج، وكانوا يقيمون علاقات ودّية مع الصليبيين، ويتآمرون على الدولة الأيوبية، واضطر صلاح الدين إلى مهاجمتهم، ليكفّوا عن ذلك النهج الشائن.
سادساً- قوله ” الغرب كان يمدح صلاح الدين كثيراً، لتصرّفه وتعامله الجيد مع الصليبيين، غير أن المصادر الإسلامية القديمة لا تحتوي على أيّ مدح أو ذكر حسن في حق صلاح الدين الأيوبي”.
يقصد مصرلي أوغلو أن صلاح الدين لم يكن مخلصاً للمسلمين، والدليل عنده أن الغرب (الكفّار حسب وصف الإسلاميين!) كان يمدح صلاح الدين، في حين لم يمدحه الكتّاب المسلمون القدماء.
وهذا دليل ساطع على أن مصرلي أوغلو يجمع بين الجهل والحقد.
إن بعض الكُتّاب الأوربيين عبّروا عن إعجابهم بصلاح الدين، لأنه كان فارساً شهماً ونبيلاً، يحارب أعداءه في الميدان ببسالة، وحينما كان ينتصر عليهم كان يعامل الأسرى بروح إنسانية نبيلة، وخاصّة الفقراء والأطفال والنساء وكبار السنّ، وهذا واضح في كتاب “تاريخ الحروب الصليبية” للمؤرخ البريطاني Steven Runciman، وألّف المؤرّخ الفرنسي Albert Chandur كتاباً بعنوان ” صلاح الدين الأيّوبي البطل الأنقى في الإسلام”، تعبيراً عن الإعجاب بهذا السلطان.

( ستيفن رنسيمان)
أمّا قول مصرلي أوغلو أن المصادر الإسلامية ليس فيها مدحٌ لصلاح الدين فهو افتراء صريح، والحقيقة أن المصادر العربية القديمة والحديثة التي تناولت سيرة صلاح الدين تحتوي على كثير من عبارات الإعجاب والفخر به، وكان على مصرلي أوغلو الجاهل الحاقد أن يرجع على الأقلّ إلى الكتب التالية:
كتاب “النّوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” للمؤرخ ابن شَدّاد.
كتاب “الرّوضتَين في أخبار الدولتَين النُّورية والصَّلاحية” للمؤرخ أبي شامَة الدمشقي.
كتاب “التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية” للمؤرخ ابن الأثير الجَزَري.
كتاب “البَرق الشّامي”، للمؤرخ عماد الدين الأصفهاني.
وكتاب “الفتح القِسي في الفتح القُدسي” لعماد الدين الأصفهاني أيضاً.
سابعاً- عبارات “خائن، حيوان” بحقّ صلاح الدين.
استعمال هكذا عبارات هو من شأن الغوغاء والسفهاء، وليس من شيم أهل العلم والمهذّبين، وهي دليل على المستوى الأخلاقي الهابط لمصرلي أوغلو من ناحية، وعلى حقده الأعمى على الكُرد من ناحية أخرى.
حقائق.. وغرابيل:
إن صلاح الدين أمضى عمره وهو ينتقل من معركة إلى أخرى، ويعيش في ظل خيمة تعبث بها رياح الشتاء، وهو في مواجهة الفرنج، في حين كان الخليفة العباسي، وملوك السلاجقة في الأناضول، يعيشون في القصور الفارهة، وتحفّ بهم الجواري الحسان، ويبذّرون الأموال في الملذّات.
ولولا بطولات صلاح الدين ومن معه من الكرد ومماليكه الأتراك، لكانت الصلبان تتدلّى الآن في أعناق الفاشيين أمثال التركي مصرلي أوغلو، والمُستعرِب السوري الدكتور محمد بهجت قُبيسي (صاحب كتابه الفاشي: الأكراد والنبي)، والبعث- إسلامي السوري المستعرب العقيد أسعد الزعبي (صاحب المقولة الفاشية: كان الأكراد ينتظرون ورقة من حافظ الأسد بأنهم بشر).
وبالمناسبة إن جهود صلاح الدين في إفشال حملات الفرنج على الشرق الأوسط، وقيامه باستردادَ القدس منهم، كان من أسباب عدم حماس قادة أوربا في القرن العشرين لتأسيس دولة كُردستان، وموافقتِهم على إبقاء الكُرد في قبضة أكثر المحتلين مكراً وتوحّشاً، وصمتِهم على الكوارث التي انصبّت على رؤوس الكرد، وليس هذا فحسب، بل قيامهم بإدراج حركات التحرر الكردستانية في خانة الإرهاب.
إن حقائق التاريخ المجيدة لا تُحجَب بغرابيل الفاشيين والشوفينيين.
وحان للثقافات الظلامية العنصرية أن ترحل عن الشرق الأوسط
وحان لشعوب العالم أن تعرف الكُرد بعيداً عن الدّس والتحريف.
وحان للشعوب جميعاً أن تنعم بثقافة السلام والوئام.
والموعد هو قرننا هذا (القرن الواحد والعشرون).
17 – 1 – 2017