المجتمعمنوعات

“اصطفاء غير طبيعي”… التطور لعبة بيد الهواة

 

بثت شبكة نتفليكس أخيراً مسلسلاً وثائقياً يحمل عنواناً مُثيراً للجدل “اصطفاء غير طبيعي” (Unnatural Selection)، في إحالة إلى نظرية داروين في الاصطفاء الطبيعي التي جعلتنا بشكلنا الحالي من وجهة نظر المؤمنين بها. المثير للاهتمام بالوثائقي (أربع حلقات)، أنه يطرح أسئلة عن معنى كوننا بشراً، وطبيعة تكويننا الجيني ذاته، فالتطور العلمي الجينيّ جعلنا كبشر ندرك أننا، حسب تعبير واحد من “القراصنة الحيويين”، قادرين على “تطوير” أنفسنا، أشبه بهواتف نقالة، يمكن تحميل التطبيقات عليها ثم حذفها.

Rumaf
تطور العلوم الجنينيّة وتكنولوجيا البكتيريا جعلانا قادرين على التلاعب بالحمض النووي الخاص بنا، ليتحول الجسد، كما في نبوءة خيال علمي، إلى مجموعة من المصفوفات التي يمكن إعادة “كتابتها” للتخلص مما نراه مضراً. لكنه، في الوقت ذاته، قادر على خلق طفرات وتشوهات ونسخ معدلة عن “البشر”، لا يمكن محو أثرها. هذه النماذج تُهدد “الشكل القويم” الذي نتبناه ونقترض أنه الأصح، في إنكار تام لأن “التطور” عملية مستمرة حتى الآن. ولو لم نشهد نهضة أو انقلابة تطورية هائلة، فاللقاحات والمضادات الحيوية والعلاج الجيني كلها تعمل على “تحسيننا” و”تعديل” نسلنا وفق ضوابط أخلاقية لا أكثر، أي أن يد البشر تساهم بشكل فعّال في “تحسيننا” من دون أن ندرك ذلك.

يقدم الوثائقي ثلاث وجهات نظر تتعلق بالتعديل الجينيّ والتدخل في تكوين الإنسان. الأولى تتمثل بالبايوهاكرز، أو القراصنة الحيوييّن، أولئك الذين يرون أن التعديل الجيني حق للجميع، ويوفرون المعدات البسيطة كي يقوم الفرد بعمليات تعديل ذاتية من كراج منزله. الأمر يبدو مرعباً للوهلة الأولى، خصوصاً أن نتائجه غير واضحة على المدى الطويل. يتعامل هؤلاء مع أجسادهم كحقول تجارب، لا يتحمل أحد مسؤوليتهم، أي لا كادر طبيّ ولا علمي، بل مجموعة من أدوات “افعلها بنفسك”، تمكّن الواحد منهم من حقن نفسه ببكتيريا معالجة ليعدّل نفسه.
يتجاوز الأمر البشر، فواحد من هؤلاء القراصنة مهجّن كلاب غير محترف، يحاول حقن جينات أسماك مضيئة في عدد من بويضات كلاب ملقحة، كي يتمكن من الحصول على كلب يضيء في الليل. تبدو المقاربة مضحكة، لكنها على مستوى البشر غير محسوبة النتائج، سواء على مستوى الصحة أو السلالات القادمة في حال أنجب هؤلاء “المعدلون” أطفالاً.
وجهة النظر الثانيّة تتمثل بالشركات الحيويّة والدوائيّة، تلك التي تعمل بالتنسيق مع المجتمع والمؤسسة العلميّة والسلطة، التي تحاول أن توظف “اختراعاتها” من أجل تطوير جهاز المناعة البشريّ مثلاً، وفي الوقت ذاته تسعى للإجابة عن الأسئلة الأخلاقيّة، وجعل الأفراد يتحملون مسؤولية خياراتهم في سبيل القضاء على العديد من الأمراض، كحمى البحر الأبيض المتوسط والإيدز. لكن هناك جانباً إشكالياً في هذه المقاربة، ألا وهي مفهوم التجربة نفسها، إذ نشاهد محاولات واحدة من الشركات لتقديم حل لمشكلة الملاريا في قرى بوركينافاسو عبر إنتاج بعوض معدل جينياً غير قادر على نقل المرض. ولإتمام الأمر، يقومون بتوعية السكان حول طبيعة نشاطهم. هذه المبادرة “البيضاء” تبدو مقنعة، وحلاً عملياً، لكن نتائجها غير مضمونة ولا نعلم ما قد ينتج عنها، وهذا ما نراه لاحقاً حين تحاول شركة أخرى إقناع سكان نيوزيلندا بتقديم نوع هجين من الفئران، يتزاوج مع تلك الموجودة، والتي بالأصل أحضرها البشر، وذلك من أجل إعادة التوازن إلى النظام الحيويّ في الجزيرة وإيقاف انقراض الحيوانات الأصلية. لكن هذا الحل المنطقي مرفوض جذرياً من قبل السكان الأصليين، الذين رأوا في ذلك مجرد شكل آخر من أشكال الاستعمار الجديد، ومخاطرة غير محسوبة النتائج، وأبسط سؤال طرح على ممثل الشركة هو: ما الذي يضمن أن زوال الفئران الآن لن يعني ظهور عنصر جديد في محاولة للحفاظ على التوازن البيئي؟
وجهة النظر الثالثة تتمثل بالسلطة والمؤسسات الطبية الرسميّة ومراكز الأبحاث الحكومية الحذرة جداً في ما تقوم به، والتي تراعي الأسئلة الأخلاقيّة المرتبطة بنوع كهذا من التجارب، لكنها في الوقت ذاته الأشد جرأة، كونها تمتلك سلطة سياسية على موضوعاتها.

Rumaf

وهذا ما يجعل الوثائقي مثيراً للاهتمام؛ نحن أمام تغير في مستقبل البشريّة على المستوى الخلويّ، هناك تساؤلات لا إجابات عنها حتى الآن، تتعلق مثلاً بطبيعة التوازن البيئي، هل هو حقيقي؟ هل هو قائم على منفعة كل الكائنات أم اختلافها وتطورها بحيث تحيا فئة على حساب فئة أخرى؟ يعني هل وجود بشر “جُدد” يشكل تهديداً للآخرين؟ وهل سنبقى قادرين على التحكم أو توجيه “التطور الاصطناعي” أم أنه سيفلت من أيدينا؟ والأهم: هل بالإمكان التراجع عن هذه التعديلات؟ وما هو النموذج الذي “سنعود” إليه؟ أي من هو الإنسان الطبيعيّ؟ وما هي مكوناته الجينيّة “الصحيحة” أو “الطبيعيّة”؟

لا إجابات عن دوامة الأسئلة التي يطرحها الوثائقي، خصوصاً تلك التي يقودها القراصنة الحيويّون الذين يراهنون بمستقبل البشرية بأكمله، لا مستقبلهم الذاتيّ فقط. والإشكالي أن هذه التعديلات يمكن النظر إليها كمعادل “واقعي” لنظريات ما بعد الإنسانويّة ونظريات السايبورغ التي لا تهاجم فقط مركزيّة الإنسان، بل شكله وتكوينه الحيوي.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق