2017/12/12 - 3:19 م

هذه حقيقة الوجود التركي في كركوك

هذه حقيقة الوجود التركي في كركوك
د. أحمد الخليل
———————————————-
مدخل:
الكُرد، والعرب، والفرس، و البلوش ، والآشوريون، والكَلدان، والسُّريان، شعوب عريقة في غربي آسيا، كانوا وما زالوا جيراناً منذ آلاف السنين، وكعادة الجيران في أيّ مكان كانوا يتحاربون ويتصالحون ويتشاركون، وكانت جذورهم عميقة في هذه الجغرافيا، وكان لكل منهم دور في قيادة هذا المنطقة خلال مرحلة من المراحل، وساهموا، بمستويات مختلفة، في صناعة المنجزات الحضارية الشرق أوسطية.
أما جيراننا الأتراك فموطنهم الأصلي هو تركمانستان والبلاد المتاخمة لها في وسط آسيا، وكانت الممالك الكُردية، ثم الممالك الفارسية، تمنعهم من غزو بلدان غربي آسيا والسيطرة عليها، وفي الكتاب الزَّردشتي المقدّس “Avesta”، وفي كتاب “شاهنامَه” للشاعر الفارسي الفِردَوسي، معلومات كثيرة بشأن الحروب بين شعوب آريان (الآريين) وشعوب تُوران (تورك)، وفي تلك الحروب برز اسم البطل الكُردي رُستم زال.

(آسيا الوسطى)
الأتراك في العهد العباسي:
قبل العهد العبّاسي لم يكن للأتراك وجود في غربي آسيا، وأوّل من جلبهم هو الخليفة العبّاسي المأمون (ت 833 م)، فقد اشترى الأرقّاءَ الأتراك، وجنّدهم في الجيش، لضعف ثقته بالجنود العرب والفرس، ثمّ توسّع أخوه الخليفة المُعتصِم بالله (ت 842 م) في هذا النهج، باعتبار أن أمّه كانت جارية تركية اسمها (مارِدَة)، وأصبحت قيادة الجيش العباسي، إلى حدّ كبير، في قبضة قادة المماليك الأتراك، وأساؤوا إلى الشعب في بغداد، فاضطرّ المُعتصم إلى الانتقال بهم من بغداد إلى مدينة سامرّاء.
ثمّ هيمن القادة الأتراك في الجيش على الخلفاء العباسيين الضعفاء، فكانوا يهينونهم، ويعزلونهم أو يقتلونهم، ووصف أحد الشعراء حال الخليفة المُستعين بالله (حكم 862 – 866م) مع القائدين التركيين (وَصيف) و(بُغا) قائلاً:
خليفةٌ في قَفصٍ بين وَصيفٍ وبُغا
يقول ما قالا له كما يقول البَبَّغا
كركوك بين التَّتريك والتعريب:
بقي الوجود التركي في غربي آسيا على شكل مماليك في الجيش، ليس أكثر، لكن في عهد الخليفة العباسي القائم بأمر الله (ت 1075م)، تغيّرت الأمور، إنه استقدم السلاجقة الأتراك السُّنّة من تركمانستان، واستعان بهم في الخلاص من نفوذ البُوَيهيين الشيعة، ودخل السلاجقة بغداد بقيادة سلطانهم طُغْرُلْبَك سنة (1055م)، ومنحهم الخليفة حقَّ السيادة على الشعوب الإسلامية، فسيطروا على كُردستان وبلاد الشام.
وفي كنف سلطنة السلاجقة، تأسّست الدولة الزنكية التركمانية (حوالي 1127م)، ثم على أنقاض دولة سلاجقة الروم (الأناضول) تأسّست الدولة العثمانية التركية سنة (1299م)، وحينما غزا السلطان العثماني سليمان القانوني كُردستان والعراق سنة (1535م)، أقام مستوطَنات (مستعمَرات) لبعض العشائر التركمانية في كُردستان، بدءاً من تَلّعْفَر، ومروراً بكركوك، ووصولاً إلى طوزخورماتو وما يليها.
وعدا زرع المستعمَرات التركمانية في كُردستان، غيّر العثمانيون ديموغرافيا منطقة كركوك، وهجّروا قبائل كُردية من المنطقة إلى مناطق بعيدة، وعلى سبيل المثال هجّروا فروعاً من عشائر (شيخ بِزيني) الكُردية من منطقة (شُوان) شمالي مدينة كركوك، ونقلوها إلى مناطق قونيا وجنوبي أنقره في وسط الأناضول.
وبما أن السلطة كانت عثمانية، أصبحت بعض العائلات التركية صاحبة النفوذ في الأماكن التي استُوطنت فيها، ومنها مدينة كركوك، وتترّكت بعض العائلات الكردية فيها، تقرّباً من السلطة، ومنها أسرة (النفطجي) و(اليعقوبي زاده)، وهما من عشيرة (زنْگَنه) الكُردية، حسبما ذكر الدكتور جمال رشيد أحمد.

(العلم التركماني على قلعة كركوك)
تلك هي الحقيقة التي تقولها المصادر التاريخية، وهذه هي قصّة الوجود التركي في غربي آسيا عموماً، وفي كركوك خصوصاً، وليس من المنطقي أن ينصب التركماني الضيف نفسه سيّداً في كركوك الكُردستانية، وتشهد الخريطة العثمانية التالية بذلك، وهي تعود إلى سنة (1893م)، وكركوك ملوّنة بالأحمر فيها.

اسم كركوك في عمق التاريخ:
تقع كركوك في شمالي سلسلة (جبال حَمْرين) الفاصلة بين العراق وكُردستان، وكانت كركوك على الدوام جزءاً من جغرافيا أسلاف الكُرد بدءاً من السُّوباريين، ومروراً بالجُوتيين، والكاشيين، والحوريين، والميتانيين، والميديين، ومثل بقية بلاد الكُرد كانت تقع تحت سلطة الممالك المجاورة، بدءاً من الأكّاديين، ومروراً بالبابليين، والآشوريين، والفرس، والسلوقيين، والعرب المسلمين، والصَّفويين، والعثمانيين.

(قلعة كركوك)
ومن أسماء كركوك في العهد الحوري (أَرّابْخا)، وسمّيت (كَرْخو= كَرْخيني)، وأورده المؤرخ الإغريقي پلوتارخ Plutarch (45 – 120م) بصيغة (كوركورا) Korkoura، وفي العهد الميدي أُضيفت إليه اللاحقة الزاغروسية (ak- uk) فأصبح (Korkour-ak) و (Korkour- uk)، وسمّيت بالكُردية (بابا گُورگُور) أيضاً، نظراً لاشتعال الغازات الصاعدة من منابع البترول، وكلمة (بابا) صيغة تبجيل للقدّيسين الكُرد في فروع اليَزدانية، ومنها الكاكائية، وكانت منطقة كركوك مقاماً لبعض عشائرهم.
وبعد تأسيس دولة العراق سنة (1921)، وَفق اتفاقية سايكس- بيكو، مارست الأنظمة العراقية عملية تعريب كركوك، ووصلت هذه العملية إلى الذروة في عهد النظام البعثي، وخاصة في عهد الرئيس صدّام حسين، ومورست سياسات تهجير الكُرد، واستقدام العرب وتوطينِهم في كركوك، وهذه حقائق معروفة وموثَّقة، وكلّ ما يريده الكُرد هو تصحيح التاريخ الذي فرضته السياسات الشوفينية.

وفي كتابه “كركوك في العصور القديمة”، قدّم المؤرخ الدكتور جمال رشيد أحمد أدلة كثيرة على كردستانية كركوك، وفيما يلي رابط الكتاب:

http://www.kacenter.net/karkuk-in-history

المراجع:
1 – إبراهيم بك حليم: تاريخ الدولة العثمانية، ص 49.
2 – أنتوني نتنج: العرب، ص 190 – 191.
3 – أڤستا، ياشت 5، آية 41 – 43، ص 408. ياشت 19، آية 56، ص 622.
4 – أمين عبد المجيد بدوي: جولة في شاهنامة الفردوسي، ص 19.
5 – جمال رشيد أحمد: كركوك في العصور القديمة، ص، 42 – 44، 49.
6 – حسن خ. غريب: في سبيل علاقة سليمة بين العروبة والإسلام، ص127.
7 – عبد الباري محمد: فرسان الخلافة، ص 17، 119.
8 – الفردوسي: الشاهنامه، ص 36.
9 – المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4/53
10 – المقريزي: كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك،ج1، ق1/52
5 – 4 – 2017