مقالات الكتاب

أمراء الحرب في سورية

بقلم الكاتب السوري “حسان يونس”

تعاني سورية منذ 9 سنوات حرباً، لا يختلف اثنان على أنها من أفظع الحروب خلال مئة عام، يتداخل فيها العامل الداخلي مع الإقليمي مع الدولي مع الاثني مع المذهبي مع الطبقي، وتتراكم فيها الثارات والمظلوميات التاريخية، بحيث أصبح متعذّراً إيجاد خط فاصل بين ظالم وضحية.

وككل الحروب فللحرب السورية أمراؤها، وفي الغالب فان أمراء الحرب سيصبحون قادة في زمن السلم، وسيتسيّدون قطاعات الاقتصاد والسياسة والثقافة والعمل المجتمعي، ولنا في المشهدين اللبناني والعراقي أسوة حسنة.

في سورية بدأ أمراء الحرب في فرض سيادتهم على قطاعات الحياة المختلفة، قبل أن تصل البلاد إلى لحظة الاستقرار الناجز، وأصبحوا يشكّلون عبئاً حقيقياً على إمكانية عودة عجلة النهوض إلى الدوران في تلك القطاعات، والجانب الأهم من الموضوع أن أمراء الحرب أصبحوا خطاً احمر تساقط على عتباته الكثير من القادة الإداريون والفكريون والاقتصاديون، بحيث أن قضية سطوة هؤلاء الأمراء باتت قضية حساسة منذ سنوات، وبات الحديث عنها جريمة، وتبرز هنا حالة الإعلامي الموالي رضا الباشا، مراسل قناة “الميادين سابقاً، والذي تحدث عن الموضوع قبل أن يتعرض لمضايقات وضغوطات وصلت لحد منعه من العمل في سوريا.

كما يحضر في هذا السياق كلام حاكم مصرف سورية المركزي الدكتور دريد درغام خلال اجتماعه مع أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة حلب في 3 أيلول 2018، حيث نقل عن الدكتور درغام رداً على  أسئلة عضو مجلس إدارة غرفة تجارة حلب سالم ميرة قوله :”هناك تجار حرب اغتنوا والعملة السورية أصبحت لديهم تلالاً، لذلك أقول لا يجوز لي، وأنا قادر على خفض قيمة الدولار إلى ٢٠٠ ليرة أن أسمح لهؤلاء بمضاعفة القوة المالية الضاربة لديهم مرتين ومهما كان عددهم كبر أم صغر، ولا يجوز لأغنياء الحرب الذين بات يملك أحدهم ١٠٠مليون ل.س أن أمنحه هدية ١٠٠ مليون ل.س أخرى بقرار من قبلنا.”، وبنتيجة هذا الكلام تعرض الدكتور درغام لحملة هجوم وتشهير واسعة في وسائط التواصل الاجتماعي، ركّزت على جزئية في كلامه، مفادها أن المصرف قادر على تخفيض سعر الصرف إلى 200 ليرة /دولار، رغم أن الرجل أوضح أن غاية كلامه هي “ضرورة استقرار سعر الصرف وليس تخفيضه إلى 200 ليرة”، وفي 24 أيلول 2018 صدر مرسوم إقالة درغام وتعيين الدكتور حازم قرفول بديلاً له، فكان السبب الحقيقي الكامن في ذلك القرار هو تجرؤه على أمراء الحرب.

في سياق مشابه لا بد من استحضار قضية الدكتور زياد زنبوعة، الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، إذ اصدر المجلس التأديبي لأعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة في شهر نيسان الفائت قراراً بالنقل التأديبي للدكتور زياد زنبوعة خارج الجامعة بسبب مشاركته في ندوة جرت في غرفة تجارة دمشق، برئاسة ورعاية كل من رئيس غرفة تجارة دمشق ورئيس جمعية العلوم الاقتصادية ونائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، تحت عنوان “الطبقة الوسطى من وجهة نظر اقتصادية وتداعيات الأزمة” في 17 كانون الثاني 2017م، وحذّر الدكتور زياد في مداخلته من ظاهرة أمراء الحرب ومن تفشّي السلب والنهب وجيوش المرتزقة، الأمر الذي ادخله في ملاسنة مع أحد المسؤولين ممن حضروا الندوة، وتسبب له بقرار تأديبي عام 2017، ثم قرار محكمة إدارية عليا عام 2018، ثم قرار نيابة عامة على أثر مرسوم العفو 20 لعام 2019 قضى بإعادة القضية إلى مجلس التأديبي لأعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق، التي عادت واتخذت القرار الحالي المماثل لقرارها الأول، ضاربة بعرض الحائط مرسوم العفو الرئاسي العام رقم 20 لعام 2019. ما يؤكد أن مجمل هذه القرارات التأديبية ذات خلفية كيدية، لكون الدكتور زياد قد نقر على وتر حسّاس من أوتار الأزمة السورية، وهو وتر أمراء الحرب وما يرتبط بهم من فساد عمودي وأفقي على كافة المستويات.

النموذج الثالث الذي يطرح إشكالية أمراء الحرب، وطغيانهم العميق على قرارات السلطة في سورية هو الصناعي وعضو مجلس الشعب فارس الشهابي، ففي نيسان 2017 وجّه الرجل شكوى بصفته رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة حلب إلى رئيس الوزراء عماد خميس بخصوص اللجان الأمنية الموجودة في المناطق الصناعية في الشيخ نجار والعرقوب والكلاسة، والتي تفرض الإتاوات على أصحاب المنشآت الصناعية وتقاسمهم أرزاقهم وأرباحهم، وتضمّن كتاب الشهابي شكوى بحق أحد المعنيين في اللجان المذكورة بفرض إتاوات على المواد الداخلة والخارجة إلى المناطق الصناعية وفرض الترفيق داخل المدينة، والاستيلاء على المواد البلاستيكية وخاصة مادة المطاحين ومنعها من الدخول إلى المنشآت الصناعية إلا بعد بيعها لأصحابها بأرباح مضاعفة ما تسبب بتوقف معظم المنشآت عن العمل.

هذه الشكوى عاد الشهابي وكرّرها في لقاء مع قناة “الإخبارية السورية” الرسمية في 25 شباط 2019 في إحدى حلقات برنامج “فن الممكن” الذي تقدمه المذيعة ربا الحجلي، تحت عنوان ” حملة مديريات الجمارك لمكافحة البضائع المهربة مؤخراً”، وفي ذلك اللقاء تحدّث الشهابي عن ضرورة ملاحقة “الرؤوس الكبيرة”، متابعاً أن “هذه الأسماء معروفة لدى الدولة ولدى الجميع ومن بينها أبو علي خضر وأقول اسمه عبر التلفاز ولست خائفاً، هو واحد من الذين يفرضون الإتاوات على المعامل ويحاربون الصناعة الوطنية ويدخلون البضائع عبر المعابر مع مناطق سيطرة المعارضة، وهو من خرب بيوت أصحاب معامل البلاستيك في حلب”، وهناك الكثيرين من أمثال خضر وهم معروفون وجميعهم مهربون ومجرمون سابقون”.

وعلى إثر ذلك سحبت قناة “الإخبارية السورية” اللقاء من شبكة الأنترنت واُلغي لقاءٌ آخر مع الشهابي. والأمر الأخطر أن الشهابي رغم كونه أقوى  المتنافسين للوصول إلى منصب رئاسة الوزراء في منتصف عام 2016، ورغم تردّد اسمه في تقارير قنوات الإعلام الروسية والإيرانية كالعالم وكروسيا اليوم، فقد الرجل حظوظه في هذا المنصب، ففي عام 2016 صُدر مرسوم مفاجئ بتسمية عماد خميس، وبالأمس صُدر مرسوم مفاجئ بتسمية حسين عرنوس بديلاً لعماد خميس، وفي كلا المرسومين كان الشهابي يسقط صريع مواجهته العلنية مع أمراء الحرب.

إن النماذج الأربعة المذكورة تعكس حالة خطيرة، فظاهرة أمراء الحرب أصبحت تشبه دولة عميقة في سورية تحرّك الدولة الظاهرة من خلف الستار، وتُسقط كل من يحاول المساس بسلطتها العميقة، بعدما كانت الدولة الأمنية في السابق هي الدولة العميقة، فهل أصبح أمراء الحرب شركاء للدولة الأمنية في التحكّم بمفاصل القرار من خلف الستار ؟! .

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق