تاريختقارير وتحقيقاتفيديوغرافيك

محطة المسلمية بين الماضي العريق والحاضر المرير والمستقبل المجهول

وكالة روماف تعيد إحياء نفس المشاهد القديمة بعد مرور أكثر من 100 عام لـ "محطة المسلمية"

تُعتبر محطة المسلمية التي تقع في بلدة الأحداث بريف حلب الشهباء إحدى أهم المحطات الرئيسية قديماً، والتي كانت تفصل الشرق عن الغرب، وتعد أيضاً أولى المحطات الخارجية المتواجدة خارج مدينة حلب في ريفها الشمالي، وهي عقدة الوصل مع سكة بغداد في الشرق وسكة إسطنبول في الغرب، والتي تصل بدورها إلى الخط الحديدي لـ”قطار الشرق السريع” المرتبط مع أوروبا الشرقية وصولاً إلى العاصمة الألمانية برلين.

في 29 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1918 حرًرت قوات الشريف ناصر محطة “المسلمية”، وهي ملتقى خطوط السكك الحديدية التي تتفرع إلى إسطنبول وسوريا والعراق. وكان هذا أخر موقع حررته قوات الشريف ناصر بن علي، لأنه في ذلك اليوم توقف القتال إثر التوقيع على هدنة “مودروس” على ظهر البارجة “أغاممنون” في ميناء مودروس في جزيرة “ليمانوس” في بحر إيجه.

الشريف ناصر بن علي
الشريف ناصر بن علي

شيّدت الشركة الألمانية للسكك الحديدية محطة المسلمية إبان الاحتلال العثماني لسوريا على بعد 14 كم من مدينة حلب في عام 1908، وتابعت إكمال الخط الحديدي نحو الشمال في ريف حلب الشمالي مروراً ببلدة تل رفعت وأطراف مدينة إعزاز وصولاً إلى قرية قطمة، أولى محطات سكة الحديد في منطقة عفرين (جبل الكرد)، والذي يصل بين محطتي “قطمة” و”ميدان اكبس”، الذي يبلغ طوله (61،5 كم) ضمن منطقة “عفرين”. ويشكل هذا الصرح الحضاري الكبير من أهم الطرقات البرية الذي يصل “أوروبا” بـ”آسيا” والشرق الأوسط.

وتتواجد أربع محطات ماعدا محطة المسلمية على هذه السكة، وهي: “محطة “قطمة” و”استارو” و”راجو” و”ميدان اكبس” على الحدود التركية الحالية، ويمر الخط عبر أربعة أنفاق محفورة ضمن المرتفعات الجبلية وهي: نفق “مشعلة” وطوله 235م، ونفق “راجو” الأول وطوله 540م، ونفق “راجو” الثاني وطوله 165م، ونفق “راجو” الثالث وطوله 130م.

يسير الخط على خمسة جسور حديدية في المنطقة هي جسور: “جومكة” على “نهر عفرين” وجسر “آستارو” و”زرافكي” على نهر “زرافكي” و”كتخ” وجسر “حشاركة” أو جسر “هره دره” على وادي”حشاركة” العميق والوعر، ويصل هذا الجسر بين نفقي “راجو” الثاني والثالث بأبعاد 450م طولاً و95م ارتفاعاً من أسفل الوادي.

جسر “حشاركة” أو جسر “هره دره”

فيديو توضيحي يشرح مسار سكة الحديد من المسلمية حتى أخر محطة على الحدود السورية التركية

محطة المسلمية التي كانت فيما مضى مسرحاً لأحداث تاريخية مهمة، كانت النقطة الأخيرة لتواجد الاحتلال العثماني في سوريا خلال الحرب العالمية الأولى.

حيث تم إخراج وطرد المحتل العثماني من حلب من قِبل جيش الشريف بمساعدة الإنكليز والحلفاء عام  1918.

وكان المخرج الرئيسي والمنفذ الوحيد للعثمانيين هو التوجه نحو الشمال باتجاه محطة المسلمية، ومن بعدها الاتجاه نحو الشمال الأقصى عبر الخط الحديدي الذي يصل محطة المسلمية مع محطات منطقة جبل الكُرد (عفرين)، ومن ثم التوجه نحو الداخل التركي.

كانت عملية تحرير محطة المسلمية من المحتل العثماني بداية النهاية لاحتلالهم للأراضي السورية، وتأتي أهمية هذه المحطة كونها تشكل صلة الوصل بين خطوط الشرق والغرب مع سوريا.

وتظهر أهمية هذه المحطة أيضاً من خلال مقطع الفيديو النادر الذي تم تصويره في العام 1918 من قِبل مصوري (The Australian War Memorial) المرافقين للجيش الأسترالي، عند وصول قوات الحلفاء والشريف ناصر، والذي يظهر في المقطع المصور الجنود الحجازيين (جنود الشريف ناصر) والأستراليين والبريطانيين في المحطة. ويُعتبر هذا الفيديو من النوادر التي أرشفت سقوط وهزيمة السلطنة العثمانية في سوريا. وبالإضافة إلى ذلك تم تصوير صورتين وحيدتين فقط من قِبل المصورين في شركة (The Keasbury-Gordon Photograph Archive) المرافقين للجيش الإنكليزي.

ولتسليط الضوء على الحالة المزرية لهذه المحطة، قامت وكالة روماف بتوثيق الدمار والخراب الذي تسبب بخروج المحطة عن الخدمة منذ العام 2012 حتى يومنا الحالي على يد المجموعات الإرهابية الموالية للاحتلال التركي.

وقامت أيضاً بإعادة تصوير المحطة من نفس الموقع والزوايا التي صُورت منذ أكثر من مائة عام ومقارنتها بالوقت الحالي ومعاينة التغيرات المكانية في المحطة.

ففي الصورتين اللتان تم التقاطهما في شهر تشرين الأول\أكتوبر من العام 1918 من قِبل المصورين الإنكليز تظهر الشخصية المشهورة والرئيسية في الثورة الكبرى ضد الاحتلال العثماني «توماس إدوراد لورنس» والملقب بـ “لورنس العرب” وهو بانتظار وصول الأمير “فيصل بن الشريف حسين” إلى محطة “مُسلمية” بعد طرد المحتل العثماني الذي دام لأكثر من أربعة قرون.

الفيديو المصور في محطة المسلمية يعود تاريخه إلى العام 1918، ويظهر في المقطع المصور الجنود الحجازيين (جنود الشريف ناصر) والأستراليين والبريطانيين في المحطة. ويظهر أيضاً مشاهد عامة لساحة ومقر المحطة وملحقاتها في الجهة الشمالية والجنوبية.

وجاء في وصف هذا الفيديو من قِبل موقع The Australian War Memorial الأسترالي:

دخول (دورية السيارات الخفيفة الأسترالية الأولى) تحت قيادة الكابتن “إرنست هوموود جميس” (Ernest Homewood James) برفقة سيارات مدرعة، مدينة “حلب”، بعد أن عبر الملازم “ماكنتاير” بدورية سيارات خفيفة إلى خطوط الجبهات التركية لإجبارهم على استسلام الحامية العثمانية. وجاء أيضاً في وصف الفيديو: “توجه قوات الحجاز النظامية إلى محطة السكة الحديدية وتوليها لمهام الحراسة وفرض السيطرة في المحطة”.

واحتوى مقطع الفيديو المصور أيضاً على إطلالات عامة لمدينة حلب، وبرج الساعة (ساحة باب الفرج)، ومحطة سكة الحديد (مسلمية) التي هي محور بحثنا، ومسار سكة الحديد الذي يتفرع إلى خط القسطنطينية (إسطنبول) وبغداد.

رابط الفيديو  لمحطة المسلمية ومشاهد من دخول قوات الحجاز إلى مدينة حلب

لم تتوقف المحطة عن العمل في تسيير الرحلات واستقبال المسافرين منذ تحريرها من العثمانيين في العام 1918 حتى عام 2011، مع اندلاع الأزمة والحرب الأهلية في سوريا (أي لم تتوقف المحطة إلا بعد 93 عاماً) .

وتعرضت المحطة للتخريب والنهب والسرقة منذ العام 2011، بالإضافة إلى وقوع أشرس المعارك فيها، وتناوب المجموعات الإرهابية على السيطرة عليها، من الجيش الحر، جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) وحتى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لغاية العام 2016.

ومن خلال تجوال عدسة وكالة (روماف) داخل المحطة، رُصد الدمار الكبير والتخريب المتعمد، من قِبل المجموعات المسلحة التي تسببت في خروج المحطة عن الخدمة منذ سنوات عديدة، فآثار الكتابات (الكتابات الأسلاموية) المتبقية على الجدران خير دليل وشاهد عمن قام بارتكاب كل هذا التخريب والنهب لمحطة المسلمية…من هنا مر الأتراك!! ومن هنا مر أحفادهم….

المصادر و المراجع :

  • The Australian War Memorial
  • https://www.awm.gov.au/collection/C188267
  • The Keasbury-Gordon Photograph Archive
  • تاريخ الثورة العربية الكبرى . المجلد الثاني
  • الخليج العربي في تاريخه السياسي ونهضته الحديثة
  • فلسطين: ضحية وجلادون (بواسطة زهير عبد المجيد الفاهوم)
  • جريدة السفير العربي
  • موقع (إرث الأردن) http://jordanheritage.jo/nasser-bin-ali/
  • المصادر المصورة لعام 2020 حصرياً لـ  / وكالة روماف /

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق