آراءسياسة

حسني محلي: لمن يقال أنت الحاكم ؟ 

كتب الصحفي والمحلل السياسي “حسني محلي” في صحيفة (korkusuz) التركية مقالة تحت عنوان (لمن يقال أنت الحاكم)، وتناول الوضع السياسي والتغييرات التي طرأت على السلطة القضائية في تركيا خلال العقد الأخير في ظل سيطرة حزب العدالة والتنمية على السلطة منذ العام 2002.

بدأ “محلي” مقالته بسرد تاريخي لحكم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، وكيفية تهيئته للظروف من أجل إجراء التغييرات الدستورية والاستحواذ على كافة مقاليد الحكم في الدولة وجمع كل السلطات في شخصه.

وقال بأن السلطة المطلقة التي خصها صدام لنفسه جعلت من باقي الشخصيات المهمة في الدولة مجرد دمى يتحكم بها بالطريقة التي يجدها مناسبة وفق الصلاحيات الرئاسية التي منحها إياه الدستور الذي فصله على مقاسه وبما يتناسب مع طموحاته السلطوية.

وأضاف “محلي” في مقالته بأن نهاية صدام كانت وخيمة، فالرجل في النهاية تم إعدامه، وقُتل أولاده واحتلت بلاده ومُزقت إلى أجزاء متناحرة. مشيراً إلى أن وجود أمثال صدام لا يقتصر فقط في جغرافية الشرق الأوسط، بل في أماكن أخرى من العالم.

وذكر شخصيات دكتاتورية أخرى كأمثال هتلر وموسوليني اللذان تسببا بمقتل حوالي 60 مليون شخص خلال الحرب العالمية الثانية، كما أتى على ذكر “محمد مرسي” رئيس مصر السابق ومرشح الإخوان المسلمين، وكيف انتهى حكمه بانقلاب عسكري بعد محاولته استغلال السلطات القضائية والدستورية الممنوحة له وفق رغباته التسلطية.

ولم يغب ترامب أيضاً عن تحليل الصحفي “محلي”، الذي أوضح أن ترامب اتبع أسلوباً مغايراً في السيطرة على السلطة القضائية، عبر عزل أكثر من 50 مسؤولاً من أعلى المستويات، وأنه حول أمريكا إلى دولة تعاني من النزعات الدكتاتورية.   

هذا الوصف والتحليل للصحفي والمحلل السياسي “حسني محلي” لم يأتِ من فراغ، بل كانت مقدمة لرسم صورة توضيحية لما آلت إلية الأمور في تركيا، وكيف قامت السلطة الحاكمة بقيادة أردوغان ببرمجة القضاء والدستور وفق مصالحها الخاصة، والسيطرة على القضاء واختزال السلطات التنفيذية والقضائية في شخصية الرئيس بعد الانتقال من نظام الحكم البرلماني إلى النظام الرئاسي.

المقالة التي كتبها “حسني محلي” تخفي بين سطورها سيناريوهات مشابهة لما ستؤول إليه الأمور في تركيا، إذا استمرت باستنساخ مغامرات سياسية فاشلة لشخصيات سعت سابقاً إلى الاستحواذ على كل السلطات في الدولة.   

فمن خلال ترجمة مقالة الصحفي والمحلل السياسي “حسني محلي” يمكن قراءة ما يجول في فكره من تصورات مستقبلية لربما قريبة جداً.  

ترجمة المقالة:

حكم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بلاده كرئيس لمدة 24 عاماً. وقبلها كان نائب الرئيس لمدة 10 سنوات، وكان المسؤول عن العديد من القضايا.

وبعد أن أصبح رئيساً للعراق وزعيماً لحزب البعث في تموز 1979، قام بتغيير الدستور وجمع كل السلطات في شخصه.

  • الرئيس هو فقط من يمكنه تعيين الأشخاص الذين يجدهم مناسبين لأداء المهام الوظيفية:

وفيما يتعلق بسلطات الرئيس، قال كتّاب الدستور بأن نواب الرئيس والوزراء ورئيس الأركان ووزير الدفاع ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية وجميع كبار المسؤولين التنفيذيين، سيتعبون أنفسهم باتخاذ القرارات، لأنه في النهاية “الرئيس هو فقط من يمكنه تعيين الأشخاص الذين يجدهم مناسبين لأداء المهام الوظيفية “. وبهذا الطريقة اختزلوا السلطات الدستورية في شخص الرئيس.

وهكذا كانت تجري الأمور، وهكذا جرت. لكن في النهاية تم إعدام صدام، وقتل أولاده واحتلت بلاده ومُزقت إلى أجزاء متناحرة.

صدام حسين ذو التاريخ الحافل بالحروب، في البداية أشعل الحرب مع إيران لمدة 8 سنوات. وعندما انتهت الحرب، احتل الدولة الجارة الكويت، وأزال كل من عارضه في الحكم أو أسكته بالضغط، بما في ذلك صهريه (حسين كامل وصدام كامل). وفي الأخير جاء الأمريكيون واستقروا في العراق.

فوجود شخصيات على شاكلة صدام ليست محصورة فقط في جغرافيتنا، بل كان وسيكون هنالك أشباه له في كل زمان ومكان من العالم.

وبعد الحرب العالمية الثانية التي سببها هتلر وصديقه موسوليني ومقتل 60 مليون شخص، وبالأخص بعد انهيار الكتلة الشرقية، بدا كأن الدول الأوروبية تخلصت من هذا المرض، لكن مع ظهور ترامب تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دولة تعاني من النزعات الدكتاتورية.

خلال ثلاث سنوات ونصف من السلطة، لم يسجن ترامب أي شخص، لكنه طرد حوالي 50 مسؤولاً من أعلى المستويات كان قد عيّنهم خلال حكمه، وحاول تعيين مدعٍ مقرب منه، وحاول التأثير على المدعي العام في قضية “هلك بنك” التركية. ودخل أيضاً في جدال مع المحكمة العليا، التي اعتقد أنها قد تقيد سلطاته الرئاسية.

  • في العديد من البلدان حول العالم لا يروق للحكام عدالة “القضاة”:

وفي مصر، التي أُنتخب فيها مرشح الإخوان المسلمين “محمد مرسي” رئيساً في حزيران 2012، هدد القضاة المصريون بإضرابٍ عام عندما أقال “مرسي” النائب العام في تشرين الأول، ما دفعه إلى التراجع عن قراره.

ولكن “مرسي” نفسه، الذي تراجع عن إقالة المدعي العام، وبعد منحه سلطات دستورية جديدة، عيّن المدعي العام للجمهورية بموجب المراسيم الرئاسية​​، كسفير لدى الفاتيكان دون علمه في تشرين الثاني.

وأدت ردود الفعل على سلوك مرسي إلى وقوع انقلاب عسكري أطاح بحكم الإخوان المسلمين بعد سبعة أشهر من إقالة المدعي العام وتعينه سفيراً لدى الفاتيكان.

  • المحامين الذين يؤيدون أيديولوجية الشخصية الحاكمة يفوزون بالقضية بسهولة أكبر:

في العديد من البلدان حول العالم لا يروق للحكام حكم “القضاة”، أي أولئك الذين يحاولون تحقيق العدالة.

وفي أنحاء كثيرة من العالم؛ يلاحق القضاة الحكام المنتهكين للقوانين ويحاولون تحقيق العدالة.

وفي بعض دول العالم يسعى الحكام للتخلص من القضاة الذين يمكن أن يضروا بمصالحهم. ولا يحاولون فقط التخلص من القضاة، بل حتى أيضاً من المدعين العامين وإذا لزم الأمر يعينون المحامين عند الضرورة.

وفي البلدان التي ليس لديها الكثير من الديمقراطية، تخضع النقابات أحياناً للرجل الحاكم أو لأيديولوجيته.

حتى في القضايا التي لا تتعلق بالسياسة، فالمحامين الذين يؤيدون أيديولوجية الشخصية الحاكمة يفوزون بالقضية بسهولة أكبر.

على سبيل المثال، قضية دعوى الطلاق. فإذا كان محامي المرأة أو الرجل خاضعاً للشخص الحاكم ومدافعاً عن أيديولوجيته، فإنه سيصل بطبيعة الحال إلى القاضي والمدعي الذي عينه الشخص الحاكم ويضمن إنهاء القضية لصالحه.

ولن تفيد الاستئنافات أمام المحاكم العليا أيضاً، لأن القضاة والمدعين العامين هناك سيكونون معينين من نفس الحاكم.

هل يمكن أن يحدث هذا؟

  • إذن ما هو الوضع في تركيا؟

مع استفتاء 12 أيلول 2011، تم تغيير هيكلية المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين وتم السماح لأعضاء فتح الله غولان الذين شاركوا في المؤامرات الانقلابية لأرغناكون وباليوز المعروفة بـ”قضية المطرقة” بتولي السلطة القضائية. كما هو الحال في جميع مؤسسات الدولة.

وبعد فشل محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، تم عزل الآلاف من القضاة والمدعين العامين والموظفين القضائيين التابعين لفتح الله غولان، وتم زج البعض منهم في السجن.

بعد ذلك، وخاصة بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، تم تحويل مهمة السلطة القضائية بالكامل لسيطرة الحكومة الحاكمة.

خلال هذه العملية برمتها، لم تفعل المعارضة شيئاً، باستثناء “جذب الانتباه وتوجيه النقد للسلطة الحاكمة“.

والآن، حان دور المحامين، الركيزة الثالثة لسلطة العدالة. يريدون أيضاً السيطرة عليهم. من ثم سيأتي الدور على باقي المهن الأخرى، الأطباء، أطباء الأسنان، الصيادلة، المهندسين المعماريين والمهندسين المدنيين …

عندما تكون هناك مشكلة في علاقة “الحاكم – القاضي، الحق والقانون والعدالة ستكون هي نفسها كما في الشكل “أ” أي كما أراد الحاكم أن تكون !


حسني محلّي مواطنٌ تركيٌّ من أصلٍ سوريّ، من تركمان جرابلس الواقعة على الحدود السورية التركية. درس في جامعات إسطنبول وحصل على درجة الدكتوراه برسالةٍ موضوعها «العلاقات العربية-التركية». كان يكتب بانتظامٍ في جريدة (Akşam) التركية إلى حين إقالته منها، في إطار التصفيات التي تعرّضت لها وسائل الإعلام، بعد ثورة منتزه «غزي» صيف العام 2013.

وعمل محلي، إضافةً إلى عمله في وسائل إعلامٍ تركية، مراسلاً لوكالة سانا السورية، كما كان يكتب بانتظامٍ في جريدة الأخبار اللبنانية ويعمل حالياً كاتباً في صحيفة (korkusuz) التركية.

ترجمة: وكالة روماف عن صحيفة (korkusuz) التركية

Rumaf – وجه الحق -04-07-2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق