2017/10/22 - 3:41 ص

هذا هو عُمقنا السياسي في التاريخ

سلسلة: كُردستان أولاً !
(Dr. Ehmed Xelîl)
هذا هو عُمقنا السياسي في التاريخ
ها قد عبرنا إلى القرن الحادي والعشرين بلا دولة مستقلة، ووطننا مقسَّم بين أربع دول (إيران، تركيا، العراق، سوريا)، ومنذ أوائل القرن السابع الميلادي كانت كُردستان في قبضة الدول التي حكمت باسم الإسلام حتى العهد العثماني، وقبل ذلك كانت في قبضة الأكّاديين، ثمّ البابليين، ثمّ الأخمين، ثمّ الپارثيين، ثمّ السّاسانيين.
لكن هل هذا يعني أننا أمّة بلا جذور سياسية في تاريخ العالَم؟ وهل يعني أننا نفتقر إلى إرث سياسي لإقامة الدُّوَل وإدارة المجتمعات داخلياً، وإدارةِ العلاقات مع الآخرين في السِّلم والحرب إقليمياً وعالمياً؟ لا، بكل تأكيد، إن جذورنا السياسية عميقة في التاريخ، ويتوزّع إرثنا السياسي على أربع مراحل رئيسة.
مراحل تاريخنا السّياسي:
المرحلة الأولى: أقام أسلافنا السومريون أقدمَ نظام سياسي لدول- المدن في الشرق الأوسط، وربما في العالم أجمع، بدءاً من الألف (3 ق.م)، إنهم سبقوا اليونان في هذا المجال بأكثر من ألفَي عام، وتؤكّد المصادر التاريخية أنهم انحدروا إلى جنوبي ميزوپوتاميا من جبال جنوبي كُردستان، وأنهم في الأصل خرّيجو حضارة گُوزانا Guzana التي ازدهرت في كُردستان بين (5000 – 4300ق.م)( ).
وأسّس أسلافنا الإيلاميون (عيلامي)، في أقصى جنوبي وطننا، مملكة منذ أوائل الألف (3ق.م)، وسيطروا على أجزاء من الخليج السومري (الفارسي/العربي)، وظلّوا قوة سياسية مهمّة في غربي آسيا حوالي (1500) عام، وخاضوا الصراع ضدّ الأكّاديين والبابليين، إلى أن أضعفهم الآشوريون، ثم غزاهم الفرس واحتلّوا بلادهم حوالي القرن (7ق.م)( ).

(الشكل 1- بلاد سومر)
وأقام أسلافنا الگُوتيون (جُوتي/جُودي) مملكة في الجزء الأوسط من جبال زاغروس، وتصدّوا للغزاة الأكّاديين، ثم غزوهم في عُقْر دارهم، وأسقطوا مملكة أكّاد سنة (2230ق.م) حسب أرجح الروايات، ودام الحكم الگُوتي في سومر وأَكّاد (91) عاماً، وفي الألف الأوّل قبل الميلاد صار اسم (گُوتي) يُطلَق على معظم أسلافنا الزاغروسيين( ).
المرحلة الثانية: في القرن (18ق.م) أسّس أسلافنا الكاشّيون مملكة في لُرِّستان (لُورِستان) شمالي إيلام، وتصدّوا لغزوات البابليين بقيادة الملك گانْداش (جانداش) Gandash بين (1741 – 1726ق.م)، ثم سيطروا على مملكة بابل حوالي سنة (1590ق.م)، وحكموها مع بلاد سومر حتى سنة (1157ق.م) ( ).
وفي عهد الكاشّيين ظهر أسلافنا الحوريون (خُوري/هُوري)، وأسّسوا ممالك امتدّت من كَرْكُوك إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم ظهر من بينهم الميتانيون، وأسّسوا مملكة قوية بسطت نفوذها على معظم أجزاء كُردستان، وبلغوا أَوْجَ قوّتهم في القرن (14 ق.م)، واتخذوا مدينة آشوكاني (واشُوكاني) Washukani قرب مدينة Serȇ kaniyȇ في غربي كُردستان عاصمةً لهم، وحاربوا الآشوريين والحِثّيين والمصريين، ثم غزاهم الحِثّيون ومزّقوا بلادهم وأضعفوهم، ثمّ قضى الآشوريون على مملكتهم حوالي سنة (1275 ق.م)( ).

(الشكل 2- مملكة ميتاني الحورية)
المرحلة الثالثة: بينما كانت مملكة ميتاني الحورية تتهاوى، ظهر أحفادهم خالْدي )خالْتي) Halitu-in في القسم الشمالي من جبال زاغروس (موطن الحوريين الأساسي)، وتسمّى أُورارْتُو (آرارات)، والآن (أرمينيا)، وسمّاهم الآشوريون (نائيري) Nairi ، وأسّسوا ممالك متنافسة، ثم وحّدها الملك سارْدور (سَرْدار) في مملكة قوية، وتصدّى للغزو الآشوري، وفي النهاية قضى عليها الآشوريون في القرن (7 ق.م)( ).

(الشكل 3 – مملكة أورارتو)
المرحلة الرابعة: إن قضاء الفرس على مملكة ميديا وجّه ضربة قاتلة إلى تاريخنا السياسي، وردّاً على محاولة الزعيم الميدي گُوماتا للإطاحة بالاحتلال الفارسي، وإحياء مملكة ميديا، أصدر الملك الفارسي الثاني قَمْبَيز (كَمْبُوجِيا)، وصيته لقادة الفرس قُبيل وفاته سنة (522ق.م)، قائلاً:
“فلزامٌ عليّ أن أبيّن لكم- وأنا أَلفظ أنفاسي الأخيرة- ما أرغب لكم القيام به، فباسم الآلهة التي تَحرس أسرتَنا الملكية آمرُكم- خاصّةً الأخمينيين منكم الحاضرين- ألّا تَدَعوا الميديين يستردّون السلطة”( ).
وهدّد قَمْبَيز الفرسَ بأن لعنته ستحلّ بهم إذا سمحوا للميد بإقامة مملكة ميديا مرة ثانية.

(الشكل 4- إمبراطورية ميديا)
وبسبب الإصرار الفارسي على منع قيام مملكة كُردستانية، بقي أسلافنا بلا دولة جامعة طوال ألف عام، وما أقاموه من إمارات وممالك صغيرة في أجزاء من كُردستان، كانت محدودة القدرة، وتدور قليلاً أو كثيراً في فلك الممالك المجاورة الأقوى، وبعد سقوط الدولة الساسانية على أيدي العرب سنة (635م)، ومقتل الملك الساساني يَزْدَگِرْد الثالث، أُخضع الكُرد لدولة الخلافة العربية الإسلامية.
وحينما ضعفت دولة الخلافة العربية منذ القرن (11م)، وأصبحت السلطة السياسية في أيدي البُوَيْهِيين (يُعَدّون فرساً، والأرجح أنهم كُرد دَيْلَم/زازا) ثم في أيدي السَّلاجِقة التركمان، دبّت الحياة من جديد في الذهن السياسي الكُردستاني، وأقام بعض الكُرد إمارات ودولاً ذات حكم ذاتي بين القرنين (9 – 13م)، منها الدولة الرَّوادية (رُوآدي= شمساني)، والسّالارية، والشَّدادية، في أَذَرْبَيْجان (آزَرْبَيْجان) ومناطق القوقاز، والدولة العَنازية في جنوبي كُردستان، والدولة الدُّوسْتِكية (المَروانية) في شمالي كُردستان، والسلطنة الأيوبية في مصر، وحكمت غربي كُردستان وأجزاءَ كبيرة من جنوبي وشمالي كُردستان، وظلّت بعض الإمارات الكُردية قائمة في كُردستان، إلى أن قضى العثمانيون على آخرها (إمارة بُوتان) في كُردستان الوسطى) سنة (1845م).

(الشكل 5- دول وإمارات كردية في العهود الإسلامية)
إرْثُنا السّياسي في عُمق التاريخ:
إذن نحن لسنا أمّة بلا هويّة سياسية، فقد أقام أسلافنا الممالك منذ أوائل الألف (3ق.م) وبشكل متواصل حتى سنة (550ق.م)، أي طوال (2500) سنة، وكان لثلاثة فروع منهم (گُوتي، حُوري، ميدي) الدورَ الأكثر أهمّية في تكويننا القومي الشامل. وفي المراحل اللاحقة أقام أسلافنا كيانات سياسية صغيرة وكبيرة كلما أُتيحت لهم الفرصة، وكان قادة الفُرس والتُّرك أكثر مَن ألحق بنا الأذى سياسياً، وهدّموا دولنا وإماراتنا بلا رحمة، وحالوا إلى اليوم دون قيامها.
وإن قيام أسلافنا بتأسيس الدول والممالك يعني الكثير من المنظور السياسي؛ إنه يعني وجود فكر سياسي كُردستاني (بمعايير تلك العصور)، وبرامج سياسية، ومؤسّساتٍ تحوّل البرامج إلى خطط وإنجازات، وقادةٍ وموظفين يقودون تلك المؤسّسات. ويعني أيضاً وجودَ تشريعات ومراسيمَ وقوانين وضوابط لتنظيم المجتمع والدولة، وتأسيسَ الجيوش وتنظيمَها وتدريبها وتسليحها. ويعني أيضاً أن أسلافنا كانوا ذوي مهارة سياسية في بناء علاقات السِلم والحرب مع الممالك المجاورة، وتمييز الأصدقاء من الأعداء، وإرسال السُّفراء واستقبالهم، وإقامة التحالفات السياسية.
وبرعاية تلك الدول والممالك أنشأ أسلافنا السومريون بواكير الحضارة في جنوبي ميزوپوتاميا، فصارت منجزاتهم خميرةً لمعظم ثقافات وحضارات الشرق الأوسط القديم. وحرّر أسلافنا الميد شعوبَ غربي آسيا من قهر إمبراطورية آشور، وكان لذلك صدًى في كتاب (العهد القديم). وقدّم أسلافنا في الدولة الدُّوسْتِكية (المَرْوانية) أمثلة رائعة في نشر السلام والازدهار بين شعوب غربي آسيا، وإقامة علاقات سلمية متوازنة بين الدول المجاورة. وقام أسلافنا في عهد الدولة الأيّوبية بحماية شعوب الشرق الأوسط من الغزو الفرنجي (الصليبي).
هذا الإرث السياسي العريق هو ذُخْرُنا وعُمقنا في التاريخ، وهو يؤهّلنا لأن نعود إلى إحياء أمجاد أسلافنا العظام، ونقيم دولة لها شأن، نمارس في ظلّها حقنا في الحياة الحرة في وطن مستقل، ونقيم في ظلّها علاقات سياسية وحضارية مع الشعوب الأخرى، بعيداً عن ذهنية الغزو والقهر والصَّهر، ونساهم مع الشعوب في تطوير الحضارة، وتعميم السلام والرفاه في العالم.
ومهما يكن فلا بدّ من تحرير كُردستان!
29 – 5 – 2017
المراجع:
- جورج رُو: العراق القديم، ص 123. جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 162- 163. محمد بَيُّومي مَهْران: تاريخ العراق القديم، ص 20، 90.
- أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 198. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/92. موريس كروزيه: تاريخ الحضارات العام، 1/214.
- جرنوت فيلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 31، ص 112. دياكونوڤ: ميديا، ص 109، 110، 117. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 112. أرشاك سافراستيان: الكُرد وكُردستان، ص 37. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/55.
- انظر أرشاك سافراستيان: الكُرد وكُردستان، ص 41. دياكونوڤ: ميديا، ص 124 – 125، 127. جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 62.
- انظر وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/62. جرنوت فيلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 42، 48. 58، 61، 73. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكرة، ص 134.
- انظر جرنوت فيلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 83. جمال رشيد أحمد: ظهور الكورد في التاريخ، 2/131 – 134، 2/166 – 167. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/87. بونْغارد- ليڤين: الجديد حول الشرق القديم، ص 527 – 528.
- انظر هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 246 – 249. دياكونوڤ: ميديا، ص 390. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/93.