أخبار محليةالاقتصاد

تتريك ممنهج في مناطق الشمال السوري

خاص-روماف/روسيل

اتبع الأتراك منذ بداية الأزمة السورية حزمة متكاملة من السياسات، لإلحاق مناطق الشمال السوري بالولايات التركية المجاورة والمؤسسات التركية، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وشيئاً فشيئاً بدأت تتضح ملامح سياسة “التتريك” المتبعة ببطء وثبات، وكانت آخر تطبيقات هذه السياسة استبدال العملة السورية في( إدلب ،ريف حلب ،عفرين ،رأس وتل أبيض) بالعملة التركية .

الكثير من الضخ الإعلامي!

جرى الكثير من الضخ الإعلامي، ومن الحرب الناعمة لتقديم عملية الاستبدال على أنها إجراء نقدي اقتصادي يتدارك تدهور الليرة السورية، ويحافظ على القدرة الشرائية لمداخيل المواطنين في ادلب وريف حلب. وأقيمت الكثير من الندوات واستطلاعات الرأي، وأعدت وسائل الإعلام المعارضة المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين، والفصائل التابعة لتركيا مثل الجزيرة وأورينت وعنب بلدي والمونتور والمرصد السوري لحقوق الإنسان، أعدت تقارير عدة عن جدوى وضرورة وفوائد استبدال العملة على المواطن وحفظ مدخراته واستقرار وضعه المعيشي والاقتصادي، كالندوة الحواريّة، التي أقامتها الحكومة المؤقتة في 9 كانون الأوّل 2019م، في مقرّ جامعة “الشام العالميّة” بمدينة إعزاز في ريف حلب الشماليّ، وحضرها وزير الاقتصاد والماليّة فيما يسمى “الحكومة المؤقّتة” (التي تدير ريف حلب الغربي وبعض ريفي الرقة والحسكة) الدكتور عبد الحكيم المصريّ، الذي صرّح بأن دعوات استبدال العملة السورية بالليرة التركية والدولار بدأت في العام 2015.

الاستبدال في عام 2015م.

كشفت تصريحات المصري أن السعي لوسم استبدال العملة بصفة الإجراء الاقتصادي المحايد المقترن بتدهور قيمة الليرة السورية في مطلع 2020م يناقض المساعي، التي بدأت منذ 2015م لاستبدال الليرة السورية بالتركية في مدينة حلب تحديداً، حينها واجهت تلك المساعي حملة إعلامية اعتبرتها “تتريكاً” لمناطق الشمال السوري وتقويضاً “للهوية الوطنية” وبداية للتقسيم، ما تسبّب في إيقاف العمل بالقرار ورغم أن هذا القرار كان مدعوماً بالفصائل العسكرية مع المجلس المحلي الخاضعة للنفوذ التركي.
ومنذ عام 2015 م ظهر ازدواج في استعمال العملات فاستعمل بالدولار الأمريكي في شراء أو بيع المقتنيات الثمينة (موبايل – سيارة – أدوات كهربائية…)، فيما بقي التعامل اليومي لشراء المواد الغذائية والثياب وما إلى ذلك بالليرة السورية، وعلى مستوى الأجور، حافظت منظمات المجتمع المدني على تسليم رواتب العاملين فيها بالدولار الأمريكي منذ أن بدأت عملها في سوريا، وكذلك استمر العاملون في القطاع الخاص المحلي بتلقي أجورهم بالليرة السورية، بينما بات الموظفون الحكوميون وعناصر ما يسمى “الجيش الوطني السوري” يتلقون رواتبهم بالليرة التركية.

في 11 أيار 2017 أعلنت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) عن تأسيس “المؤسسة العامة لإدارة النقد وحماية المستهلك”، وبررت “الهيئة” تأسيس الإدارة بهدف تنظيم عمليات الصرافة ومنع الاحتكار والتلاعب بأسعار العملات، لكنّ هناك من اعتبر أن المؤسسة تهدف للسيطرة على إدارة سوق الحوالات، والتحكم بحركة الأموال وبمكاتب الصرافة.
وفي منتصف 2020م ظهرت القطبة المخفية في إنشاء مؤسسة النقد، التي لعبت دوراً مهما في تطبيق استبدال العملة التركية بالعملة السورية في إدلب، فأصدرت في 27 تموز الفائت قراراً يقضي بوقف التعامل الكلي بالليرة السورية في شركات الصرافة والحوالات ضمن محافظة إدلب،ومنع تعامل الصرافين بالليرة السورية بعمليات التحويل والصرافة بشكل كلي، بالإضافة لفرض ترخيص رسمي صادر عن الإدارة لجميع الصرافين لمزاولة عملهم، تحت طائلة محاسبة مخالفي القرار واتخاذ إجراءات بحقهم.
ومن اللافت أن هذا القرار تزامن مع انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار إلى 2100 ليرة/دولار بعدما كانت وصلت قبل يوم من ذلك إلى 1700 ليرة / دولار، وهو أمر يشير إلى ارتباط انخفاض قيمة الليرة السورية بتضييق مساحات تداولها في الشمال السوري.

الاستبدال في عام 2020

في أواخر العام 2019 وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي إلى 1000 ليرة للدولار الواحد، فعاد الحديث إلى استبدال العملة، واتخذ رئيس الحكومة المؤقتة “عبد الرحمن مصطفى” أولى الخطوات العملية في اتجاه ذلك، فغرّد على حسابه في موقع تويتر آنذاك أنهم يعملون على ضخ أوراق نقدية صغيرة من الليرة التركية من فئة 5 و10 و20 ليرة تركيّة في الشمال السوري، وذلك بغية الحفاظ على القوّة الشرائيّة للإخوة المواطنين وحماية أموالهم وممتلكاتهم وتسهيل التعاملات اليوميّة، و في 2 كانون الأوّل 2019م، أصدر المجلس المحليّ في مدينة إعزاز بريف حلب الشماليّ قراراً قضى بالتعامل بالليرة التركيّة في تعاملات الذهب.
في منتصف حزيران الفائت اصدر المجلس المحلي في مدينة مارع بريف حلب الشمالي، قراراً بتداول العملة التركية في المعاملات التجارية بدلا من الليرة السورية. وفي سياق مشابه أعلنت عدد من المجالس المحلية في مناطق نفوذ ما يسمى بالحكومة المؤقتة وحكومة الإنقاذ (شكلتها هيئة تحرير الشام في تشرين الثاني 2017م وتدير محافظة إدلب وبعض ريف حلب الغربي ومناطق من محافظة اللاذقية)، عن أسعار للمواد الأساسية وخاصة الخبز بالليرة التركية، إضافة إلى ضخ قطع صغير من الليرة التركية في الأسواق لتسهيل التداول بها عند الناس.

في 9 و12 من حزيران الحالي، وصلت كميات كبيرة من العملة التركية إلى الشمال السوري بحكومتيه “المؤقتة و”الإنقاذ، وبدا صرف رواتب الموظفين بالليرة التركية.

وعلى ذات المنوال غزلت شركة “وتد” المستوردة للمحروقات في مناطق نفوذ تنظيم “هيئة تحرير الشام”، فأعلنت أسعار المحروقات بالليرة التركية كما أعلنت بعض الشركات في إدلب عن تحويل أجور العمال فيها لليرة التركية بعد تدهور العملة السورية إلى أكثر من (3500) ليرة. وخلافا للتقارير واستطلاعات الرأي المشجعة لاستبدال العملة، خرج مجموعة من الشبان في 4 آب الجاري، في وقفة احتجاجية عند ساحة الساعة في مدينة إدلب، رفضاً لقرارات شركة “وتد” التابعة لهيئة تحرير الشام متهمين شركة “وتد” بسرقتهم والاستيلاء على أموالهم من خلال رفع الأسعار تارة وتحول العملة السورية إلى تركية تارة أخرى. وبشكل مشابه، خرج العشرات من سكان تل أبيض وريفها في 22 حزيران الفائت في مظاهرات احتجاجًا على تسعير ربطة الخبز بالليرة تركية.

ببساطة أن كل ما حصل هو تأجيل تنفيذ قرار متخذ منذ عام 2015م ب”تتريك” العملة في الشمال السوري لمدة خمس سنوات، بانتظار إعداد الأدوات اللازمة، وانتهاز الفرص والظروف الأكثر ملائمة، وهو ما تزامن مع الانهيار في سعر صرف الليرة السورية منذ مطلع العام الحالي.
التداعيات

إن السلع التي يتم استيرادها إلى مناطق الشمال السوري عبر الحدود التركية يتم شراؤها بالليرة التركية، ثم كانت تباع في الداخل السوري بالليرة السورية، وهو ما يعني أن مناطق الشمال السوري كانت تساهم في الدورة الاقتصادية السورية، كما تساهم في ضخ القطع الصعب إليها.

واليوم مع استبدال العملة وفرض الليرة التركية في التداول اليومي، أصبحت هذه المناطق بنسبة ما خارج الدورة الاقتصادية السورية، يضاف إلى ذلك أن حركة تهريب البضائع التركية إلى مناطق الحكومة السورية، والتي كانت تتم بالتنسيق بين مافيات وأمراء حرب على طرفي الجبهات، هذه الحركة تعرّضت لضغوط شديدة مؤخراً وجرى إيقافها بنسبة ما بعد الانهيار الأخير لليرة السورية منذ حزيران الفائت، باعتبار أن حركة التهريب هذه كانت أحد مصادر تهريب القطع الصعب إلى خارج سورية، وهو أمر انعكس أيضاً بطبيعة الحال على إضعاف الدورة الاقتصادية بين الشمال السوري وبقية مناطق البلاد .

إلا أن وجود موظفين سوريين متقاعدين يأخذون رواتبهم بالليرة السورية، وآخرين مزارعين يضطرون أيضاً للتعامل بها يشكّل صعوبة أمام إيقاف التعامل بالليرة السورية تماما، وهو ما اعترف د.عبد الحكيم المصري وزير الاقتصاد فيما يسمى “الحكومة المؤقتة”.

والأمر الآخر أن استقرار الليرة التركية هو استقرار هش، ففي آب 2018م، خسرت الليرة التركية 40% من قيمتها إثر تغريدة نشرها الرئيس الأمريكي هدّد فيها بتدمير الاقتصاد التركي على خلفية الضغط على تركيا في ملف القس المحتجز لديها روبنسون.

إلى جانب ذلك تفتقر مناطق الشمال السوري إلى وجود بنك مركزي يمارس سياسات نقدية تتحكم بالعملة الجديدة، وتتدخل في إداراتها إلى جانب قطاع مصرفي قوي يساعده بذلك، وينفذ عملية الاستبدال، ويمنع المضاربة، وهي نقاط أشار إليها د.عبد الحكيم المصري.

كما أن مناطق الشمال السوري في مجملها هي منطقة حرب مفتوحة تشهد عمليات اشتباك يومي وفلتان امني شامل، والحشود العسكرية تتعاظم على جانبي الجبهة منذ أشهر، وهذا سيمنع وجود عملية إنتاجية تنهض بالعملة الجديدة، وتحقق دوران سريع لها، وتجذب المستثمرين، وبالتالي ستظل علاقة هذه المناطق مع الليرة التركية علاقة استهلاك محكومة بالمنح وبالتهريب وبشرائها عن طريق الدولار، وليس بالإنتاج وبالتبادل التجاري.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق