مقالات الكتاب

الحرب الأهلية السورية ضرورة حضارية

الكاتب السوري ياسر شعباني

قبيل إعلان فرنسا الرسمي عن انسحابها من سوريا أرسل محافظ اللاذقية في حينه أحمد نهاد السياف إلى كل من زعيمي الاستقلال سعدالله الجابري و جميل مردم يدعوهما إلى وقف الحملات الأمنية على جبال اللاذقية أو كما جرت أدبيات ذلك العهد إلى استخدام اسم جبال العلويين و أنا سأستخدم اسم جبال بهراء و تنوخ كما أشار علي أحد أهم أساتذتي الجامعيين في قسم الجغرافية في جامعة حلب الدكتور عبد الكريم حليمة .
بالعودة إلى رسالة ابن حلب إلى دمشق، أشار فيها السياف على كل من مردم بك والجابري، بوقف تلك الحملات الأمنية التي لا طائل منها قائلا : “ابنوا المستشفيات، ابنوا المدارس، أقيموا الطرق، أحيطوا العلويين بالحب والعطف، اجعلوهم يشعرون أنهم سوريين. عليكم أن تتنبهوا ! يوجد في سوريا جبلين وجيشين واحد في الساحل والآخر في السويداء”، – انتهى الاقتباس – بطبيعة حال ذلك العهد وأصحابه الموغلين في مفهوم (الأغلبية الطاهرة) لم يستجيبوا لرسالة السياف .
مع استمزاج آراء عدد لا بأس به من السوريين، ( الحالمين بالثورة )، كوني أحد السوريين الثائرين بالحلم، يتبين لنا مدى انفصام السوريين الحالمين بالثورة، إن لم يكن انفصالهم عن حقائق الجغرافية والتاريخ و(المستقبل)، فعلى سبيل الطرح والمثال والحصر، عندما تستطلع ميولهم عبر طرائق ومنصات عدة حول مسألة العلم الوطني تنهال عليك الردود ما بين عدم الاكتراث ومابين الرفض المطلق، كون هذا العلم يمثل فئة حاكمة ( يقصد بها سياسيا وليس طائفيا )، وهذه الفئة مارست ما مارسته بحق السوريين على امتداد عقود خمسة، أو ما بين عدم وجود هوية وطنية سورية جامعة، أو حتى عدم صناعة عقد اجتماعي قادر أن يجمع السوريين جميعهم تحت مظلة واحدة لارتباط سوريين كثر ب تلك( الإيدلوجية) أو تلك .
نقف أمام زاوية حادة من الأخد و الرد حول هذه المسألة التي طالما أخذت حيزا مهما من البحث والنقاش، والتي اعتقد أنه من الصحي ومن العقلاني أن نبدأ بطرح قضايا كهذه قبل الغوص في دستور ورحلة سياسية انتقالية أو حتى دائمة بل و مع الحوار والنقاش عن الجغرافيا السورية ذاتها .
لو طرحنا أحد أكثر البقع الجغرافية السورية سخونة على سبيل النقاش– الجزيرة السورية – سنكون أمام انقسام و اصطفاف حاد بين السوريين، ( قطع تركيا لمياه الحسكة مثلا )، سنحصل على ردود فيها من التفاوت مابين التشفي و اللامبالاة، ما يجعلنا نعيد النظر مليا ليس فقط في وضع اقتصادي منهارأو حالة نفسية مهزومة، بل علينا إعادة النظر في في كل الوجود السوري من أساسه، وسأذهب إلى أبعد من ذلك علينا أن نعالج أنفسنا وعلاقات “العيش” المشترك، (لا استخدم في قاموسي التعبيري مصطلح التعايش) بيننا نحن السوريين قبل علاج علاقاتنا مع دول الجوار و الإقليم .
يعتقد كثير من السوريين – أنا و ربما بضع السوريين- أن الأزمة السورية الراهنة الممتدة من 2011 حتى لحظة كتابة هذا المقال، يعتقدون بأننا أمام (أزمة سورية) تمتد من أيام عهد فيصل الهاشمي، وربما أحيلها لوقت لاحق، في مرحلة اتخاذ أحد أكثر القرارات الوطنية مصيرا و تغييرا في الديموغرافيا و المتمثل في فصل بلدة إدلب، (حينها لم تكن مدينة)، عن محافظة حلب، خرج أحد أشهر زعماء ( الاستقلال ) رشدي الكيخيا بمقولته الشهيرة : “انت بتعرفوا شو عملتوا انتوا كترتوا الأكراد في حلب”، وهذا ما يقودنا لذات (المعضلة) في الجزيرة السورية التي لم يأل كل زعماء (الاستقلال ) جهدا في التحريض على الكرد والمسيحيين واستحضار القبائل العربية.
( التاريخ لا يعيد نفسه التاريخ مستمر)

*يتبع* في الحلقة الثانية ….

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق