مقالات الكتاب

الجبن الفرنسي المعتق

الكاتب السوري ياسر شعباني

دخل نابليون القاهرة و عينه على دمشق و عكا ……… و بيروت
لطالما احتضنت مدينة الأضواء مجالس واجتماعات وتنظيمات علنية وسرية لمعظم شعوب الأرض من جمعيات القوميين العرب إلى يهود أوروبا مروراً بالفيتناميين وانتهاءً بشعوب شمال إفريقيا التي كانت تستولي عليه بكل ما فيه وما له.
مع دوران عجلة الثورة الصناعية الأوروبية من لندن وبرلين وباريس، كانت الأخيرة أهم حواضن الفكر والسياسة والفلسفة والاجتماع والتنظير الإيديولوجي في الشعر في الأدب والمسرح، لتحمل هذه الفنون هموم وشجون معذبي الأرض، ومن الصور الإنسانية العالقة بها، أنها من أوائل المجتمعات الكولونيالية التي أنهت قضية العبودية مبكراً .
كانت باريس صاحبة قصب السبق في احتضان البريطانيون المنشقون (الأمريكيون فيم بعد)، حرباً ونكايةً في جارتها اللدود تاريخياً، بريطانيا صاحبة النفوذ الأكبر على أراضي العالم الجديد، وقد رد أولئك المنشقون الجميل عبر إنزال النورماندي على الشاطئ الفرنسي في آخر فصول الحرب العالمية الثانية .
” أنا قادم إلى سوريا ” نشيد فرنسي وطني كتبه لامارتين في ثمانينيات القرن التاسع عشر .
حمل ذات يوم شاب نمساوي أوراقه وأفكاره و”مشروعه” من فيينا إلى باريس، مؤمناً بحيوية المكان وتنوع الفكر الإنساني فيه بل واستقر مقاماً فيها، إنه ” تيودر هرتزل ” .
استطاع الفرنسيون، عبر ثلاثة قرون متتالية إنشاء مستعمرات قارية تتوزع على كل قارة من قارات العالم القديم، عطفاً على مستوطنات بالقرب من أراضي البريطانيين غير المنشقين، (الكنديين فيما بعد)، بل وأسس الفرنسيون قبل البريطانيين، ما يسمى بالحزب الكونيالي تحديداً، بعد إحكام السيطرة على الشرق الأقصى وشمال إفريقيا، وهو جماعة من المفكرين والمنظّرين الاجتماعيين وعلماء الفرانكوفونية ومستشرقين وضباط استخبارات، منهم من كان عالماً بالآثار جاب أراضي ” سوريا الطبيعية ” قبل استئصال حلم فيصل” الهاشمي “.
دخل الفرنسيون دمشق، ولا حليف لهم سوى بضعاً من المسيحيين في جبال لبنان وأبناء جماعات محمدية لا سنية، وبضعاً من ارستقراطية المدن السورية الرئيسية (عثمانيو الهوى) بعد خروج قوات ” أتاتورك ” ومن معه من حلب، خشي الفرنسيون كثيراً من أصحاب الدعوة الوطنية السورية أو القومية العربية، وكانت فرنسا سباقة في إنشاء مفهوم “الطائفية السياسية ” مع عشرينيات القرن الماضي، والتي تزال على قيد الحياة في هذا المشرق.
استفاد الفرنسيون من غباء الأتراك وبيروقراطيهم من “السنة المدينية “، كون معظم اهتمام الأتراك هو استمرار استيعاب المجموعات البشرية تحت أي طائل كان، المهم أن يكونوا كلهم ” ترك مسلمون سنة حنيفيون ” .
خرج الفرنسيون من المشرق والمغرب، مخلّفين ملفات شائكة عالقة في شكل الدولة والكيان والهوية والأرض، وهي أشبه بالجرح النازف الدائم، كما نشاهده ونعيشه على طول خط الحدود السورية التركية – السورية- اللبنانية والحدود المغربية الجزائرية، أراض متداخلة حتى الروح لكنها موجودة على طرفي هويات متناقضة (السورية التركية) مثالاً، أو تقطيع أوصال وطن كامل بحجم أمة مثل “سوريا” ومنعه من التواصل حتى اللحظة .
آخر سفراء فرنسا لدى دمشق – إيريك شوفالييه – يقول كنا منقسمين في باريس : هل هو حراك، هل هو احتجاج، هل هي ثورة، هناك مبالغة إعلامية هائلة حول ما جرى في بداياته في سوريا وهو من جماعة ” الدولة السورية يجب أن تبقى ” على عكس ما كانت تريده باريس .
بعد “صورة و صوت” انفجار “بيروت” و مع لقاء فيروز – أشتم رائحة جبن فرنسي معتق “محروق”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق