المجتمع

تراث يتأرجح بين أعواد الخيزران وأعواد القش

طرطوس /روسيل

صناعة الخيزران :
اضطر الحرفي “علام الحسن”، البارع في مجال أعمال الخيزران، إلى أن يهجر حرفته التي أحبها وأبدع فيها، طيلة عشرين عام مع تصاعد الأحداث السورية في مطلع 2012م، بعدما ساءت الظروف المعيشية، وأصبحت هذه المهنة كمالية، بحيث أن المواطن لم يعد قادراً على شراء هذه السلع .
يقول الحسن -وهو من ريف طرطوس- “بدأت العمل في الخيزران كمحترف عام 1990م، قبل ذلك كنت هاوياً ثم طوّرت خبراتي، وتقنيات العمل، بحيث أصبحت أورّد كل شهر ما قيمته (50-100) ألف ل.س –وفق الأسعار ما قبل عام 2010م- إلى حمص وحماة ودمشق وجبلة وأرواد ودمشق واللاذقية، وبنسبة أقل إلى حلب، كما كان يعمل في ورشتي 7 أشخاص، بعضهم يعيل عائلة، وكان لي مشاركة في مهرجان الربيع في حماة وفي مهرجان الخوابي في طرطوس، وفي عام 2012م ساءت الظروف الأمنية وانقطعت العلاقة مع التجار في عدة محافظات، ففقدت القدرة على تسويق منتجاتي، كما فقدت الكثير من رأسمالي الذي كان عبارة عن بضائع غير مدفوعة الثمن في عدة محافظات، ولم أستطع استرداد ثمنها بسبب الحرب التي قطعت أوصال التجارة والصناعة، هذه الظروف جميعها دفعت بي إلى العمل في تجارة بسيطة، بانتظار أن تتغير الظروف، وأعود إلى مهنة الخيزران، التي أشتاق إليها، وأحلم بإعادة ترميم ورشتي والانطلاق من جديد”.


وعن إمكانية عودته إلى مزاولة مهنته، يقول الحسن “الورشة التي كنت اعمل بها، تحتاج إلى إعادة تأهيل، وتتطلب شراء معدات، أحتاج ببساطة إلى مبلغ ( 2– 2.5) مليون ل.س، وفي حال وجدت تمويلاً مناسباً وعادت الأسواق إلى النشاط، أرغب حقاً أن أعود إلى عملي، وأن أجمع شمل الأشخاص الذين عملت معهم سوياً في صناعة الخيزران”.

صناعة القش :
بشكل موازي لتجربة “علام الحسن” في صناعة الخيزران، رصدت “روماف” حرفة صناعة أطباق القش لدى السيدة جمانة ابراهيم، تقول جمانة “أنا أحب القمح، أحب أعواده وسنابله، وكنت انتظر موسم الحصاد كل عام، فأجمع سنابل القمح والشوفان”، وتضيف ” أن كل ما تتطلبه هذه الحرفة هو القش المنقوع بالمياه حتى يلوى ولا يتقصف، ومهارة يدوية والصبر الناتج عن الشغف”.


وعن البداية تقول جمانة “صناعة القش كانت شائعة بقوة حتى الجيل الماضي، أي جيل والدتي، حيث كانوا يصنعون الأطباق والصواني والسلال والقفف والجونة لحفظ القمح، والسانونة لحفظ مقالي الفخار والأواني الزجاجية”، وتضيف “عندما كنت صغيرة، كنت أراقب أمي وهي تدير الأطباق، كانت الأشكال والرسوم التي تصنعها من عيدان القش ساحرة، من هنا بدأت، حتى تمكنت من إتقان هذه الحرفة، وأصبحت من القلائل اللواتي يعملن بها، وصنعت أساور من القش خاصة بي، كانت هي الأولى من نوعها في سورية”.
شرحت لنا جمانة كيفية صنع الأطباق “المادة الأساسية هي عيدان القمح بعد قطافها، ونزع الورق والسنبلة عنها، لكونها قوية ومرنة ومتوافرة خلال أيام الحصاد، حيث تجمع هذه العيدان ويتم تخزينها وربطها على شكل حزم، لتتم صناعتها لاحقا، خاصة في فصل الشتاء في زمن آبائنا، وفي وقت الفراغ المتاح في أيامنا، في البداية ننزع القشة عن سنبلة القمح، وننقعها بالماء لمدة نصف ساعة، ثم نقوم بعقد مجموعة من (4-5) قشات بشكل دائري، قطره من (1-1.5) سم، ثم يتم إحداث ثقب بواسطة مخرز يستعمل لصنع الأطباق، ويتم إدخال قشة في الثقب وثنيها بشكل دائري وبدوائر متراصة حتى تكتمل وتنضم إلى الحشوة، وبتكرار العملية، يبدأ الطبق بالاتساع ليأخذ شكله الدائري المعروف، وعند الانتهاء، في النهاية نختم الدور الأخير من الطبق بقطعة قماش صغيرة وهناك أطباق يتم ختم دورها الأخير بقطعة قماش تغلفه بالكامل”.


وعن الجدوى الاقتصادية لصناعة القش، تقول جمانة ” نعيش في ظل طوفان البلاستيك والميلامين ووو، ولم تعد منتجات القش مطلوبة كما في السابق، لكن في المقابل، لم تعد هذه المنتجات متوفرة كما في السابق، بالنسبة لي أعتمد في تسويق ما أصنعه على المشاركة في المعارض والمهرجانات، شاركت في عدة دورات من مهرجان التراث في ناحية “برمانة المشايخ”، في منطقة “الشيخ بدر”، وفي مهرجان “الشيخ صالح العلي”، في منطقة “الشيخ بدر”، كذلك لي عدة مشاركات في مهرجانات التراث والسياحة التي تعقد في مدينة طرطوس، وشاركت في الجناح التراثي في مهرجان “دمشق” الدولي، هذا النشاط سمح لي بتسويق ما أصنعه والحصول على مكاسب مادية ومعنوية تليق بما أبذله من جهد، رغم أن ظروف الحرب دفعت كل شيء إلى التراجع، لكن فاجأتني عودة الاهتمام بالتراثيات مؤخراً، خاصة من جهة المجتمع المدني، حيث زارني في قريتي مجموعة من دمشق مهتمة بتشجيع المهن التراثية ودفعها للاستمرار، بصراحة إن هذا الاهتمام يعطي حافزاً كبيراً بغض النظر عن الجدوى المادية”.

ما الجدوى :

الدكتور فواز الحموي الباحث الاقتصادي وعميد المعهد الوطني للإدارة العامة (اينا)، سابقاً ، أجاب على التساؤل حول الدور الاقتصادي والمعنوي للصناعات التراثية بالقول “الحرف والصناعات اليدوية في بلد ما هي إلا انعكاس للهوية الوطنية للدولة وتراثها، لذا يجب دعم هذا القطاع، علماً بأن حجم التجارة العالمية للحرف اليدوية والتقليدية يفوق 100 مليون دولار”، ويضيف الدكتور الحموي “للحرف والصناعات اليدوية أهمية اقتصادية، وخاصة في الأزمات والحصار الاقتصادي، يتجلّى بإيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد مادية منخفضة نسبياً وقابلية تشغيل أعداد كبيرة من العاملين بمؤهلات تعليمية متواضعة، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من المواد الأولية والخام المتوفرة بكميات اقتصادية في سورية، بالإضافة إلى مشاركة المرأة في ممارسة الحرفة والصناعات اليدوية بشكل مرن، يتناسب مع أوقاتها، وفي الأماكن التي تختارها، وانخفاض التكاليف اللازمة للتدريب، باعتمادها أسلوب التدريب أثناء العمل، مستخدمة تقنيات بسيطة غير معقدة”.
وحول دور هذه الصناعة في تحقيق تنمية محلية متوازنة أوضح الدكتور الحموي “الحرف والصناعات اليدوية مرنة في الانتشار في مختلف محافظات القطر، التي تتوفر فيها المواد الأولية، مما يؤدي ذلك إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين الريف والمدينة، ويؤدي إلى الحد من الهجرة الداخلية ونمو مجتمعات إنتاجية جديدة في المناطق النائية، وختاماً فأن الحرف والصناعات اليدوية تتسم بالمرونة في الإنتاج والقدرة على تقديم منتجات وفق احتياجات وطلب المستهلكين والمساهمة بتقديم سلع بأسعار منخفضة نسبياً ومنافسة للأسعار الموجودة في السوق”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق