أخبار محليةتقارير وتحقيقات

حرائق الغابات في سورية (الجريمة المتكررة)

خاص روماف/ماري مون

حرائق الغابات في سورية أصبحت جريمة موسمية تتكرر كل عام في فصل الصيف، حرائق العام الحالي هي الأشد والأوسع فقد أحالت ألاف الهكتارات من الغابات السورية إلى رماد في مشهد كارثي مؤلم.

على مدى أيام وفرق الإطفاء والدفاع المدني تكابد لهيب النار ووعورة الأرض في جبال حماه واللاذقية، مساحات شاسعة من غابات مصياف والغاب وصلنفة أصبحت أثر بعد عين، خسائر من الصعب تقدير حجمها في الوقت الحالي ولو أمكن تقييم الضرر المادي فالأصعب هو تقدير الضرر البيئي والأثر الجمالي المفقود جراء هذه الحرائق وهي ضريبة غير منظورة سيتم دفعها عاجلاً أو آجلاً.

هذه الغابات تعتبر ثروة وطنية وفرصة ضائعة على المستوى الاقتصادي وهي ملكاً للأجيال وليس من حق جيل التصرف بها وإهدارها، غابات تفننت الطبيعة الأم بتكوينها وهندستها خلال مئات السنين.

قضت النيران على مساحات واسعة من الحراج الطبيعية التي تحتاج إعادة تشجيرها إلى عقود من الزمن، وعند السؤال عن سبب الحريق وعدم القدرة على إخماده يكون الجواب الجاهز.. وعورة المكان وقدم الآليات ونقص في كوادر الإطفاء.. وهي حجج نسمعها في كل صيف حارق منذ سنوات.

رأي الشارع

وكالة روماف حاولت مواكبة الحدث الذي كان العنوان الأبرز في منصات التواصل الاجتماعي على مدى أيام، فقد تفاعل الناس مع أخبار الحرائق بشكل مكثف من خلال نشر الصور والأخبار والتعليقات التي اتسمت بغالبيتها بالنقد والغضب وتحميل وزارة الزراعة ومديريات الحراج المسؤولية الأكبر.

تعددت الأسباب التي أوردها الناشطون حول أسباب الحرائق واتساع رقعتها فقد عزى العديد من الناشطين والمعلقين السبب إلى عمليات التفحيم غير الشرعي داخل هذه الأحراش والغابات متهمين القائمين على حماية الحراج بالإهمال والتقصير وغض الطرف عن هذه الارتكابات والبعض اتهمهم بالتواطؤ والفساد.

الشاب نائل داوود وهو ناشط بيئي نشر بعض الصور التي التقطها بتاريخ 15/أيار/2020. ‪ أثناء قيامه مع رفاقه بنشاط مسير في محمية الأرز والشوح في جبال اللاذقية وتظهر الصور العديد من المشاحر التي تستخدم لإنتاج الفحم وكلها موجودة في أماكن يصعب الوصول إليها حتى سيراً على الأقدام (طبعاً السبب معروف)… على حد وصفه

صور من عمليات التفحيم غير الشرعي داخل الأحراش والغابات-نائل داوود-ناشط بيئي
صور من عمليات التفحيم غير الشرعي داخل الأحراش والغابات-نائل داوود-ناشط بيئي

زين العابدين شيبان يقول: ولأنني ابن تلك المنطقة أعرف ويعرف سكان المنطقة، بأن أشخاصاً بعينهم يعملون لصالح مديرية الزراعة نفسها، هؤلاء الأشخاص يبدون استعدادهم لعمل أي شيء والتستّر عن أي أحد “يخرب” في تلك المحمية، من أجل مصالحهم.. وفي الوقت الحالي لن أقول أسماء) .

ويخاطب رئيس دائرة الحراج في مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي بمحافظة اللاذقية متهماً بالقول (.. تحية ملؤها رائحة الأرز المحروق كضمير “البعض” من رؤساء شعب إدارتك..)

عدة سنوات على كرسيك، مسؤول عن كل حراج الساحل ومحمياتها ودعاويها القضائية وغيرها.. ماذا قدمت؟

مغرد آخر تساءل :(عشر سنوات من الحرب.. قذائف وقنابل وصواريخ تسقط على تلك المنطقة بالذات.. ولم تحرق!!! كيف ولماذا الآن بالذات؟؟)

وجهة النظر الرسمية

رفيق عاقل عضو المكتب التنفيذي لقطاع الزراعة في حماه قال في حديث لإذاعة شام أف أم معلقاً على حرائق جبال حماه الغربية إن أسباب الحريق لا تزال مجهولة وإن التحقيقات جارية لمعرفة الفاعلين في حال كان الحريق مفتعل وعلل شدة الحريق وسرعة انتشاره إلى موجة الحر التي تشهدها سوريا والرياح إضافة إلى نوعية الأشجار ووعورة التضاريس وعدم وجود طرقات تمكن فرق الإطفاء من الوصول إلى بؤر النار إضافة إلى نقص الكوادر والإمكانات لاسيما المعدات الهندسية الثقيلة التي تساعد في تطويق بؤر النار وقطعها.

مدير حراج مصياف تمام معلا قال بأنه من المبكر تقدير الأضرار والأولوية للسيطرة على الحرائق وسوف يقومون بإعلان تقدير الأضرار بعد إرسال فرق من المساحين والفنيين.

نتائج التحقيقات الأولية

وقد بينت التحقيقات الأولية في محافظة حماة في منطقتي الغاب ومصياف بأن الحريق الأول الذي حدث في ناحية عين الكروم بفعل فاعل وتم توقيف ثلاثة أشخاص مشتبه بهم على ذمة التحقيق، كما تم مصادرة خمس سيارات تنقل الأخشاب في ناحية عين الكروم قادمة من مناطق أخرى وفيها سبعة أشخاص تم تنظيم الضبوط بحقهم وتوقيفهم والتحقيقات جارية معهم حتى الآن.

حركة نزوح من قرى جبال اللاذقية نتيجة توسع رقعة الحرائق | الدرر الشامية

الحريق الثاني: وهو حريق محمية الشوح في اللاذقية الذي انتقل إلى المناطق الحراجية من جهة الغاب ووصل إلى قرى جورين والفريكة وعين سليمو ونبل الخطيب وعين بدرية وشطحة في شمال غرب سهل الغاب، وأظهرت التحقيقات أنه حدث نتيجة إهمال من أحد المواطنين في منتزه المحمية حيث قام بإشعال نار ولم يستطع السيطرة عليها وانتقلت إلى الحراج وتم تنظيم ضبط بحقه وتوقيفه.

الحريق الثالث: وهو الحريق الذي حدث في موقع الشيخ زيتون وامتد إلى بيرة الجرد والمجوي والمشرفة في منطقة مصياف فقد أظهرت التحقيقات أن سبب الحريق هو قيام أحد المواطنين بحرق بقايا مخلفات زراعية في أرضه مما تسبب بانتقال النار إلى الحراج وتم تنظيم الضبط بحقه وتوقيفه.

الحريق الرابع: الذي حدث في حزور وعين حلاقيم والمنطقة المحيطة بهما فما تزال التحقيقات جارية حتى الآن لمعرفة أسبابها.

سوريا .. "الزراعة" تنشر نتائج التحقيقات الأولية بشان 3 حرائق في الغاب ومصياف - RT Arabic

حلول وآفاق

الصحفي عبد الرحيم أحمد كتب على صفحته الشخصية :

إنّ أول خطوة في إخماد الحرائق هي منع وقوعها، وإن لم نستطع فالخطوة التالية تكون بالتأهب لها بالأدوات والخطط.. وأولى تلك الخطط هي شق الطرق في تلك الغابات والحراج رغم وعورتها، فبدونها لا يمكن لأي وسيلة أن تعمل على إخماد حريق فيها، وبفتح تلك الخطوط تستطيع مديريات الحراج مراقبة الغابات ومنع التعديات عليها أياً يكن شكل هذا التعدي.

الكل يعلم أن هناك نقصاً في الكوادر والتجهيزات، وبالتأكيد فإن معظم غاباتنا تتوزع في جبالنا وهي شديدة الوعورة، لكن أن يبقى نقص الكوادر والتجهيزات مستمراً مع استمرار استنزاف غاباتنا دون أن نتحرك، وأن تبقى وعورة المكان حجة لعدم قدرتنا على إخماد الحرائق إلا بعد أن تأتي على مساحات واسعة من أكثر غاباتنا تنوعاً، فتلك مصيبة تضاف إلى مصيبة فقدان الغابات.

جريمة حرق الغابات لا تقل بشاعة عن جرائم قتل البشر، لكن لم يحصل أن توصلنا إلى مجرم حقيقي ارتكب جريمة بحق الغابة إلاّ ما ندر، وبالرغم من أن عدداً كبيراً من حرائق الغابات مفتعلة ويقف وراءها تجار الفحم والحطب لم نر أحداً منهم خلف القضبان.

وبعد أن تخمد النيران وينجلي دخان الحرائق تتكشف مساحات واسعة من السواد التي تتطلب أيضاً جهوداً وخططاً ومبادرات حقيقية لإعادة الحياة لتلك المساحات، لكن لا نرى سوى مبادرات خجولة وخططاً لا ترقى إلى مستوى الحدث لإعادة تشجير المناطق المحروقة مقارنة بخطط الدول الأخرى في التشجير الحراجي لمواجهة تآكل الغابات وتراجع المساحات الخضراء.

اليوم نحن بحاجة إلى خطة حقيقية لإعادة تقييم وضع الغابات وفتح خطوط زراعية فيها وخطوط للنار تقسمها لمساحات يمكن التعامل فيها مع الحرائق وتمنع انتقال النار من مكان إلى آخر مع تحديث أسطول سيارات الإطفاء بالتوازي مع خطة تشجير وطنية سريعة وعلى مستوى واسع تشارك فيها كل الفعاليات الأهلية والحكومية والشبابية لإعادة الحياة للغابات.

الأسئلة الكبيرة والمؤلمة هي التي تحفر الوجدان وتدمي الفؤاد ولعل سؤالاً واحداً يختصرها جميعا بينما النار تلتقم آخر صور الجمال في هذا البلد …..

 

(هل كل تلك الجيوش التي حضرت إلى أرضنا تزعم المساعدة في إطفاء الحريق السوري المشتعل منذ عشرة أعوام نسيت جميعها أن تحضر طوافة إطفاء ضمن آلتها العسكرية؟؟؟)

Rumaf – وجه الحق -12-09-2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق