مقالات الكتاب

كرد (سوريا) إلى أين؟

بقلم الكاتب السوري بير رستم

إنني لن أدعي بإمتلاك الجواب بقدر ما أريد إثارة قضية تعتبر الأهم بخصوص شعبنا في عموم سوريا وبالأخص في تلك المناطق التي تم احتلالها من قبل تركيا ومواليها من قوى إسلامية راديكالية تحت مسمى “الجيش الوطني” حيث الانتهاكات اليومية وللأسف وبهذا الصدد فقد جاء الموقف الأمريكي الأخير وعلى لسان ممثلها الخاص جيمس جيفري مشجعاً بعض الشيء والذي حمل بعض الأمل بإيجاد الحلول أو على الأقل بأن القضية باتت على طاولة الهيئات الدولية حيث وفي “رد على هذه الانتهاكات أشار جيفري إلى لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا، والتي وثقت هذه الجرائم وبأنها هي الآن أصبحت أمام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي”، كما إنه أكد للوفد الكردي الذي تشكل من طرفي الحوار لأجل المرجعية، بأن (العملية العسكرية التي اطلقتها تركيا بالتعاون مع الفصائل السورية المسلحة، والتي أسمتها بـ ” نبع السلام”، لن تتكرر أبداً في المناطق الكردية بشمال وشرق سوريا) وأعتقد بأن هذه هي المرة الأولى التي يعطي الأمريكان وعوداً صريحة على لسان أحد مسؤوليها بعدم تكرار كارثة الاعتداءات التركية ضد شعبنا ومناطقنا مما سيخلق نوع من الهدوء والطمأنينية لدى كل مكونات مناطق الإدارة الذاتية وبالأخص الكرد منهم، كونهم المستهدفين أساساً بالاعتداءات التركية الإخوانية.

بل “ويرى مراقبون أن هذا الأمر يعتبر انعطافاً جديداً في سياسة الولايات المتحدة تجاه الكرد في سوريا، مشيرين إلى عدة أمور تغيرت في الخطاب الأمريكي بالآونة الأخيرة” وذلك وفق ما ورد في تقرير لموقع خبر24 بهذا الخصوص وقد أضاف الموقع كذلك “وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن قبل ايام قليلة، بأنهم سيسعون إلى تحسين وضع أكراد سوريا، وأنهم سيبذلون قصارى جهدهم بالحفاظ على الموارد والمنشآت النفطية التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية”وهذا الأمر قد أزعج الروس حيث يجعل حلم السيطرة على أغنى منطقة في سوريا مهدداً بالزوال، مما جعل وزير خارجيتها يصرح للعربية قائلاً؛ “أن الصراع العسكري بين النظام السوري والمعارضة قد انتهت، ولم يبقى سوى منطقتين ساخنتين في سوريا وهما إدلب وشرق الفرات” ويتابع لافروف وذلك بحسب المصدر السابق مدعياً؛ بأن “النقطة الساخنة الثانية هي منطقة الجانب الشرقي لنهر الفرات حيث توحد هناك العسكريون الأمريكيون الناشطون في المنطقة بصور غير قانونية مع القوات الانفصالية، ويلعبون مع الأكراد بطريقة غير مسؤولة”. طبعاً الانزعاج الروسي من هذا الدعم الأمريكي الجديد -سياسياً وعسكرياً وذلك بإرسال المزيد من العتاد الأمريكي للمنطقة الكردية- يأتي في إطار أن لا تكون في قدرتها نيل نصيبها من خيرات المنطقة وبالأخص الطاقة.

وهكذا وفي ظل هذه المتغيرات والمستجدات؛ إن كان على الصعيد الدولي وبالأخص المواقف الأمريكية والأوربية الداعمة للقضية الكردية، كما رأينا خلال الفترة الماضية ومنها على سبيل المثال تحركات الرئيس الفرنسي ماكرون ضد العنجهية التركية وكذلك ما يتعلق بالجانب الكردي وقضية التفاهمات والحوار وصولاً للاعلان الذي بات أمراً واقعاً تحت مسمى “المرجعية الكردية العليا” كإطار سياسي جامع للقوى السياسية والمجتمعية الكردية وبالتالي جعلهم طرفاً ثالثاً في الحل السوري وعلى غرار أشقائهم في الإقليم الجنوبي -إقليم كردستان (العراق)- كلها مؤشرات تدل على أن الكرد باتوا جزءً من الحل وليس المشكلة، كما كانوا في السابق وخاصةً هناك ترشيحات تقول؛ بأن مهمة جيفري لم تقتصر فقط على قضية التفاهمات الكردية الكردية، بل تطرق أيضاً إلى قضية التفاهمات الكردية التركية مستقبلاً وهل سيكون الإقليم الفيدرالي الكردي الجديد في روجآفاي كردستان مهدداً لتركيا ورأس حربة للعمال الكردستاني كما تقول وتدعي تركيا دائماً، أم سيدخل في علاقات تفاهم وتشارك وذلك على غرار إقليم كردستان (العراق) وبقناعتي فقد سبق وأن تم التوصل لبعض تلك التفاهمات والضمانات؛ بأن لا تهديد لتركيا من قبل الإدارة الذاتية والتي سوف تدار من قبل المرجعية الكردية المشتركة وإلا ما كنا وجدنا أساساً هذا التوافق الكردي الأخير والدعم الأمريكي والقبول التركي ولو على مضض ومجبراً لا مخيراً!

إذاً وضوءً على ما سبق من نقاط واستضاءات هل يمكننا القول؛ بأن المنطقة الكردية مقبلة على حلول حقيقية وتفاهمات واقعية بين القوى المتصارعة على الأرض وسيشمل الحل تلك المناطق التي تم احتلالها من قبل تركيا ومواليها من الجماعات الإسلامية وهي الأهم كردياً أو على الأقل بالنسبة لأبناء تلك المناطق التي أنزاحت وطردت منها أبنائها وتتعرض لإبادة ثقافية حقيقية وللأسف.. طبعاً أعيد وأقول: بأن لا أحد يمكنه أن يدعي إمتلاك الإجابات الحقيقية والواقعية ولكن وانطلاقاً مما سبق، كما قلنا، يمكننا الافادة والقول؛ بأن كل القوى المتصارعة المحلية والإقليمية باتت بحاجة للبحث عن حلول وتوافقات وذلك بعد أن أنهكتها سنوات الصراع الطويل، فتركيا ونظامها السياسي تحت قيادة حزب العدالة والتنمية بات يعاني من عزلة داخلية وخارجية مع اقتصاد ينهار والليرة التركية تنزف قيمتها بشكل مستمر بحيث باتت المعارضة تتهيأ للاستيلاء على السلطة وخاصةً إن وحدت قواها وبالتالي أردوغان وحزبه وحكومته يحتاج لحبل نجاة ربما تقدم لها الإدارة الأمريكية وترامب، كما أن هذا الأخير يحتاج لصفقة قرن جديدة قد تكون بين الأتراك والكرد ينقذه في الانتخابات القادمة وذلك بعد أن خان شعبنا لصالح تركيا مما أفقده الكثير من الشعبية والمصداقية داخلياً ودولياً وأخيراً؛ فإن شعبنا هو الآخر يبحث عن حلول تنهي كوارثه إن كان في روجآفا أو حتى الإقليم الشمالي من كردستان.

وهكذا فإن الجميع يحتاج إلى تلك الحبال التي تنقذهم وتنقذ المنطقة من المزيد من الكوارث والمآسي والحروب، فهل سيتمكنون من تغليب لغة العقل والحوار والتفاهمات على لغة الحروب والكوارث والأزمات وخاصةً الكل يشترك في حمل موروث ثقافي قبلي عنصري، ناهيكم عن المصالح وتدخلات أطراف وأجندات وقوى متعددة .. بقناعتي لا خيار آخر غير الوصول لتفاهمات توقف هذه الحروب العبثية المدمرة للمنطقة وشعوبها وثرواتها وإلا سيكون مآل الجميع المزيد من الكوارث وبالتالي لا أفق سياسية دون الوصول لتفاهمات تجعل سوريا بلداً ديمقراطياً تعددياً فيدرالياً يحقق السلام والأمان والحياة الحرة الكريمة لكل مكوناتها ودون ذلك يعني المزيد من القتل والتهجير والدماء وقد طال الأمد لايقاف هذا النزيف الدموي السوري وعودة الحياة الطبيعية ولكن بمفاهيم ورؤى سياسية وطنية بعيدة عن لغة الهيمنة والاقصاء والدولة البوليسية المستبدة حيث عصرنا ومرحلتنا التاريخية تتهيأ لوأد الأنظمة العسكرية التوليتارية والدخول ما بعد الدولة القومية العنصرية حيث التعددية التشاركية والديمقراطيات التوافقية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق