الاقتصادالمجتمع

الطابور السوري إلى كتاب غينس….أزمة البنزين بين سخرية التعاطي ومرارة الواقع

خاص روماف/ماري مون-دمشق

سوريا البلد المشرع على أزمات لا تنتهي والسوريين هم الشعب الأكثر تكيفاً بين أبناء الجنس البشري فهم ما فتئوا يمارسون فعل التكيف والتأقلم عبر السنين ولكن العشرة الأخيرة كشفت أن لدى هذا الشعب قدرة استثنائية على هذا الفعل القسري الموجع بل أنهم أصبحوا يعالجون آلامهم وأوجاعهم بمزيد من الهزء والسخرية والاستخفاف بعد أن فشلت كافة وسائل التعبير عن الألم من (الشكوى إلى المطالبة فالصراخ والنحيب والبكاء وفي بعض المرات الانتحار) كلها فشلت في تخفيف معاناتهم وتسكين وجعهم فكانت السخرية و(التمسحة) باللغة الدارجة آخر ما ابتكره السوريون للاستمرار في حياة يريدونها وتتمنع عنهم، يقبلون عليها فتولي مدبرة.

أزمة البنزين آخر تجليات هذا الواقع المأزوم والرديء بكل ما للكلمة من معنى

• الطابور كنمط للحياة

نقص حاد في مادة البنزين تعيشه سوريا منذ بداية شهر أيلول ينذر بشلل شبه كامل في البلاد تحاول الدولة السورية التعامل معه لكن حتى الآن مازالت الإجراءات قاصرة ولا تعدو كونها إدارة للنقص وليست حلول، فالحركة داخل المدن وعلى الطرقات في أدنى مستوى وأغلب السيارات انتظمت ضمن طوابير على مداخل محطات الوقود، يقول أبو مهند (سائق تكسي عمومي) في طابور محطة كفرسوسة أنه ينصح الحكومة بتسجيلها في كتاب غينس گأطول طابور في العالم مضيفاً بأنه لم يستطع الحصول على أي ليتر من مخصصات سيارته طيلة الشهر الماضي رغم انتظاره المتكرر على المحطة ولساعات طويلة ما دفعه إلى شراء بعض الليترات بمبلغ ١٥٠٠_٢٠٠٠ل.س لليتر حتى يتمكن من العمل لبعض الوقت لتأمين قوت عائلته.


ويضيف سائق آخر في طابور محطة شارع بغداد فرغت سيارته من البنزين ويقوم بدفعها بمساعدة بعض المارة كلما تقدم الطابور: “ما زلتُ هنا منذ ٧ساعات ولم أستطع العمل منذ أيام عديدة ولستُ قادر على شراء البنزين الحر لذلك فلا خيار إلا الانتظار واليوم اضطر أحد أبنائي لإحضار وجبة الطعام لي على دراجته الهوائية كوني لا أستطيع مغادرة الطابور ولا مطاعم قريبة هنا وربما سوف أبيت في سيارتي هذه الليلة إذا نفذت الكمية من المحطة”.

• السوق الموازي للمحروقات

المؤلم أكثر للسوريين المحشورين داخل الطوابير أنهم يرون مادة البنزين تملأ الطرقات ضمن غالونات وعدا عن وفرتها فهي متنوعة فقط ادفع أكثر وستحصل على ما تريد فقد وصل سعر غالون ٢٠ ليتر في بعض الأماكن إلى ٥٠٠٠٠ ل.س فهناك البنزين السوري بـ ٢٠٠٠ ل. س لليتر والبنزين اللبناني بـ ٢٢٠٠ ل. س لليتر وأنت تختار ما يناسب قدرتك وسيارتك.
والسؤال كيف وصلت هذه الكميات إلى أيدي هؤلاء الباعة؟؟ ومن المسؤول عن هذه السوق السوداء للمحروقات؟؟.
وكالة روماف حاولت الحصول على بعض الإجابات بهذا الخصوص، فقد أفاد بعض السائقين بأن أصحاب محطات الوقود هم المسؤولين عن هذا الأمر وأن هذه التجارة محمية ومرعية من قبل أصحاب النفوذ وهذا ما يفسر اتساعها وعدم ملاحقتها رغم أن المادة تباع علناً وعلى قارعة الطرقات.
أما كيف تتم هذه العملية رغم وجود الأتمتة الرقمية التي تديرها (شركة تكامل) يقول أحد الباعة الذي رفض كشف اسمه حيث يبيع البنزين والمازوت في (كشك) على الطريق الدولي دمشق-حمص في منطقة قارة: “أحصل على البنزين من خلال مورد يدعى أبو عبدو ويقوم بإحضار الكمية بواسطة غالونات على دراجة نارية وهو بدوره يشتريها من المهربين،بالنسبة للبنزين اللبناني حيث يكون سعره على الحدود بين ٤٥٠_٦٠٠ ل.س لليتر ونشتريه بمبلغ بين١٠٠٠_١٢٠٠ ل.س منذ بداية الأزمة الحالية”.

أما بخصوص البنزين السوري فهذا حصرياً عن طريق الكازيات حيث يقوم أصحاب الكازيات بالعديد من الإجراءات للاحتيال على عملية الأتمتة ومن هذه الحيل:

– خصم نصف ليتر على الأقل من كل عملية تعبئة
– الادعاء بنفاذ الكمية المدعومة لتخفيف عملية البيع بالسعر المدعوم.
– تسديد الكميات المدعوة إلكترونياً من خلال استئجار كمية كبيرة من بطاقات شركة تكامل من أصحاب السيارات المتوقفة أو  أصحاب السيارات الذين لا يستهلكون كمية ال١٠٠ ليتر المدعوة خلال الشهر.
– قطع رصيد السفر دون علم صاحب البطاقة في بعض الأحيان وخاصة بعد توقف الشركة عن إرسال رسائل نصية للعملاء بعد  كل عملية تعبئة كما كان في السابق.
– التصرف ببعض الكميات الاحتياطية التي يحظر بيعها.
– قطع كميات البنزين الحر سعر ٤٧٥ ل.س وبيعها بسعر أعلى ٍ
– رشوة موظفي التموين ومراقبي الكميات مقابل نسبة من الأرباح.

إضافة لذلك فإن تجار البنزين أيضاً يقومون بشراء كميات من الفائض من بطاقات المشتركين ويقومون بتعبئتها بواسطة غالونات بالاتفاق مع أصحاب الكازيات مقابل أرباح لأصحاب الكازيات وأصحاب البطاقات.

كل هذه الإجراءات والحيل توفر كميات كبيرة من البنزين للسوق السوداء، وحول سؤاله عن الكميات التي يبيعها يومياً أفاد محدثنا بأنه يبيع ما بين ٥٠_١٠٠ ليتر بنزين يومياً وأغلب زبائنه هم أصحاب الدراجات النارية في السابق ولكن منذ بداية الأزمة الحالية أصبح يبيع لأصحاب السيارات بكثرة وقد تضاعفت الكميات التي يبيعها يومياً وقد تصل إلى ٣٠٠ ليتر في اليوم الواحد مضيفاً أن هناك أكثر من عشرين محل في منطقة قارة يقومون ببيع البنزين.
ومن كلام محدثنا يمكن الاستنتاج ببساطة أن الكميات التي يتم ضخها إلى السوق السوداء ليست قليلة.

• جهود قاصرة

مديريات التموين من جهتها تقوم بتسيير دوريات ومراقبة الأمر ما أمكن ولكن تبقى إجراءاتهم قاصرة عن متابعة كل الكازيات على مستوى البلاد وعادة ما يبدأ تحركهم بموجب شكوى من أحد المواطنين وتفيد مديرية تموين ريف دمشق من خلال صفحتها على الفيسبوك بوجود العديد من المخالفات من هذا القبيل وأنها تقوم باتخاذ الإجراء القانوني المناسب لدى ضبط هذه المخالفات، وذكر السيد لؤي سالم مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق بأن العديد من المخالفات كانت بسبب البيع بسعر زائد والتصرف بالكميات الاحتياطية والامتناع عن بيع المادة وغيرها من المخالفات.
وحول أسباب النقص الذي ولّد هذه الأزمة تعدد الجهات الرسمية ووزارة النفط الأسباب التي بات يعرفها السوريون من:
• خروج أغلب آبار النفط عن سيطرة الدولة السورية.
• قانون قيصر والعقوبات أحادية الجانب المفروضة على الدولة السورية ما يعقد وصول الإمدادات النفطية إلى الداخل.
• نقص القطع الأجنبي وارتفاع تكاليف شراء النفط في ظل الحصار المفروض.
• تعطل مصفاة بانياس عن الإنتاج بسبب أعمال العمرة الشاملة التي تجري فيها.

• نظرة تشاؤمية

ويضيف الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي شفيق عربش في مقابلة على قناة الميادين إلى جملة الأسباب السالفة سوء التخطيط والإدارة لهذا الملف ويولي هذا السبب أهمية كبيرة حيث كان بالإمكان اتخاذ مجموعة من التدابير والاحترازات قبل البدء بعمرة شاملة للمصفاة التي تشكل المصدر الأساسي للبنزين في سورية وقد استغرب العديد من المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي توقيت هذه العمرة!!
ولماذا لم تجري في فترة الحجر الصحي حيث الطلب على البنزين كان شبه معدوم؟
ولماذا لم تستخدم الشركة المسؤولة عن المصفاة وفوراً فترة الحجر كاحتياطي تعويضي في فترة العمرة؟ والعديد من الأسئلة التي تؤكد ما ذهب إليه الدكتور عربش حول سوء التخطيط والإدارة مشيراً إلى أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم وأن المشكلة ليست بإصلاح المصفاة، وإنما بتأمين النفط الخام.

وتعوّل الحكومة على عودة مصفاة “بانياس” إلى العمل لإنهاء الأزمة، إذ تزوّد المصفاة الداخل السوري بثلثي حاجته من البنزين (بين 65% و70%)، حسب تصريح مدير عام المصفاة، “سلام سلامة” لإذاعة “شام إف إم”
وقد أورد سلامة بعض الحقائق والمعلومات حول مصفاة بانياس وأنها كانت في وضع أقرب إلى الانهيار وهي من تصميم روماني ولا يوجد علاقات حالياً مع رومانيا و المهندسين الرومانيين غادروا سورية مع بداية الأزمة ولم نستطع استيراد قطع التبديل المطلوبة لعمرة المصفاة بسبب العقوبات، ورفضت أغلب البلدان بيعها لنا حتى بسعر مضاعف ويتم تلافي الموضوع بتركيب قطع تبديل من مصفاة حمص وأخرى تتم صناعتها بجهود جبارة بقسم التصنيع الميكانيكي، عمال وفنيي المصفاة يقومون بعمل جبار، وهذه الجهود المضنية أثمرت عن بدء إقلاع وحدات إنتاج البنزين مساء الثلاثاء وتوريد المادة إلى السوق سيبدأ بعد أول شهر تشرين أول القادم إن شاء الله ..بحسب سلامة

بين أمل يزرعه سلامة…… وإحباط يؤكده عربش
يبقى الطابور هو سيد الشارع

Rumaf – وجه الحق -30-09-2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق