أخبار محليةالاقتصاد

زيادة الرواتب بين العبث والحاجة

خاص – وجه الحق\روسيل

بعض الأرقام الموجعة:

تصدرت سوريا قائمة الدول الأكثر فقراً بالعالم، بنسبة بلغت 82.5%، بحسب بيانات “World By Map” العالمي، وفق تقرير صدر في شباط الماضي.

وبحسب النسخة الأخيرة من مؤشر “Numbeo” لمتوسط تكاليف المعيشة لعام 2020م، حلت سوريا بالمرتبة الأخيرة عربياً وبالمرتبة 442 عالمياً من أصل 514 دولة، بمتوسط تكاليف لم يتجاوز 31.17 دولار أمريكي، أي ما يعادل 60 ألف ليرة سورية.

وحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أزمة غذاء غير مسبوقة في سوريا، وسط توقعات بتسارع تفشي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، في 26 من حزيران الفائت، وقالت المتحدثة باسم البرنامج، إليزابيث بايرز، لوكالة رويترز، إن تسعة ملايين و300 ألف شخص في سوريا يفتقرون إلى الغذاء الكافي، وأوضحت أن عدد من يفتقر للمواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع مليون و400 ألف خلال الأشهر الستة الماضية.

فيما ذكرت ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا، أن 90% من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر، أي بأقل من دولارين في اليوم الواحد كما أشارت ماجتيموفا إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة تزيد على 200%، في أقل من عام واحد، وأرجعت المتحدثة باسم برنامج الأغذية ذلك إلى الانهيار الاقتصادي في لبنان، وإجراءات العزل بسبب “كورونا”.

عندما تتسبب التصريحات اللا مسئولة بارتفاع الأسعار؟!

لم يكد يمض شهر على تسلم الحكومة الجديدة مهامها حتى عصفت بالمواطن موجة ارتفاع أسعار تضاف إلى موجات سابقة أفقدته الكثير من إمكانات وسبل “التوازن المعيشي”.

وكان اللافت أن موجة ارتفاع الأسعار تسببت بها تصريحات المسئولين حول زيادة الرواتب والشائعات المترتبة عليها. فخلال اجتماع مع أعضاء مجلس الشعب، في 24 من أيلول الفائت، قال رئيس الوزراء، حسين عرنوس، إن الحكومة مستمرة بزيادة الرواتب والأجور وفق شرائح حسب الإمكانات المتاحة، وإعادة النظر بضريبة الدخل على الرواتب والأجور، والعمل على إصلاح النظام الضريبي، وأضاف ان “الدولة حريصة على التعاطي مع (تحسين الوضع المعيشي) بكل مسؤولية، إذ بدأت بزيادة التعويضات لبعض القطاعات، منها الوجبة الغذائية للأعمال الخطرة، التي تشمل 131 ألف عامل”، عرنوس صرح كذلك لصحيفة “الوطن”  بأن زيادة الرواتب ستكون “قولًا وفعلًا”.

بدوره، رئيس لجنة الإدارة المحلية والخدمات في مجلس الشعب، صفوان قربي، تحدث عن دراسة مستعجلة لزيادة الرواتب، مع المطالبة بأن تكون استثنائية ومختلفة عن السابق باعتبار أن الوضع المعيشي صعب جدًا، بحسب إذاعة “شام إف إم.”

وكانت صحيفة  “الوطن”، قد نقلت الأحد 28 حزيران الفائت، أن وزارة الاقتصاد اقترحت زيادة الرواتب والأجور، اعتماداً على زيادة الموارد لا الاستدانة من المصرف المركزي، كما طلبت الوزارة من رئاسة الوزراء تخفيض الضرائب على الرواتب لتعزيز القدرة الشرائية للمواطن، ووفقاً للمقترح، طالبت الوزارة أيضاً بتحويل جزء من النفقات في الموازنة العامة للدولة، لمصلحة أصحاب الرواتب والأجور، مع تقديم مخصصات عينية بشكل شهري للأسر الأكثر احتياجاً، إضافة إلى إصلاح المالية العامة من خلال زيادة الإيرادات وتخفيض النفقات، والحدّ ما أمكن من التوسع بحجم الدين العام، والحدّ من عمليات التهرب الضريبي والحفاظ على حقوق المستهلك والبائع.

فيما تركز رد مجلس الوزراء على هذا المقترح بالتأكيد على إجراءات لوزارتي التجارة الداخلية والاقتصاد لتوفير مادتي الأرز والسكر، وتأمين الزيت والشاي على البطاقة الإلكترونية خلال أسبوعين عبر منافذ “السورية للتجارة”.

بعد هذه الموجة من التصريحات والمقترحات، ارتفع ليتر زيت عباد الشمس 500 ليرة، ليصبح ثمنه 3800 ليرة، والسمنة 2 كغ باتت بـ7000 ليرة بعد أن كانت 6000 ليرة، والحليب ارتفع من 600 إلى 800 ليرة، وكيس مسحوق الغسيل 2 كغ من 5500 إلى 7500، وكغ الفروج المنظف من 3800 إلى 4200 ليرة.

مدير الأسعار في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، “علي ونوس”، قال لصحيفة تشرين في 29 أيلول الفائت إن “ارتفاع الأسعار الحاصل يعود لارتفاع سعر الصرف وهذا الارتفاع سينعكس على ارتفاع الأسعار في الأسواق، فقد قدرت قيمة الارتفاع بـ10% وهذا الارتفاع حصل من الأسبوع الماضي إلى اليوم، وهناك نوع من أنواع المضاربة بالأسواق وانعكاسها كبير على الأسواق”، فيما أرجعت الصحيفة ارتفاع الأسعار إلى إشاعة زيادة الراتب، خاصة أن تحسن سعر صرف الليرة خلال الشهرين الفائتين لم ينعكس على انخفاض الأسعار.

لازمة تحسين الوضع المعيشي:

إن الحديث عن زيادة الرواتب وتحسين الوضع المعيشي أصبح لازمة متكررة عند كل تغيير حكومي أو إقرار موازنة أو تغيير برلماني،

في 2 من كانون الأول 2018 م، أصدرت لجنة الموازنة في مجلس الشعب السوري، مجموعة من التوصيات، على رأسها تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، وزيادة الرواتب والأجور، وتأمين فرص عمل حقيقية، والتصدي بحزم لغلاء الأسعار والعمل على استقرار سعر صرف الليرة والتشدد في مكافحة التهريب.

إلا أن رئيس الوزراء في حينه كان صريحاً وواضحاً ومنسجماً، عندما ربط زيادة الرواتب بالإنتاج، معتبراً أن أي زيادة في هذه الظروف ستكون وهمية، مطالباً السوريين بالتحمل.

وكان خميس قد صرح قبل ذلك، في أيلول 2017، وقال إن “الزيادة ممكنة، لكن ما هي النتيجة إذا لم يكن هناك تنمية اقتصادية تسعى في مضمونها إلى تحقيق الموارد؟”.

وبشكل مشابه لما حصل منذ أيام، انعكست تصريحات المسئولين المتضاربة في أواخر 2017م، في إشاعات تتسبب باضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، ففي نهاية عام 2017 انتشرت الشائعات حول زيادة الرواتب 100%، وأصبحت حديث السوريين اليومي نتيجة تضارب التصريحات بين وزير اقتصاد يؤكد ورئيس وزراء يشكك ووزير مالية ينفي.

لا جدوى من الزيادة :

رفعت الحكومة الراتب منذ بداية الأحداث خمسة مرات، كان آخرها في أيلول 2019، عندما أضافت مبلغ 20 ألف ليرة سورية (نحو 28 دولارا آنذاك) إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين، ومنذ تلك الزيادة تضاعفت الأسعار عدة مرات وفقاً لمتوالية منفلتة.

حسب إحصائية نشرتها صحيفة قاسيون في 25 تشرين الثاني 2019 بلغت كلفة زيادة الأجور 495 مليار ليرة، المبلغ المدفوع منها بشكل فعلي هو 162 مليار أي بنسبة 33%، فيما بلغ حجم الضريبة على الرواتب 160 مليار أي بنسبة 32%، فيما بلغت الزيادة على إيرادات التأمينات 173 مليار أي ما نسبته 35% من حجم مبلغ الزيادة، وبمقارنة هذه النسب نجد أن الموظف هو ضحية سياسات ضريبية غير متوازنة أو عادلة مقارنة بدخل الموظف وإيرادات التجار الذي يتهربون دائما من دفع الضرائب أو تسويتها من تحت الطاولة!

لذا فان تجربة زيادة الرواتب لتحسين الوضع المعيشي للمواطن أثبتت فشلها الذريع في المرَّات السابقة، رغم ذلك، تشهد وسائل التواصل الاجتماعي مطالبات مستمرة للحكومة بزيادة الرواتب، خاصة بعد انخفاض القدرة الشرائية للمواطن السوري، نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم تناسب الرواتب معها، إذ لا يتجاوز راتب الموظف الحكومي 60 ألف ليرة سورية (لا يزيد على 30 دولار).

إلا أن استطلاعاً للرأي أجراه موقع الاقتصادي في شهر أيلول الفائت اظهر توجهاً لدى غالبية المشاركين لرفض زيادة الرواتب، والتركيز على دعم الصناعة والمشاريع الصغيرة والقروض الميسرة، والإنتاج الزراعي والحيواني، وإلغاء الدعم، وتحويله إلى مبلغ مقطوع يصرف لمستحقيه فقط، وتخفيض أو إلغاء ضريبة الدخل على شرائح الرواتب المنخفضة (وهي جميعاً منخفضة).

Rumaf – وجه الحق -04-10-2020

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق