مقالات الكتاب

حول تجربة الحكم العسكري في منطقة الشرق الأوسط والعالم

الستالينية الليبيرالية – السيسي مثالاً

الكاتب السوري ياسر شعباني

مرت التجربة التنموية في مناطق عديدة من العالم النامي بمراحل متغيرة وفقاً لرؤى صانع القرار الحاكم ورغبة الدول المنتدبة أو المستعمرة لتلك الدول أو تماشياً مع نظريات اقتصادية أو نتيجة توازنات في منظومة العلاقات الدولية.

قبل انقلاب الجيش المصري على النظام الملكي في مصر 1952 م كان النظام المصري ينتهج السوق الحر نهجاً اقتصادياً ومالياً، وعندما دخل المشروع الوحدوي حيز التنفيذ بين سوريا ومصر ارتأت المنظومة الحاكمة الجديدة التأميم لكل جوانب الحياة العامة بكل مفاصلها، معتبرة أنها تسلك منهجاً اشتراكياً، يضمن العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة التي كانت في جعبة المنظومة السابقة.

في عام 1961 ومع سيطرة المؤسسة العسكرية على أجهزة الدولة وشبكة العلاقات الاجتماعية المصرية، تشكلت أولى خطوات هيمنة السياسيين العسكريين من خلال تصدير فكر الثورة الجماهيرية خارج حدود مصر، حيث كان اليمن الشمالي مسرحاً لها وقد حملت المشهدية اليمنية مآسي للجيل العسكري بكامله إلى كارثة 67.

توحشت مؤسسة الحكم (العسكرية) المصرية آنذاك وحاولت ابتلاع بنية المجتمع المصري، إذ وصلت في أحد صور هذا التوحش إلى أن أحاطت منظومة الأمن بالمسار والحياة الفنية المصرية، وفقاً لملفات صلاح نصر.

في عام 1962 وقع انقلاب عسكري في سيئول عاصمة كوريا الجنوبية يقوده بارك شونغ-هي، وحمل الرجل معه مشروع نهضة كوريا الجنوبية، بعدما عقد تحالفاً مع العائلات المهيمنة على اقتصاد كوريا الجنوبية (عائلات دايوو و هونداي)، وانتقل معها من اقتصاد بدائي زراعي تجاري إلى أحد أضخم اقتصاديات العالم حالياً (في عام 1988 كنت مقيماً في الرياض وقد اشترى أحدهم سيارة من نوع دايوو … كم سخر منه أصدقاءه)، صمم شونغ – هي على الاستفادة القصوى من الوجود العسكري الأمريكي على أرض بلاده، وسعى إلى فتح صفحة جديدة مع اليابان، وأعلن السوق الحر نهجاً اقتصادياً والليبرالية نهجاً سياسياً واجتماعياً، وكل ذلك، في ظل إدارة الجيش للعملية الاقتصادية، إدارة تسير ولا تتدخل، تساعد ولا تمنع، إلى حين نضوج نسق سياسي مدني قادر على صناعة القرار وقد انتهت حياة باني نهضة كوريا الجنوبية بارك شونغ بالاغتيال في 1979.

 

الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشو-هي 1962 – 1979

دخول المؤسسة العسكرية في عملية صناعة القرار شاهدناه كذلك مع فرانكوا في اسبانيا، وبينوتشيه في تشيلي، وأتاتورك في تركيا، وهي جميعا تجارب افرزت قيادات سياسية مدنية ناجحة في عملية إدارة الدولة وحماية الإرث.

من البديهي أنني لا أدعو إلى الاعجاب والاقتداء بهذه التجارب لكنني لا استطيع نفي النتيجة المتراكمة ايجابيا . وبدوري اسأل التالي: لماذا نجح هؤلاء و سقطنا ؟.
في العراق و سوريا ومصر وليبيا والجزائر جميعا، مجتمعات حُكِمت، ومنها مايزال يحكم من قبل المؤسسة العسكرية بشكل أو بآخ، جميعها رافقت عملية التخطيط المركزي، مع هيمنة حكم الحزب الواحد ومع حروب خارجية عبثية أدت في النهاية إلى انهيارها أو جمودها .
أخِذ على الرئيس السابق الراحل حسني مبارك ابتعاده عن مفاهيم التنمية المتوازنة والتنمية الشاملة، واعتماده على حكومة رجال الأعمال كما سمتها أدبيات الصحافة المصرية في حينه، وعندما حان زمن الرحيل انهارت المنظومة، وعادت المؤسسة العسكرية مجددا للامساك بإدارة البلاد ( لم تكن المؤسسة العسكرية المصرية خارج دائرة صنع القرار لكنها لم تكن مؤسسة صنع القرار كما هو حاليا) .
وفي ضوء متابعة و مشاهدة الشأن المصري ترتسم أمامنا هيكلية الإدارة الحكومية المصرية :
تسيطر المؤسسة العسكرية المصرية على موارد الدولة ( الغير المتجددة)، الأراضي، الطاقة، النقل، والمواصلات، والمرافق العامة .
دخلت المؤسسة العسكرية مجال التصنيع والبناء والتوزيع والبيع المباشر عبر شبكة شركات تعتبر واجهة لها .
تهيمن المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية كاملة .
تهيمن المؤسسة العسكرية على القطاع الإعلامي إنتاجا، وتسويقا وتوزيعا وإشرافا ( شركة سينرجي للانتاج الفني ) .
يتضح مما تقدم، أن مصر تدار تماما من قبل المؤسسة العسكرية، وقد حاول السادات ومبارك الانعتاق من ذلك، فكان مصير الأول الاغتيال و الثاني الإزاحة المباشرة من قبل الجيش.
مع عملية الإدارة الحاسمة والصارمة من قبل المؤسسة العسكرية، تقود ذات المؤسسة مواجهة شعواء على كل ما يمثل الإخوان المسلمين، (لست بعيدا عن روح العداء ضد هذه الجماعة)، لكن أيكون ذلك على حساب طحن وسحق المواطن المصري كيفما كان!، وتحت أي ثمن كان!، ربما هي ثمن المواجهة، وربما هي التطبيق الجديد للنيوليبرالية التي نراها في صدامات الأمريكيين العرقية، مرورا بفيروس الصين ولقاحه، وصولا إلى اعتراف عرب الخليج بوجود إسرائيل، … ربما ” New liberalism”.
تشبه الصورة المصرية عهد السوفييت الستاليني، مع فارق أن السيسي يعتمد على المؤسسة العسكرية، وأجنحة ليبرالية، أقله اقتصاديا، ( شبكة أوراسكوم لعائلة ساويرس)، كمثال، كما انه حليف أمريكي و خليجي كامل.

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

Rumaf – وجه الحق -08-10-2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق