مقالات الكتاب

العرب والكرد والأرمن ضحايا قوى الهيمنة

للكاتب السوري محمد أرسلان علي

تقريبًا نفس اللعبة التي تمت قبل قرن من الزمن تعاد ثانية من قبل نفس الأطراف والقوى الدولية الباحثة عن الهيمنة والمواد الخام وسوق لتصريف مصنوعاتها الحربية، وهي نفس الأداة ثانية يتم استخدامها لتفتيت ما تبقى من التقسيم الأول الذي كان في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

في الأولى تم التخلص من إرث ما سُميت الخلافة العثمانية الظلامية، والتي كان آخر سلاطينها عبد الحميد/ من قبل فرنسا وبريطانيا وأمريكا وروسيا، الآن نفس هذه القوى سيتخلصون مما تبقى من الجمهورية التركية والذي سيكون آخر رئيس لهذه الجمهورية هو أردوغان.

عبد الحميد الذي شكل الفرق الانكشارية وأطلق عليها اسمه بالفرق الحميدية التي كانت تقتل وتحرق وتغتصب وتهجر الشعوب بأوامر من السلطان مباشرة، وهذا ما كان قبل قرن وكانت الضحية هم العرب والأرمن والكرد والسريان.

الآن وعلى يد نفس الفرق الانكشارية الأردوغانية يتم التضحية بالعرب والكرد والأرمن من أجل التخلص من الجمهورية التركية التي تم تشكيلها من قبل يهود الدونمة في عشرينيات القرن المنصرم، وكذلك أردوغان المتعهد الرسمي لمشروع الشرق الأوسط الكبير/الجديد وللرأسمال المالي العالمي.

القوى المهيمنة التي لا تبحث إلا عن مصالحها وأطماعها في المنطقة أعطت وعودًا كثيرة للعرب والكرد والأرمن مقابل حمل السلاح وإعلان الحرب على الخلافة العثمانية، فكانت رسائل الحسين – مكماهون والوعود التي تم إعطاؤها للعرب بإقامة الدول العربي الكبرى، خاصة سوريا الكبرى، وبعد أن تم الإعلان عن الثورة العربية الكبرى في 1916 والقضاء على العثمانيين، تنصلت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى من وعودها وتم تجزئة وتقسيم المنقطة إلى أكثر من عشرون دولة ورسم حدودها وكذلك أعلامها، بشكل يجعل من هذه الدول على خلاف مستمر بسبب ترسيم الحدود بشكل لا يأخذ شعوب المنطقة أساسًا له.

وكذلك تم التعهد للكرد في معاهدة سيفر بمنحهم دولة مستقلة إن هم حاربوا العثمانيين وبعد أن حمل الكرد السلاح تم خذلان الكرد في معاهدات دولية والتي تخلوا فيها عن سيفر مقابل بعض التنازلات من تركيا، وكانت معاهدة لوزان التي تركت الكرد يلاقون مصيرهم المجهول من المجازر والتهجير على يد الجمهورية التركية الحديثة وتركهم ضحايا تلك المصالح، وما حل بالكرد لم يشفع للأرمن بأن يلاقوا نفس المصير بعد أن وعدوهم بدولة أرمينيا الكبرى إن هم حاربوا العثمانيين، لكن نفس المصير لاقوه وهو المجازر والتهجير والقتل والحرق وتخلت عنهم القوى العظمى ذاك الوقت ليلاقوا مصيرهم وجهًا لوجه مع الموت والتشتت في أصقاع العالم.

الآن وبعد قرن من الزمن نرى أن نفس القوى المهيمنة العالمية (أمريكا – فرنسا – بريطانيا – روسيا…. الخ)، تمنح الوعود للعرب والكرد والأرمن بدول مستقلة إن هم حاربوا تركيا وأردوغان ومرتزقته وإرهابييه، وثانية يسعون للتخلي عن ضحاياهم بعد أن حاربوا الفرق الأردوغانية من داعش والنصرة ومرتزقته الآخرين.

الكرد الذين حاربوا بكل قوة، خاصة قوات سوريا الديمقراطية التي هزمت داعش شر هزيمة وقضت على عاصمتها في الرقة وآخر معاقلها في الباغوز، ترى أن هذه القوى المهيمنة التي لا هم لها سوى مصالحها قد تخلت عنهم حينما احتل أردوغان عفرين وسري كانيه/ رأس العين وتل أبيض/كري سبي، وحتى أنه يمكننا القول بأن هذا الاحتلال قد تم بضوء أخضر من قبل القوى المهيمنة على الساحة السوية بحد ذاتها.

نفس السيناريو الآن يتم تسييره على الأرمن أيضًا ونفس هذه القوى تنظر إلى ما يحصل وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد، سوى بعض البيانات التنديدية والشجب التي لا تذهب أكثر من التصريحات الإعلامية والضحك على الشعوب.

ما يفعله أردوغان وفرقه المرتزقة الآن لم يكن ليتم لولا موافقة القوى المهيمنة العالمية أصحاب مصانع السلاح التي تبحث عن الحروب وتفتعلها لتصريف منتجاتها بأكبر كمية ممكنة، ونفس اللعبة على العرب والدول العربية سيتم تسييرها بإعطائهم بعض الوعود في التنمية وعدم وصول المعارك والحروب لداخلها كما حصل في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، هذه الوعود وإن كانت تسمياتها الآن مختلفة إلا أنها تحمل نفس الجوهر في الخنوع للأقوى، وكأن داروين ما زال حيًا يرزق وشاهد على تطبيق نظريته الداروينية، ولكن هذه المرة على الشعوب والدول وليس الحيوانات.

للخروج من هذا المأزق الذي تعاني منه جميع الشعوب من دون استثناء هو قيام من كان ضحية قبل قرن من الآن، في ألا يكونوا نفس الضحية بعد قرن من الزمن، بل عليهم التوحد فيما بينهم وتشكيل جبهة شعبية عريضة لها هدف مشترك. العرب والكرد والأرمن والسريان وغيرهم من الشعوب هم أصحاب حضارة ومدنية المنطقة، والتي من مناطقهم انتشرت جميع العلوم والثقافة نحو الأطراف. بمقدورهم الآن أيضًا بأن يحملوا مشعل الحرية لشعوبهم وللآخرين إن هم توحدوا فيما بينهم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق