آراءسياسة

هل تستطيع إدارة بايدن إصلاح الصدع مع تركيا؟

نشر موقع مجلة “ناشونال إنترست” مقالاً مشتركاً لـ “عمر تاشبينار” البروفسور المحاضر في الكلية الحربية الوطنية وأستاذ مساعد في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكن، و”مايكل أوهانلون” مدير الأبحاث في برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز حول ضرورة رأب الصدع في العلاقات الأمريكية-التركية مع تولي جو بايدن دفة القيادة في البيت الأبيض خلال الأشهر المقبلة. وناقشا فيه أن من حق الولايات المتحدة انتقاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبشكل مفتوح ولكن عليها في الوقت نفسه مواجهة الواقع.

وسلط الكاتبان الضوء على طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وأمريكا مع وجود العديد من القضايا الشائكة في المنطقة خلال تولي بايدن الإدارة، وإلى أين ستؤول الأمور. وترجمت وكالة روماف المقالة التي طرح الكاتبان جملة من الأسئلة وقاما بالإجابة عنها بطريقة تحليلية، وجاء في المقالة:

لا شك أن الولايات المتحدة يجب أن تتحدث بصوت عالٍ وأن تنتقد علانيةً من ازدياد استبداد أردوغان، لكن في غضون ذلك، يجب أن تواجه الواقع أيضاً، بالرغم من كل عيوبه، لا يزال أردوغان يقود دولة مهمة – ولا يزال الشخص الوحيد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تحاول القيام بأعمال تجارية حتى لو كانت هناك خلافات كبيرة بين البلدين.

هل تستطيع إدارة بايدن إصلاح علاقة الولايات المتحدة بتركيا باعتبارها حليفاً مهماً جيوستراتيجياً في الناتو تدهورت شراكة أردوغان مع واشنطن تدريجياً في السنوات القليلة الماضية؟

في غياب السياسة تجاه التهديدات الكبيرة مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، من الصعب التفكير في قضية أمنية أكثر أهمية تواجه الفريق القادم.

ويمكن لتركيا أن تكون لاعباً حاسماً في مساعدة الولايات المتحدة في حسن التعامل أو سوء التعامل مع التهديدين الأول والأخير من تلك التهديدات الأخرى. إن أهمية هذا البلد الإسلامي المحوري بين أوروبا والشرق الأوسط أكبر بكثير مما يُتصور عادة.

سيكون إغراء الإدارة القادمة هو معاقبة تركيا على تجاوزاتها العديدة، فالأساليب الاستبدادية للرئيس رجب طيب أردوغان، وانتقامه العسكري القاسي ضد الأكراد السوريين – حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيون في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية – وشرائه لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية ، لم تترك لأنقرة سوى أصدقاء قلائل في واشنطن.

من الواضح أن تركيا تحت قيادة أردوغان اتخذت جانباً منحرفاً قدر الإمكان، أليس كذلك؟ قد يطلب البعض من أعضاء الناتو التسعة والعشرين الآخرين طرد تركيا من الحلف، على الرغم من عدم وجود آلية يمكن من خلالها طرد عضو في الناتو أو حتى تعليق عضويته.

أي من ذلك سيكون خطأ كبير بالتأكيد، يجب على الولايات المتحدة بالتأكيد أن تتحدث بصوت عالٍ وأن تنتقد علناً استبداد أردوغان المتعمق. لكن في غضون ذلك، يجب أن تواجه الواقع على الأرض أيضاً. فرغم كل عيوبه، لا يزال أردوغان يقود دولة مهمة، ولا يزال الشخص الوحيد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تحاول التعامل معه حتى لو كانت هناك خلافات كبيرة بين البلدين.

علاوة على ذلك، على الرغم من كل أخطائه فيما يتعلق بالصراع السوري على مر السنين، فهي ليست أسوأ من إخفاقات وعثرات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين.

 تتحمل تركيا وطأة الصراع السوري مثلها مثل أي دولة مجاورة أخرى في المنطقة، حيث تستضيف ما يصل إلى أربعة ملايين لاجئ سوري ومن المحتمل أن تغرق بهم أوروبا الغربية.

بالتأكيد، إن صداقة أردوغان مع بوتين مصدر قلق كبير بالنسبة لأمريكا، لكن البديل عن الحرب الروسية التركية التي ستجر الولايات المتحدة، كحليف في الناتو إلى صراع مع موسكو سيكون أسوأ بكثير من ذلك.

 ورغم كل هذا، روسيا وتركيا لم تكونان شريكان طبيعيين، في الواقع، هم على طرفي نقيض في النزاعات المندلعة بـ سوريا وليبيا والقوقاز (قره باغ) بين أرمينيا وأذربيجان.

وفي عام 2015، أسقطت تركيا طائرة روسية على حدودها مع سوريا – وهي المرة الأولى التي أسقطت فيها دولة في الناتو طائرة روسية منذ نصف قرن. بقدر ما هي الأمور مزعجة الآن، فقد تكون أسوأ بكثير- وقد تزداد سوءاً إذا لم تتوخى الولايات المتحدة الحذر.

ولوضع الأمور على مسار أفضل وأقل خطورة، يلزم إحراز تقدم في معالجة مشكلتين رئيسيتين مع تركيا، إنها ليست فقط عوائق تحول دون تحسين العلاقات الثنائية، بل هي قضايا أمنية حقيقية بحد ذاتها مع عواقب وخيمة محتملة على راحة أمريكا وحلفائها إذا لم يتم التعامل معها ببراعة.

 لهذا السبب بدلاً من مواجهة أنقرة بالدبلوماسية القسرية، يجب على إدارة بايدن أن تقترح على تركيا إعادة ضبط مسار سياستها.

وتتعلق المشكلة الملحة بنظام الدفاع الجوي (S-400) الذي اشترته تركيا من روسيا، أما المشكلة الثانية الأقل إلحاحاً ولكنها بالغة الأهمية فهي سوريا.

وسيكون تشغيل صواريخ إس -400 بمثابة مشاركة روسية في عمليتها العسكرية – مما يعني أن موسكو يمكن أن تحصل على معلومات استخباراتية عن أي طائرة تحلق في المجال الجوي التركي، وعلى الأخص الطائرة الشبحية F-35 التي كانت تركيا في طريقها لشرائها وساعدت في بنائها كشريك في المشروع.

ولكن بدون حل لهذه المسألة، سيظل دور تركيا في برنامج F-35 معلقاً، ولن تتمكن من الحصول على الطائرة الأحدث في العالم، وعلاوة على ذلك يقف الكونغرس الأمريكي على أهبة الاستعداد لتمرير عقوبات عسكرية ومالية قاسية كعقوبة إضافية ضد أنقرة بسبب نظام الدفاع الجوي الروسي إس -400.

الملفت أن تركيا اختبرت مؤخراً منظومة إس -400 لكنها لم تقم بتنشيطها بالكامل، فإذا كان أردوغان جاداً بشأن إعادة ضبط سياسته، فيجب على تركيا أن تلتزم صراحةً بعدم تفعيل رادار المنظومة الروسية، وأن تعلن عن استعدادها لشراء نظام متوافق مع حلف الناتو.

في المقابل، يجب على إدارة بايدن الإعلان عن إعادة دمج تركيا في برنامج الطائرات F-35 والنظر في تقديم حوافز مالية وتقنية محتملة لتركيا لشراء أنظمة الدفاع الصاروخي باتريوت.

يجب أن يشمل إعادة مسار توطيد العلاقات مع أنقرة الأزمة في سوريا أيضاً، فالحرب هناك على وشك الانتهاء – لكن وضع ما بعد الحرب بعيد عن التسوية.

على الرغم من أن الدعم الأمريكي للأكراد السوريين استهدف دائماً تنظيم الدولة الإسلامية داعش، تعتقد تركيا أن واشنطن تدعم الحكم الذاتي للأكراد وإقامة دولة في نهاية المطاف في شمال سوريا.

ومما زاد الطين بلة، أن الأكراد السوريين الذين تدعمهم واشنطن بحسب أردوغان هم جزء من مجموعة متمردة كردية، حزب العمال الكردستاني في تركيا، المصنف رسمياً كمنظمة إرهابية بموجب القانون الأمريكي، وبالتالي فإن إعادة ضبط العلاقات التركية الأمريكية في سوريا سيتطلب حركات بهلوانية دبلوماسية كبرى.

ولا ينبغي لإدارة بايدن أن تترك سوريا وتتخلى عن الأكراد كما تصور ترامب، بل يتعين عليها بدلاً من ذلك أن تجد طرقاً أكثر إقناعاً لأنقرة لإثبات أن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والأكراد من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وليس السعي إلى استقلال الكرد.

وفي مقابل التزام عسكري تركي واضح ضد داعش وبعد إحراز تقدم نحو اتفاق سلام ثلاثي بين الأكراد السوريين وحكومة الأسد وتركيا، يمكن بوسع الولايات المتحدة أن تخفض تعاونها الأمني مع الأكراد السوريين تدريجياً.

ومن وراء الكواليس، يتعين على إدارة بايدن أيضاً أن تعمل من أجل التوصل إلى حل سلمي للمشكلة الكردية في تركيا من خلال الضغط على حزب العمال الكردستاني لنزع سلاحه.

ومع التحرك بشأن هاتين القضيتين، فقد يكون بوسع الولايات المتحدة على الأقل أن تدخل فترة من الدبلوماسية الناجحة في التعامل مع تركيا وعملية صنع القرار في مجال الأمن الوطني.

ولن تكون هناك علاقة وثيقة مع أنقرة ما دام أردوغان على رأس السلطة في تركيا، ولكن بالتوازي لا داعي ولا يجب أن يكون أي شيء قريباً إلى علاقة الخصومة أيضاً تجاه أنقرة.

ترجمة وكالة روماف عن مجلة national-interest الأمريكية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق