تقارير وتحقيقات

مع جنون الأسعار التدفئة في سوريا باتت لمن استطاع إليها سبيلاً


خاص روماف/روسيل

يطل الشتاء برأسه وسط المعاناة التي يعيشها السوريون، من البرد ونقص مقومات الحياة الأساسية، وبالأخص نقص مواد التدفئة وارتفاع أسعارها، رصدت “روماف” خلال جولة لها على أسواق اللاذقية وطرطوس وريفها ارتفاع وفوضى أسعار مدافئ المازوت والحطب والمدافئ الكهربائية على أعتاب الشتاء، يتراوح سعر أصغر مدفأة مازوت من النوعية التجارية الرديئة حوالي 25 ألف ل.س ومن الحجم المتوسط حوالي 45 ألف ل.س وأما مدفأة الحجم الكبير فيصل سعرها 55 ألف ليرة، ويتخطى سعرها حاجز المئة الف ل.س إن كانت من النوع الجيد، أما اكسسوارات المدافئ من أغطية وبواري وأكواع فتتراوح بين 2000-5000 ل.س حسب المواصفات، وأما المدافئ ذات محرك التوربو التي تستهلك كميات كبيرة من المازوت فيتراوح سعرها بين النصف مليون والمليون ل.س، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار المدافئ مع تقدم فصل الشتاء وفقاً ل”محمد ونوس”، تاجر مدافئ من طرطوس.

بين المازوت والحطب

حتى تاريخه وزّعت شركة المحروقات العامة “سادكوب” مئة لتر (يقوم أصحاب سيارات التوزيع بالتوزيع بسعر 210/ ل.س للتر خلافاً للسعر المحدد بـ 185 ل.س) لكل بطاقة تكامل في مناطق محدودة، فيما لم يتم توزيع أي مازوت في أغلب الارياف الباردة.
نظام التوزيع الحكومي القاصر عبر “البطاقة الذكية”، كالعادة يصب في خانة “تجار الأزمات”، الذين يستغلون القصور الحكومي لتلبية النقص بأسعار مضاعفة، حيث وصل سعر لتر المازوت الحر 800 ل.س. الأمر الآخر أن المئة لتر (نصف برميل) الموزعة تمثل نسبة ضئيلة من الكمية المطلوبة للتدفئة خلال موسم الشتاء، والتي قد تصل في منطقة باردة كمشتى الحلو إلى 5-6 براميل مازوت وفق ما أخبرنا به “حبيب عوض” من المشتى (بلغ سعر البرميل 160 ألف ل.س)، أي أن كلفة التدفئة في موسم الشتاء من المازوت الحر تصل إلى مليون ل.س، وهو ما يتجاوز قدرة الغالبية الساحقة من السوريين الذي وصلوا بنسبة 90% إلى خط الفقر وتتراوح دخولهم بين 60-100 ألف ل.س.
مع نقص المحروقات، وارتفاع أسعارها فوق الممكن، يعتمد السوريون على الحطب والتمز ”البيرين” وهي مادة قابلة للاشتعال، مصنوعة من بقايا الزيتون بعد عصره لاستخلاص زيت الزيتون منه.
وفي أرياف المشتى والقدموس وجبلة والمناطق المرتفعة في صافيتا والدريكيش وبانياس يلجأ المواطنون إاى تأمين حاجتهم من الحطب من كروم الزيتون والحمضيات والتفاح والأشجار الحراجية وما تركته النيران من الأحراج المجاورة وهي حال “حبيب عوض” من المشتى و”مؤيد” من القدموس، وأما أبناء المدن والقسم الآخر من أبناء الريف الذين لا تتاح لهم رفاهية تجميع الحطب مباشرة من الطبيعة، فهم مضطرون إلى شراء الحطب بأسعار وصلت 100-150 ألف ل.س/طن حسب نوع الحطب، وفقاً لاستقصاء أجريناه عن الأسعار شارك فيه عدة أشخاص من المشتى والقدموس وريف حمص ومصياف، وفقاً ل”مؤيد” من القدموس تستهلك صوبيا الحطب 3-4 طن حسب المناطق ومستويات البرد، أي أن موسم التدفئة يستهلك 400-500 ألف ل.س.
“محمد” من القدموس أخبرنا أنه اشترى مئة لتر مازوت مضطر (كونه أب لطفل صغير) بمبلغ 75 ألف ل.س، وهي كمية تكفيه نصف شهر، وحين سألناه : وماذا بعد انتهاء هذه الكمية؟ أجاب أنه الآن لا يملك جواباً، فهو اقتطع بعض ثمن المازوت من مصروف أسرته جزئياً ولا حل.

بقية الخيارات

التدفئة بالغاز والكهرباء كانت خيار معتمد لدى قطاع واسع من السوريين خاصة سكان المدن لكن هذين الخيارين تبخّرا بكل معنى الكلمة ذلك أن جرة الغاز توزع وفق بطاقة تكامل كل شهرين-شهرين ونصف وهي لا تكفي حاجات المطبخ وكثير من الأسر السورية تنقطع من الغاز لمدة شهر-اسبوع بانتظار الحصول على أسطوانة جديدة (توزع ب 3000 ل.س، رغم أن التسعيرة الرسمية المعتمدة 2750 ل.س) علماً أن هناك أسطوانات غاز متوفرة في السوق الحرة بأسعار تتجاوز 15 ألف ل.س (تكفي أسطوانة الغاز للتدفئة 3-4 ايام) وهنا يحضر ما نشره كريم عبدو وهو معتمد غاز في طرطوس من أن شركة سادكوب وزعت 3200 أسطوانة غاز تحت بند “موافقات حكومية” خلال أقل من شهر بين 14 تشرين الأول و4 تشرين الثاني الجاري و”بند الموافقات الحكومية” هو بند مطاط تحكمه المحسوبيات والرشاوى وآليات الفساد المتحكمة بسائر الموافقات الحكومية على حساب مخصصات المواطنين الموزعة وفق البطاقة الذكية.
وأما بالنسبة للكهرباء فهي ليست خياراً مطروحاً لأن التقنين الكهربائي أصبح حاداً 4 ساعات قطع/2 وصل أو 5 ساعات قطع/2 وصل حسب المناطق وفيما كانت الأغطية الكهربائية بديلاً عملياً واسع الانتشار عن وسائل التدفئة الأخرى أصبح استعمالها اليوم غير مجدي بالنظر إلى ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة.

ماذا تبقى

من سخرية القدر أن الخيار الأخير وهو اللباس الشتوي أصبح خياراً صعباً كذلك، فوفق تقرير أنجزه موقع ” بزنس 2 بزنس” في 14 تشرين الأول الفائت سجلت الألبسة الشتوية ارتفاعاً بين ثلاث أو أربع أضعاف سعرها في الموسم الماضي وتراوحت من 20 ألف لبلوزة الصوف إلى 150 الف للجاكيت الرجالي في المحلات الراقية وأما الاغطية الشتوية فيصل سعر النموذج التجاري إلى 50 ألف ل.س (يباع في المؤسسة السورية للتجارة ب 25 ألف ل.س).
لذا فأن هذا الشتاء سيكون شديد القسوة على السوريون، سينخر عظامهم من البرد، وبطونهم من الجوع (نسبياً)، ولا بدائل في التعامل مع هذا الواقع القاسي سوى محاولة الاحتيال على الواقع والتنقل بين وسائل التدفئة والمعيشة حسب المتاح.
لكن هناك نتائج ستظهر تراكمياً في وقت لاحق، فهذا المواطن الذي فقد حاجاته الأساسية (الغذاء والدفء وفق سلم لاسلو للاحتياجات هي حاجات مشتركة بين سائر الحيوانات والانسان)، سيقف على حافة الوحشية التي يعانيها أي كائن حي عندما تتعرض حاجاته الفيزيائية الأساسية للانتهاك، وستزداد هذه الوحشية عندما يقارن المواطن مجاعته وبرده مع طوابير “القطط السمان” المصطفة للحصول على هاتف آيفون 12 برو بقيمة 5 مليون ل.س ومع طوابير المسؤولين المحتشدين لافتتاح متحف للراحل باسل الأسد بكلفة مئات الملايين من الليرات ومع مشهد سيارات “اللامبورغيني” الإيطالية المستوردة لصالح أمراء الحرب وجرذانها السمان، ستستمر المقارنات وستحدث الفوضى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق