آراءتقارير وتحقيقاتسياسة

المرآة المعاكسة..عملية أذربيجان الدعائية في حرب ناغورنو كاراباخ

منذ اليوم الأول لحرب آرتساخ 2020، وبالإضافة إلى نشر المعلومات المضللة والأخبار التي تثير الذعر في وسائل الإعلام من خلال الحسابات المزيفة والمسروقة، ونشر وسومات مصطنعة على منصة التويتر وإنشاء مواد دعائية على مراحل، لجأ الجانب الأذربيجاني أيضاً إلى أسلوب “المرآة المعاكسة”.

الأمور التي تكتب عنها وسائل الإعلام الدولية، ويتهم المجتمع الدولي والجانب الأرمني بها أذربيجان، “تستغلها” أذربيجان من الجانب الأرمني، وبالتالي ما يحدث في الجانب الأرمني يتكرر في أذربيجان.

وقد تم تلخيص عدد من هذه الحالات منذ اندلاع الحرب في أرتساخ عبر تسلسل زمني، حيث تكشف عن إحدى الأساليب المميزة للدعاية الحربية الأذربيجانية.

المرآة الأولى: المرتزقة 

ظهرت تقارير إخبارية عن إرسال مرتزقة من الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا من شمال سوريا إلى أذربيجان في أعقاب الاشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان في يوليو\حزيران من هذا العام.

في البداية، كتب الإعلام العربي عن ذلك، ثم في 21 سبتمبر\أيلول، نشرت الصحفية الأمريكية ليندسي سنيل تسجيلاً صوتياً، وذكر مصدرها أنه في الفترة من 27 إلى 30 سبتمبر\أيلول، كان من المقرر إرسال 1000 مقاتل من الجيش الوطني السوري (الجيش الحر) المدعوم من تركيا إلى أذربيجان. وأشارت الصحفية أيضاً في تغريدتها، إلى أنها سمعت من مصادر متعددة أن بعضهم موجودين بالفعل على الأرض. وفي 23 سبتمبر\أيلول، نُشرت التفاصيل الشخصية لخمسين مرتزقاً أرسلوا من شمال سوريا عبر تركيا إلى أذربيجان.

على مدى الأيام التي أعقبت اندلاع الحرب في 27 سبتمبر\أيلول، كتبت منصات إعلامية دولية مرموقة، الواحدة تلو الأخرى عن وجود المرتزقة السوريين، مثل The Guardian و The Investigative Journal و Novaya Gazeta و BBC و The New York Review و The Washington Post و France 24 وغيرها من وسائل الإعلام العالمية.

واستنكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نقل 300 سوري على الأقل من الجماعات الإسلاموية المدعومة من تركيا إلى أذربيجان. وبعد أيام قليلة، أعربت روسيا عن تصريحات ومخاوف مماثلة، بما في ذلك الرئيس فلاديمير بوتين نفسه.

وحذرت الولايات المتحدة الأمريكية مواطنيها من خطر وقوع هجمات إرهابية أولاً في تركيا وفي اليوم التالي في أذربيجان. وأعلنت إيران أنها لن تسمح بوجود إرهابيين بالقرب من حدودها.

وعلى الرغم من الشهادات التي نشرتها وسائل الإعلام، والصور ومقاطع الفيديو المسربة للمرتزقة المشاركين في العمليات العسكرية، والبيانات السياسية، فإن أنقرة وباكو تنفيان رسمياً تورط هؤلاء في الحرب.

وفي الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول، صرح سفير أذربيجان في تركيا لوكالة الأناضول الرسمية أن الجانب الأرمني متورط مع أنشطة مرتزقة مسلحين. وزعم السفير أن أرمينيا استعانت بعناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK) لتدريب الجانب الأرمني في ناغورنو كاراباخ وأنها جندت أيضاً مقاتلين من الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا (ASALA). وكانت هذه المزاعم هي بالكامل مجرد افتراءات ولكنها لعبت دوراً بشكل مثالي في لعبة تبادل الاتهامات بين “الجانبين”.

المرآة الثانية: اعتراض المحادثات اللاسلكية

وفي 3 أكتوبر ، أصدر جهاز الأمن القومي الأرميني بعض المحادثات التي تم اعتراضها والتي تثبت تورط تركيا والإرهابيين المرتزقة في العمليات العسكرية.

يتكون المحتوى الذي نشره جهاز الأمن القومي الأرمني من ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول، يتم تبادل إحداثيات معينة باللغتين التركية والأذربيجانية. ويلي ذلك محادثة بين جندي أذربيجاني ومرتزق عربي، أما الجزء الأخير هو محادثة بين المرتزقة.

وبعد ثلاثة أيام، في 6 أكتوبر، نشر جهاز أمن الدولة الأذربيجاني مقطع فيديو مدته 3 دقائق باللغة الكردية (اللهجة السورانية). يزعم أن المحتوى الذي اعتراضه يثبت فرضية باكو وأنقرة القائلة بأن الجانب الأرميني يستخدم مقاتلين أجانب، ولا سيما المقاتلين الكرد الذين تم جلبهم من العراق وسوريا، والذين يُزعم أنهم على صلة بحزب العمال الكردستاني.

التسجيل الذي نشرته أذربيجان هو نسخة طبق الأصل من المحتوى الذي نشره الجانب الأرميني في وقت سابق. على سبيل المثال، في إشارة إلى المرتزقة الذين وصلوا لتوهم إلى أرتساخ، يقول الشخص الموجود في الموقع، “لقد جاؤوا عبثاً، وهناك خسائر كبيرة والوضع سيئ”. ثم يعرب عن أسفه إزاء قدومه إلى هذا المكان.

حتى أن محتوى الفيديو الذي نشره الجانب الأذربيجاني، حرص على تضمين محادثة يستفسر فيه أحدهم عن وجود الأتراك في ساحة المعركة (وهو ما ينفيه بطبيعة الحال المحاور). ثم يتم تقديم هذا الفيديو كدليل على أن تركيا ليست متورطة في الحرب.

ولكن أحد متخصصي التحقيقات المرئية في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، كشف عن وجود طائرات F-16 التركية، على الرغم من النفي المستمر من قِبل أذربيجان.

المرآة الثالثة: الذخائر العنقودية

نُشرت لقطات مصورة لهجوم على عاصمة الإقليم “ستيباناكيرت” باستخدام الذخائر العنقودية في 4 أكتوبر / تشرين الأول. وفي اليوم التالي، أبلغت منظمة العفو الدولية عن استخدام قنابل عنقودية إسرائيلية الصنع أطلقتها أذربيجان.

ومن المعروف أن الذخائر العنقودية تنثر قنابل على مساحات واسعة من المكان المستهدف، وحوالي خُمسة من  هذه القنابل لا تنفجر على الفور وتشكل تهديداً مستمراً على حياة المدنيين.

الجدير بالذكر أن هذا السلاح محظور بموجب اتفاقية منع استخدام الذخائر العنقودية التي وقعتها أكثر من 100 دولة في العالم،لكن أرمينيا وأذربيجان ليستا طرفين في هذه الاتفاقية.

وبعد يومين من نشر خبر استهداف “ستيباناكيرت”، أعلن حكمت حاجييف، مستشار الرئيس الأذربيجاني، في وقت متأخر من مساء يوم 6 أكتوبر، أن أرمينيا أطلقت صاروخاً تحمل قنابل عنقودية باتجاه خط أنابيب النفط باكو – تبيليسي – جيهان. وزعم حاجييف أن أكثر من 300 قنبلة عنقودية سقطت على بعد عشرة أمتار من خط الأنابيب، لكن خط الأنابيب لم يتضرر بأي شكل من الأشكال.

لكن الصورة التي نشرها حاجييف لم تقنع الخبراء العسكريين بشكل خاص. وكتب أحدهم، وهو “روب لي”، على تويتر: “يبدو الأمر لي مريباً للغاية في أن تسقط كل هذه الذخائر العنقودية بالقرب من بعضها، ومن سيلتقط [الذخائر غير المنفجرة] ليجمعها معاً لالتقاط صورة لها إذا سقطت على مسافة أبعد؟”

وأعقب هذا المنشور من قِبل حاجييف منشورين مشابهين ( الأول و الثاني ) حول الإطلاق المزعوم للذخائر العنقودية من قِبل أرمينيا باتجاه التجمعات المدنية في أذربيجان.

وقد تم تأكيد مزاعم الجانب الأرميني من قِبل منظمة حقوق الإنسان الدولية “هيومن رايتس ووتش”، التي سجل ممثلوها أربع حالات من هذا القبيل في أكتوبر. ولكن لم تتمكن المنظمة من التحقق بشكل مستقل من ادعاءات مماثلة من قِبل أذربيجان.

وأكدت منظمة العفو الدولية فقط في 29 أكتوبر/تشرين الأول، أن الجانب الأرمني لجأ إلى استخدام القنابل العنقودية على مدينة (بردهBarda ).

المرآة الرابعة : الموسيقى بين الأنقاض

تعرضت كاتدرائية المخلص المقدس “غازانشيتسوتس” يوم الأحد 8 أكتوبر، في مدينة شوشي للقصف. لم يكن هذا هجوماً على التراث الروحي والثقافي فحسب، بل كان أيضاً هجوماً على المدنيين المسالمين الذين لجأوا إلى هناك والذين يزورون الكاتدرائية للصلاة.

وشكك الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في أن جيشه نفذ الضربة، واعتبر ذلك “استفزاز” أرمني مفتعل لاتهام أذربيجان. ثم قال في مقابلة أخرى إنهم يجرون تحقيقاً، وإذا تبين أن القوات الأذربيجانية قد ضربت الكاتدرائية، لكان ذلك قد وقع عن طريق الخطأ. في الواقع، كان هناك غارتان منفصلتان على الكاتدرائية في ذلك اليوم، الغارة الثانية كانت أثناء حضور الصحفيين لالتقاط الصور.

وبعد أربعة أيام من هذا الحادث، تم نشر مقطع فيديو لعازف التشيلو سيفاك أفانيسيان وهو يعزف معزوفة “كرين” الكوميتاس داخل الكاتدرائية المدمرة جزئياً.

ومن ثم تم عمل نسخة طبق الأصل من عزف الموسيقى المدمرة في مدينة “كنجة” الأذربيجانية. وتم نشر أول فيديو للمعزوفة الموسيقية “الكمان” وبعد عملية بحث مكثفة، تم العثور على حسابات أنستغرام و الفيسبوك لمجموعة Greenlight  في 15 أكتوبر. وكما يظهر في الفيديو، الشاب لا يعزف حتى على الآلة الموسيقية.

ووفقاً للمعلومات الموجودة على الفيسبوك، تم إنشاء هذه الصفحة في عام 2014 تحت اسم Greenlight Media Group. وتمت إزالة كلمة “Media” من العنوان في العام التالي. وحالياً يقدم خدمات إعلانية.

المرآة الخامسة : رعاية طبية لأسرى الحرب

في 16 أكتوبر، ظهر مقطع فيديو أولاً بالروسية ثم أظهرت المصادر الأرمينية أسير حرب أذربيجاني يتلقى العلاج الطبي في أرتساخ.

 مثل هذا النهج الإنساني قوبل بالتعاطف، لا سيما على خلفية ما حدث في اليوم السابق، حيث تم إذلال اثنين من أسرى الحرب الأرمن وإعدامهم في مدينة هادروت.

وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع الأذربيجانية نفت تصرفات قواتها ووصفتها بأنها مزيفة، أثبتت منصات التحقق مثل bellingcat.com و DFRLab من الحقائق، وأفادت أن مرتكبي جريمة القتل كانوا من القوات الخاصة الأذربيجانية.

وبعد يومين من هذا الحادث، في 18 أكتوبر، نشرت أذربيجان صوراً لثلاثة جنود أرمنيين أسرى، وهم ملفوفون بالضمادات ومستلقون في الفراش، حيث زارهم وزير الدولة الأذربيجاني “إسماعيل أخوندوف” المسؤول عن لجنة أسرى الحرب والرهائن والمفقودين.

المرآة السادسة: اعترافات أسرى الحرب

نشر المصور دافيت قهرمايان في 22 و24 أكتوبر / تشرين الأول، مقاطع فيديو قصيرة على صفحته على الفيسبوك، تظهر اثنين من أسرى الحرب الأذربيجانيين يتلقون العلاج الطبي من قِبل الجانب الأرمني.

الأول تحدث عن متخصصين عسكريين أتوا من تركيا لتدريبهم، موضحاً أن هؤلاء العسكريين ما زالوا في مراكز القيادة الأذربيجانية، مؤكداً أن الجانب الأذربيجاني لا يتخذ القرارات من دون استشارتهم.

وعلق الأسير الثاني على هذه المعلومات، مضيفاً أنه بالإضافة إلى وحدات الجيش الأذربيجاني، فإن المقاتلين الأجانب يقاتلون أيضاً إلى جانبهم ضد قوات أرتساخ.

وفي 23 أكتوبر، نشرت أذربيجان مقطع فيديو لاستجواب أسرى حرب الأرمن حيث يقول أحدهم إن المقاتلين الأكراد خدموا في وحدته العسكرية في منطقة “مارتوني” ويتقاضون 600 دولار شهرياً؛ وقال بأن مفارزهم كانت تستكشف المنطقة باستمرار وتستعد للانخراط في المعارك. الجدير بالذكر أنه لا توجد أي جهة دولية أيدت مزاعم حول تورط الكرد في هذه الحرب.

وهذه بعض الأمثلة التي تكشف عن طريقة عمل الدعاية الأذربيجانية التي تعكس ذلك. وبهذه الطريقة، كان الطرف المتحارب يسعى إلى إبقاء الجانبين على قدم المساواة من الناحية الأخلاقية. وباستخدام هذا المحتوى، تطرح أذربيجان أطروحات معينة من الدعاية التي تقوم بها الدولة، مثل تورط المقاتلين الأكراد على الجانب الأرمني، وأن الجانب الأرمني هو من بدأ بالحرب.

ورغم أن هذا التكتيك نجح في وقت مبكر، حيث تضمنت التغطية الإعلامية أن “كلا الطرفين يتهمان الآخر ببدء الحرب”، في الواقع كان هذا الأسلوب أقل نجاحاً بمجرد أن بدأ الصحفيون في الوصول إلى المنطقة ليروا الأمور على أرض الواقع بأنفسهم. ولكن حتى في ذلك الوقت خلق شحاً وضبابية في الحصول على المعلومات الحقيقية، وحتى مع كشف أحد الجانبين عن أكاذيب صريحة، فإن أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة ظلوا على ارتباكهم بشأن ما ينبغي لهم أن يصدقوا.

ترجمة وكالة روماف عن مجلة evnreport الأرمنية الناطقة بالإنكليزية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق