مقالات الكتاب

بقلم أحمد شيخو: تركيا الإرهاب واللااستقرار

من التَرِكة المتروكة

لا شك أن الإمبراطورية العثمانية وبعد أن تمت دورتها من البدء والصعود ثم الانتهاء في ظل عدم حصول أي تغيير في بنيتها وبناها المادية والمعنوية متماشية والحالة التطورية في العصور الجديدة؛ الأمر الذي عجّل من انتهائها. وقد أكمل ذلك الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا النازية وحلفائها وتقسيم الحلفاء المنتصرون للأراضي التي كانت تحتلها العثمانية في البلقان والبلدان العربية وكردستان وجنوب القوقاز وما بعد القفقاس بعد انهيار الجبهة الروسية القيصرية نتيجة ما قيل أنها ثورة 17 أكتوبر عام 1917م وإرسال ألمانيا للينين إلى روسيا من منفاه في سويسرا بقطار ألماني.

تم بعدها سيطرة القوى والدول المركزية في النظام العالمي حينها على المنطقة وتشكيلها لنقاط ارتكاز أساسية لدوام الهيمنة مثل تركيا وإسرائيل وغيرها، وماتزال مستمرة إلى اليوم وبأشكال مختلفة عبر نموذج القضايا والمشاكل والدول وأشكال الحكم والسلطات والمعارضة التي تمّ و يتم تشكيلها وفرضها على الشعوب والمجتمعات أو عبر التحكم الاقتصادي والاحتكار الحاصل في أغلب القطاعات الهامة وعبر المؤسسات المالية الدولية والاتفاقات الملزمة أو عبر القواعد والتواجد العسكري، مع  ضمان كل ذلك بالسيطرة على مناهج وطرق التفكير والعلم المسموح به والمقدم عبر جامعات النظام العالمي وكذلك الإعلام الموجه والتكنولوجيا التي ترصد وتسجل كل نبض وجزئيات الحياة والعمل رغم تغيير القوى المركزية الرائدة لنظام الهيمنة العالمي وتعدد طرق وأساليب فرضه  من بداية القرن الماضي وحتى الآن.

ولعل تركيز النظام العالمي على تركيا وجوارها لربط المنطقة والإقليم بمصير محدد ومرسوم هو لأسباب موضوعية تتعلق بتركيا كونها كانت الوريث لآخر إمبراطورية في المنطقة ولأنها تحمل وحملت التراكم التاريخي للسلطات ولثقافة التحكم والسيطرة في المنطقة ولبعدها الإسلامي الذي من المؤكد أنها سيكون لها دور فعال ومؤثر عند استخدامه على عدد من الفئات والشرائح التي تحن وتريد عودة الخلافة أو الدولة الإسلامية في المنطقة. أي بسبب موقعها الفريد الجيوسياسي.

أيديولوجية العثماني الجديد في الإسلام السياسي

على الرغم من وجود العلمانيين أو الكماليين على السلطة والآن يتواجد الإسلاميين السياسيين/ الإخوانيين؛ إلا أن علاقة الدولة التركية وسلطاتها مع الشعوب في داخل تركيا وخصوصاً مع الشعب الكردي ومع الإقليم والمنطقة العربية لم تختلف من النظرة الاستعلائية والدونية والباب العالي العثماني ولم يختلف جوهر خطاب كلا الاتجاهين مع اختلاف أدوارهم في المعارضة والسلطة.

ويمكننا القول أن التواجد العسكري التركي الاحتلالي في ليبيا والصومال وقطر وفي باكور كردستان (جنوب شرق تركيا) وروج آفا وشمالي سوريا وشمالي العراق (إقليم كردستان العراق) وتدخلها في لبنان واليمن و في آرتساخ (ناغورني كرباخ) و في كشمير بين باكستان والهند والعديد من الدول والأماكن الأخرى يتم من قبل الدولة التركية ولأدوارها الوظيفية والأداتية وبموافقة السلطة والمعارضة بتمديد مذكرات تواجد الجيش في الخارج عبر برلمان الدولة الفعلي وليس الشعب وفي كل الحالات الحزب الذي يعارض هذا التمديد في البرلمان هو حزب الشعوب الديمقراطي الذي لديه سياسة ديمقراطية يهدف إلى حل القضايا بالأسس والمعايير الديمقراطية والذي يرفض التدخل التركي في المحيط العربي وفي دول العالم وبهذا يختلف عن أحزاب الدولة سواء في السلطة أو المعارضة. ولذلك هناك أكثر من 12 ألف سجين من حزب الشعوب الديمقراطي منهم الرئيسين المشتركين وحوالي 8 نواب والعشرات من رؤساء البلديات المنتخبين والذين سجنهم أردوغان ووضع أوصياء من حزبه على تلك البلديات في المناطق الكردية.

من المهم الإشارة إلى السياسة الإنكشارية الموغلة في القدم في والمستمرة إلى اليوم والتي كانت للعشائر التركية وأسلافهم القادمين من أواسط أسيا ومن جبال أورال آلتاي إلى المنطقة مع الخلافة العباسية في القرن الثامن الهجري ومن ثم تمكنهم باسم الإسلام من التوغل في الأناضول بمساعدة شعوب المنطقة الأخرى وتشكيلهم إمارات، هذه السياسة تصاعدت مع بدايات العثمانيين والتي كانت تقوم على التتريك الممارس بعنف وشدة على الأمم والأقوام التي كانت تقع تحت احتلالهم وما كانت تسمى ضريبة الدم كانت إحدى أساليب التتريك والتغيير الديموغرافي ومحاولات القضاء على المجتمعات والشعوب الأخرى وثقافتهم.

وبهذا أصبح المجتمع التركي المستحدث المشكل كأساس للدولة التركية في ازدياد على حساب الشعوب والأقوام الأساسية للمنطقة. ولو قدر أن تتغير الظروف ويذوب الثلج لظهر المرج وكذب الترك وبانت فضائحهم، مثال بسيط على ذلك عندما كان هناك موقع لبعض النشطاء في تركيا يقول كل واحد أصله وقوميته لتخرج بنتيجة: أن أقل نسبة هم الترك وعلى الفور أغلقت السلطات هذا الموقع وحاسبت وسجنت القائمين عليها.

جرس الإنذار

واليوم يرن الجرس للتنبيه إلى الخطر التركي مجدداً في العديد من العواصم الأوربية والأمريكية وفي العديد من الدول وعند أغلب شعوب المنطقة والعالم على الرغم من استعمال النظام العالمي للدولة التركية ولقوتها في مشاريعها المختلفة في المنطقة والعالم. هذا الجرس الذي يرن ليقول إن الدولة التركية بعمقها وسطحها، بسلطتها وأغلب معارضيها أصبحوا خطراً على الاستقرار والسلم والأمن العالمي لعدة أسباب ومؤشرات منها:

  1. علاقة تركيا بالإرهاب الذي يعلمه الجميع وخصوصاً دوائر القرار في النظام العالمي والقوى المركزية فيه، فمن بين كل دول العالم كان لداعش سفير في تركيا. وأبو بكر البغدادي كان في مناطق النفوذ التركي وتحت حمايتها حيث قتل على بعد 5 كيلو متر من الحدود التركية السورية، وأغلب أسلحة داعش وعناصرها التي تجاوزت عشرات الآلاف القادمة من الخارج كانوا عبر تركيا ومطاراتها، وأبو محمد الجولاني يصول ويجول تحت الحماية التركية في إدلب كأحد محافظي الولايات والمدن التركية رغم فرض وزارة الخارجية الأمريكية مبلغ 10 مليون دولار مقابل معلومات عنه كمتزعم جبهة النصرة الإرهابية.
  2. إعادة إحياء تركيا لداعش في مناطق احتلالها في شمال سوريا تحت أسماء مثل الجيش الوطني السوري والشرطة الحرة وجبهة التحرير الوطنية والتشكيلات المتعددة التي تشكلها تركيا لدوام احتلالها وربما ضمها لتركيا إذا سمحت الظروف وخصوصاً بعد هزيمة داعش في عاصمتها المزعومة في الرقة وفي آخر معاقلها في الباغوز علي يد قوات سوريا الديمقراطية المكونة من المكونات السورية وبالتعاون مع التحالف الدولي الذي يضمن حوالي أكثر من 78 دولة أجنبية وعربية ومنظمات مهمة.
  3. رغبة تركيا في توسيع رقعة احتلالها في شمال العراق وشمالي سوريا وآرتساخ وليبيا وفي الخليج العربي واستفادتها من التناقضات الدولية والفترات الانتقالية والبينية وعدم التزامها بتعهداتها والاتفاقيات الموقعة مع الأطراف الدولية كما يحصل حول بلدة عين عيسى وكما يحصل في رغبة تركيا في إفشال الحوار الليبي واستمرار تواجدها في ليبيا، وكذلك في خرق الاتفاقيات في إدلب وفي أرتساخ وفي التأثير التركي الموجود عبر حزب الديمقراطي الكردستاني في الاتفاقية الأخيرة بين إقليم كردستان وحكومة بغداد حول شنكال/ سنجار دون مراعاة إرادة شنكال ومحاسبة المسببين والمقصرين في الجنوسايد الذي تعرض له الإيزيديين في 3 آب 2014 .
  4. عدم توقف تركيا عن استفزازاتها في شرق المتوسط واستمرار تنقيبها وبحثها عن النفط والغاز في الجرف القاري لليونان ولقبرص وزيارة أردوغان لمدينة وساحل فاروشا في قبرص، وبل أن تركيا تدخلت في انتخابات قبرص التركية التي لا تعترف بها سوى تركيا، وجعلت “إرسين تتار” يفوز فيها ومن ثم تقول تركيا أن تقسيم قبرص وحل الدولتين هو الحل، مما يشكل تهديد فاضح وفائض للسلم في جزيرة قبرص،
  5. تشكيل الكثير من الأجهزة والتشكيلات العسكرية الموازية والخاصة لحزب العدالة والتنمية ضمن الدولة التركية كما مع تشكيل حراس الليل وجهاز شرطة موازي في إسطنبول وتحضير السلطة الحالية لقوى ونفوذ مؤثر في حال حصول أي تغيرات تهدد وجود السلطة الحالية على سدة الحكم، وإعادة تنظيم الذئاب الرمادية وخصوصاً في أوربا لتسهيل وصول بعض التهديدات التركية الأردوغانية ‘إلى أهدافها في أوربا للضغط على أوربا والحصول على تنازلات منها حول الملفات المهمة لتركيا.
  6. علاقات السلطة التركية الحالية في السنوات الأخيرة مع روسيا والصين وكذلك مع إيران والسعي التركي لحماية إيران من العقوبات التركية الأمريكية حيث أن تركيا هي من أكبر الدول التي تشتري النفط الإيراني حتى في ظل العقوبات الأمريكية كما ظهر سابقاً مع قضية بنك هالك (بنك الشعب) والمؤشرات القادمة من الحدود التركية الإيرانية.
  7. الخوف والتخبط في السياسة والإدارة التركية مع قرب انتهاء العلاقة الخاصة بين أردوغان وترامب والتي كانت تحمي بعض التصرفات الأردوغانية ولعل التغيرات في تعيين السفراء من قبل أردوغان في عدة دول وكذلك في الإدارة المالية وعزل الصهر برات البيرق وبولنت أرينج وسجن النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي ليلى كوفن بتهمة الإرهاب التي تلصقه السلطة التركية بكل معارض لها مؤشرات للخوف والتخبط والاهتزاز.
  8. بدء معركة الأمعاء الخاوية منذ 27_11_2020 أو الصيام دون توقف في السجون التركية من قبل المئات من السجناء السياسيين الكرد، بغرض حرية المناضل عبدالله أوجلان وإطلاق سراحه، الذي يعيش في حالة عزلة وتجريد شديدة لا يسمح حتى لمحاميه ولعائلته بزيارته منذ 2011 والمسجون في جزيرة إمرالي منذ 22 سنة وفي ظل اعتراف لجنة مناهضة التعذيب الأوربية مؤخراً بوجود تجريد وعزلة غير مقبولة.
  9. استمرار الدعم التركي لكل حركات الإخوان الإرهابية وبل اعتبارها أهم ديناميكية للديمقراطية حسب الإعلام التركي الموجهة للعالم العربي والذي يستهدف الاستقرار والأمن في البلدان العربية، وتقديم كافة التسهيلات لتجميع معظم القيادات الإخوانية في إسطنبول وإطلاق العشرات من المنصات الإعلامية التي تقدم الدعاية لتنظيم الإخوان الإرهابي والتي تبث خطاب الإخواني المحرض على الكراهية والعنف في الدول العربية.

كملخص تنفيذي

من الممكن القول بأن الكثير من شعوب ودول المنطقة والعالم يدركون اليوم خطورة السياسات التركية الاستفزازية، لكن الإشكالية تتمحور حول ماهية المواقف المشتركة والإجراءات والخطوات التنفيذية الواجب اتخاذها لدرء خطر هذه السياسات التركية على شعوبنا في ظل استمرار معظم الدول وحتى بعض الحركات والأحزاب التي تتكلم عن الخطر التركي بعلاقاتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية مع تركيا، وحتى أن أغلب الدول والقوى تتجنب الدخول مع الدولة التركية في صراعات إقليمية حفاظاً على مصالحها الضيقة. كما أن الدول المركزية في النظام العالمي تتجنب التصعيد مع تركيا وما زالوا يتأملون من تركيا التخلي عن سلوكها وأفعالها وإرجاعها إلى بيت الطاعة الغربي كمكان وافقت عليه سابقاً، علماً أن تقديم التنازلات مع المستبدين والدكتاتوريين لا ينفع ولا يوقفهم عن أطماعهم وطموحاتهم في الهيمنة والسلطة والتحكم. وقد ظهر للجميع أن تركيا لا تفهم سوى بلغة القوى الصلبة كما قال أحد المسؤولين الأمريكيين القريبين من تركيا في أن السلطات التركية تفهم وتتعظ عندما تكشِّر أنيابك لها كما فعلنا عند إطلاق سراح القس الأمريكي.

ورغم أن ما تم فرضه من العقوبات الأمريكية والأوربية على الاقتصاد التركي المتزامنين، وتزامن قبلها المقاطعة الشعبية العربية ضد البضائع والمنتجات التركية تظل خطوات في الاتجاه الصحيح رغم عدم فعاليتها المرجوة على المدى القريب، لكنها ربما تتزايد في قادم الأيام مع استمرار السلوك التركي أو ربما يحصل تداعيات لها في الداخل التركي وتتغير الظروف الذي مكّن تحالف القوى الذي جاء بأردوغان إلى الحكم ويتم البحث عن خيارات أخرى من الداخل التركي وتفاعلاتها المختلفة بوجود التأثير القوي للنظام العالمي على الدولة العميقة في تركيا وكذلك على الجيش التركي مع الحروب التي لا تنتهي ويخوضها للحفاظ فقط على سلطة أردوغان وبقائه في الحكم وليس كما تدعيه السلطة وحزب أردوغان عن الأمن القومي التركي الذي اتخذتها تركيا ذريعة للهجوم على الشعب الكردي والعربي واحتلالها للعديد من المناطق.

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

أحمد شيخو: كاتب كردي من سوريا

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق