تقارير وتحقيقاتسياسة

هل يتحول الجولاني إلى غاندي أو نيلسون مانديلا ؟!

أعلنت “جبهة النصرة”، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، فك ارتباطها بالتنظيم الذي قاتلت تحت رايته منذ 2013 وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، على لسان زعيمها أبو محمد الجولاني في شريط فيديو تم نشره في تموز 2017 و كشف فيه الجولاني وجهه للمرة الأولى، لكن هذا التغيير لم يشفع للحركة لدى الروس والإيرانيين والأمريكيين الذين اعتبروا بصيغ مختلفة أن هذا “التلاعب بالكلمات” لن يغير من المحتوى الإرهابي للحركة.

تزامن ذلك مع التقدم الميداني للجيش السوري في حلب واستعادته معظم المدينة، فبدا كمحاولة للتكيف مع التغيرات الميدانية على الأرض ومع التحول الذي جرى في تركيا عقب الانقلاب الفاشل 15 تموز 2016 والذي انعكس أو كان نتيجة تقارب روسي تركي إيراني في مقاربة الأزمة السورية

وفي محاولة أخرى لـ”غسيل سمعتها” أعلنت “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة) عن تأسيس “هيئة تحرير الشام” في بيان لها في 28 كانون الثاني 2017  من خلال قناتها على برنامج “تليغرام”، وضمت “هيئة تحرير الشام”، بالإضافة إلى جبهة فتح الشام، كلاً من حركة نور الدين زنكي (واحدة من أبرز فصائل المعارضة في حلب)، وجبهة أنصار الدين، وجيش السنة ومعقله في حمص وكذلك لواء الحق (الذي ينشط في مدن إدلب وحلب وحماة)، وهي جميعاً تُصنف من الحركات الإسلامية المعتدلة خلافاً لتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش، وفي سياق تأكيدها على الاعتدال، خاضت “جبهة النصرة” معارك ضد تنظيم “داعش” ولاحقت بشكل مستمر الخلايا النائمة التابعة للتنظيم، لإظهار تميزها ورفضها لنهج الأخير، كما حارب الفصائل الراديكالية، كفصيل “حراس الدين” ، كما حدت من نشاط حزب التحرير الإسلامي، وكان ذلك نوعاً من “رش” بهارات الاعتدال على “وجبة النصرة” ذات المذاق الإرهابي اللاذع.

هيئة تحرير الشام: إكراهات الحاضر وخيارات المستقبل - المعهد المصري للدراسات

وفي أيلول 2017 أنشأت جبهة النصرة “حكومة الإنقاذ”، بعدما طردت كافة المجالس والهيئات المرتبطة بالحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض، ومن الطريف أن هذه الحومة اعترضت على أعمال مؤتمر “الرياض 2” الذي انعقد في العاصمة السعودية لبعض أطياف المعارضة السورية في 22 تشرين الثاني 2017، كما وعدت حكومة الإنقاذ بالتحضير “للمؤتمر السوري العام بمشاركة الهيئة التأسيسية وكافة القوى الثورية للخروج بمؤتمر حقيقي وفاعل”، كانت حكومة الإنقاذ جزءاً من انخراط جبهة النصرة في العمل المدني، بحيث يبقى تحت رقابتها، من خلال منح تراخيص العمل للمنظمات المدنية.

وخلال العام الحالي تتالت محاولات جبهة النصرة للخروج على العالم بحلة جديدة، فكان اللقاء المطوّل المثير للجدل الذي أجرته “مجموعة الأزمات الدولية” مع أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة، في 20 شباط 2020 بذل الجولاني في ذلك اللقاء  جهوداً فكرية لتحقيق تكيف مع تقدم الجيش السوري في المعارك التي كانت محتدمة حول أرياف إدلب وحلب، وذهبت التحليلات، في حينه، إلى أن الجولاني في ظهوره الإعلامي مع جهة بحثية غربية كمجموعة الأزمات الدولية، إنما يتابع خطواته السابقة لتقديم جبهة النصرة كمعارضة معتدلة، بعيداً عن التصنيف المتعارف عليه لدى المجتمع الدولي والحكومات غربية بوصفها، منظمة إرهابية، ومن ضمن خطب “النصرة” لود الأمريكيين، هنّأ رئيس المجلس الشرعي في “الجبهة “عبد الرحيم عطون”  الملقب بـ”أبي عبد الله الشامي”، حركة طالبان في 14 أيلول الفائت بمناسبة توقيعها اتفاق تسوية مع الولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة، معتبراً أن الفعل السياسي يحتاج إلى قوة عسكرية تحميه كما يجدر توظيف النجاح العسكري بصورة مكتسبات سياسية، وفي مطلع أيلول الفائت أوردت صحيفة “لو تيمبس” السويسرية الناطقة بالفرنسية في تقرير لها، لـ”عطون” ، جاء فيها إن “ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﻭﺍﻟﻤﻘﻴﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﺇﺩﻟﺐ ﻟﻴﺴﻮﺍ ﻛـ “ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ” ﻭﻻ ﻛﺄﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻗﺔ ﺃﻳﺎﻡ الخلافة، كما ﺃﻥ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﺸﺎﻡ ترغب ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻊ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻣﻊ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺗﺤﺎﻭﻝ ﺣﺎﻟﻴﺎً ﺗﺤﺴﻴﻦ ﺻﻮﺭﺗﻬﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﻭﻝ.” وأضاف عطوان “ﻧﺮﻳﺪ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﺀ، ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﺘﺘﻤﻜﻦ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺎﻓﻲ ﻷﻧﻨﺎ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ ﺩﻭﻟﻴﺔ ﻹﻋﺎﺩﺓ ﺍﻹﻋﻤﺎﺭ”. وختم عطوان بأن “ﻫﻴﺌﺔ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﺸﺎﻡ، ﻫﻲ أﺧﺮ ﻣﻦ ﻳﻘﺎﺗﻞ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻭﺣﻠﻔﺎﺋﻪ، لكنها ﻟﻦ ﻧﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﻭﻥ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ”.

هذه النسخة من الخطاب الذي يرتكز إلى تسويق “جبهة النصرة” كحركة تحرر في مواجهة النظام السوري وحلفائه اعتمدها مسؤولو الجبهة إذ اعتبر “تقي الدين عمر” مسؤول العلاقات العامة في “هيئة تحرير الشام”، في حديث لصحيفة “المدن” اللبنانية، في منتصف تشرين الأول الفائت، أن “هيئة تحرير الشام” لا تعتبر نفسها مصنفة على لوائح “الإرهاب” لأنها تخوض حرباً مفتوحة مع النظام الذي قتل وهجر ملايين السوريين، وجاء بروسيا وإيران لإجهاض الثورة الشعبية.

وكان أخر ما تفتّقت عنه قريحة جبهة النصرة لتحسين أوضاعها خارجياً وداخلياً، هو السماح للمسيحيين بإظهار طقوسهم الدينية. فوفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، احتفل أبناء الطائفة المسيحية في إدلب بعيد الميلاد المجيد، حيث أقيمت طقوس عيد الميلاد والصلاة في دير القديس يوسف في بلدة القنية في ريف جسر الشغور، دون أي معوقات، وجرى الاحتفال على نطاق ضيق ضم أهالي قرية “القنية” بريف جسر الشغور الشمالي، كما احتفل المسيحيون في القرى المجاورة مثل اليعقوبية والجديدة وأقاموا طقوسهم الدينية، وجرت العادة أن تسمح هيئة تحرير الشام للمسيحيين في إدلب، بإقامة الصلوات في الكنائس، لكنها تفرض تغطية الصلبان وتمنع قرع الأجراس فيها.

وحسب المرصد، زار “خطاب الأردني”، وهو أحد أبرز الوجوه في مكتب العلاقات العامة مع وفد من “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة)، دور العبادة للطائفة المسيحية، وأطلعوا على أحوال أبناء الطائفة المسيحية، وفي ذات السياق أعلنت هيئة تحرير الشام و”حكومة الإنقاذ” التابعة لها عن دراسة مشاريع لترميم دور العبادة المسيحية ومشاريع خدمية لمساعدة أبناء الطائفة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق