آراءسياسة

هل ذهب حاتم علي ضحية التاريخ العثماني؟!

خاص وكالة روماف\روسيل

إن نزاع المحاور بين تركيا-قطر ومصر-السعودية – الإمارات يمثل الخلفية الحقيقية لكثير مما يحدث خلال الأعوام الأربعة الفائتة وسنحاول خلال هذا العرض الموجز الإجابة عن التساؤل المطروح: هل هناك صلة بين وفاة المخرج السوري حاتم علي ونزاع المحاور هذا، كما أشار بعض النشطاء والكتاب على مواقع التواصل الاجتماعي؟

نستطيع بسهولة تلمس الغضب التركي من بعض الأعمال الدرامية العربية، التي خرجت مؤخراً لترسم صورة معاكسة لما أرادت الدراما التركية أن ترسمه في ذهن المشاهد العربي، والغضب التركي من مسلسل ممالك النار أشهر من أن يُعرّف، ويحضر هنا تعليق مستشار الرئيس التركي “ياسين أقطاي” في مقال نشره موقع “الجزيرة ” في 1 كانون الثاني 2019  “إن وجهة نظر المسلسل لم تنسَ التاريخ الذي نحاول نسيانه لنفتح صفحة جديدة، ونتعانق مع إخوتنا العرب”، ليجيبه “يوسف أبو اللوز” في صحيفة الخليج “هل يريد (أقطاي) من العرب أن ينسوا سفر برلك أسوأ تهجير قسري مارسه الأتراك العثمانيون على العرب في نجد والحجاز؟ أم يريد للعرب أن ينسوا احتلال تركيا لبلادهم على مدى نحو أربعة قرون”.

قبل ممالك النار قوبل مسلسل “إخوة التراب” منذ 23 عاماً باحتجاج مشابه كأول عمل درامي تناول انتهاكات العثمانيين وحاول إعادة صياغة الرواية المتعارف عليها حول التاريخ العثماني.

إن نزاع المحاور المذكور أعلاه انعكس في وسائل الإعلام التابعة لكلا المحورين، ففي 20 تشرين الثاني 2019 نشرت العربي الجديد التي تتبع المحور القطري-التركي مقالاً بعنوان “الدراما التاريخية والإنتاج السعودي: عندما تفسد السياسة المشهد”، تحدثت فيه عن الدافع السياسي الكامن خلف مسلسل ممالك النار “ببساطة تستغل السعودية (MBC) ومعها الإمارات (شركة جينوميديا الإماراتية المنتجة) صراعها مع تركيا حالياً، لتعيد رواية التاريخ وفق ما يناسب مصالحها الحالية.”

وفي ذات السياق نشرت الجزيرة عدة مقالات حول التشويه السعودي الإماراتي لتاريخ تركيا، واللافت أن شبكة “بي بي سي” البريطانية طرحت في 19 تشرين الثاني 2019 تساؤلاً يصب في خانة المحور القطري التركي “مسلسل ممالك النار: هل تشوه الإمارات التاريخ التركي العثماني؟”، بينما طرحت قناة “روسيا اليوم” في 23 تشرين الثاني 2019 تلميحاً يصب في خانة المحور السعودي-الإماراتي “بين ممالك النار وإخوة التراب: غضب تركي على الدراما غير “المدبلجة”.

بالعودة إلى مسلسل “سفر برلك” نشرت العربي الجديد في 30 تشرين الثاني 2019 مقالاً بعنوان “العثمانيون والمحطات السعودية… صراع سياسي وسط الدراما“، وكانت صورة الراحل “حاتم علي” تتصدر المقال، الذي أعاد الحديث السابق عن ممالك النار والغضب التركي المرافق له، وأتى على ذكر مسلسل “سفر برلك” باعتباره جزء من سلسلة الأعمال السعودية الإماراتية، التي تشوه التاريخ العثماني وتفتري عليه وتعيد قراءته سياسياً.

تُوفي حاتم في فندق في مصر خلال إطلاق التحضيرات لتصوير مسلسل “سفر برلك”، الذي كان مقرراً عرضه في شهر رمضان الماضي إلا أن ظروف كورونا حالت دون إتمامه، ليؤجل لرمضان القادم. ويتناول حقبة الـ “سفر برلك”، والاحتلال العثماني التركي لمنطقة المشرق العربي مع بداية الحرب العالمية الأولى، ثم الثورة العربية ويدور حول الفرمان الذي أصدره السلطان العثماني محمد رشاد في الثالث من آب 1914 يدعو فيه الرجال الذين تراوح أعمارهم بين 15 حتى 45 سنة من رعايا الدولة العثمانية، ومن بينهم رعايا البلاد العربية، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية.

الفرمان أسفرت عنه المآسي والأحزان من المجاعة والفقر والتهجير التي عايشتها غالبية الدول العربية. والعمل من إنتاج شركة “جينوميديا” الإماراتية التي قدمت مسلسل “ممالك النار”، بالاشتراك مع ” MBC” السعودية.

و”سفر برلك” هو عقدة من عقد تاريخنا الحديث جرى كثير من النزاع حولها، فمن تعليق ياسين أقطاي المذكور أعلاه، إلى السجال حولها بين وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نهاية عام 2017 وصولاً إلى مسلسل سفر برلك الذي “أودى بحاتم علي”.

قد يقول أحدهم إن هذا الاستنتاج متسرع ولا أساس له، لكن مشاهدة حساسية المسؤولين الأتراك وغضبهم وتهديداتهم إزاء طرح مأساة سفر برلك من قبل مسؤول سياسي كوزير خارجية الإمارات، إن مشاهدة ذلك كفيلة برسم تصور واضح للدور التركي في وفاة حاتم علي، لقد خاطب أردوغان وزير الخارجية الإماراتي “عليك أن تعرف حدودك، فأنت لم تعرف بعد هذا الشعب (التركي)، ولم تعرف أردوغان أيضاً، أما أجداد أردوغان فلم تعرفهم أبداً”.

فاذا كان الأتراك والإعلام المرافق لهم يحاولون منع وزير خارجية من التحدث في موضوع “سفر برلك”، هل سيتركون حاتم علي يكمل دوره الإخراجي في إنجاز هذا المشروع الأضخم إنتاجياً في العالم العربي، والذي سيكون بلا شك منارة كسائر أعماله السابقة، تساهم في إعادة بناء الذاكرة ورسم حدود الوعي إزاء الحقبة العثمانية، وهو أشد ما يخشاه الأتراك، كما تفصح ردودهم وتصريحاتهم ومقالات الإعلام الضارب بسيفهم حول المسلسلات السابقة كـ “ملوك النار” و”إخوة التراب”.

وسيقول آخرون إن النيابة العامة المصرية أكدت وفاة حاتم علي بالذبحة القلبية، وهو قول يجد إجابة في المسار الثابت لتحسن العلاقات المصرية التركية، والذي نضج في تصريح وزير الخارجية التركي الأربعاء الفائت 30 كانون الأول 2020 “إن تركيا ومصر تسعيان لتحديد خارطة طريق بشأن علاقاتهما الثنائية وإن التواصل الاستخباراتي بينهما مستمر لتعزيز العلاقات”.

زر الذهاب إلى الأعلى