تقارير وتحقيقات

أزمة النقل الداخلي نزيف مستمر للموارد والجهود

تقرير خاص روماف \ ماري مون

تشهد مدينة دمشق وريفها القريب أزمة مواصلات حادة طالت كافة مناحي الحياة العامة والخاصة وتباينت أسبابها بحسب وجهات النظر، إلا أن هناك جملة من الأسباب التي يجمع عليها كل الأطراف (المسؤولون – السائقون – مستخدمو سائل النقل)

المواطنون الذين تتضاعف أعدادهم يومياً على الأرصفة ومواقف السيارات يرون بالدرجة الأولى فشلاً في إدارة ملف النقل ويرشقون المسؤولين عنه بتهم الفساد والرشوة والتكسب على حساب الناس الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً في واقع باتوا عاجزين عن مواكبة أزماته والتعامل مع صعوباته.

أبو العز موظف في قطاع الصحة يقول: لقد بات الأمر لا يطاق ويبدو أن الأزمة ليست عابرة أو طارئة فأزمة النقل مقيمة كغيرها من الأزمات ، ونكابدها كل يوم ويتطلب الوصول إلى عملي صباحاً خوض ما يشبه المعركة الصباحية فقد انتظر لأكثر من ساعة على الموقف حتى أستطيع الحصول على مقعد أو حتى بدون مقعد في أحد السرافيس أو موطئ قدم في أحد الباصات التابعة لشركات النقل، هذا عدا عن التدافع والتزاحم والركض جيئة وذهابا لملاقاة السرافيس وفي أحيان كثيرة اضطر لركوب سرفيس بالاتجاه المعاكس للوصول إلى بداية الخط أملاً بالحصول على مقعد شاغر وهذا يضاعف كلفة النقل ويكون على حساب أساسيات معيشية أخرى نحن بأمس الحاجة لها.

وتضيف رجاء سلوم العاملة في إحدى شركات القطاع الخاص بأنها لا تستطع الوصول إلى عملها في الوقت النظامي في أغلب أيام الأسبوع وأنها كغيرها من الكثيرين تعجز عن تحصيل مقعد في السرافيس في أوقات الازدحام والتدافع حيث تكون المقاعد الشاغرة القليلة من نصيب الذكور المستعدين لخوض معارك (التدفيش والطحش) على حساب الإناث وكبار السن الذين تتضاعف مدة انتظارهم على المواقف. وهذا التأخر يعرضها لمشاكل في العمل ومع مدرائها.

ميساء طالبة في جامعة دمشق قسم التاريخ تروي أيضاً معاناتها المستمرة مع وسائل النقل العامة مؤكدة أنها حرمت من تقديم إحدى موادها الامتحانية بسبب عدم قدرتها الوصول إلى الكلية في الموعد المحدد وقد مُنعت من دخول قاعة الامتحان بسبب تأخرها لمدة ربع ساعة الأمر الذي تسبب لها بالكثير من الإحباط واليأس.

من جهتهم فإن السائقين لهم رواية مختلفة

يقول أبو محمود سائق سرفيس خط المزة-جبل أن مخصصات المازوت بالكاد تكفي إضافة لذلك فإنهم يضطرون للانتظار لساعات طويلة للحصول على المازوت المدعوم وكل هذا الوقت يكون على حساب العمل وبدل أن ينجز ١٠ رحلات يومياً بالكاد ينجز النصف أو أقل ويضيف لذلك يعمد العديد من السائقين إلى القيام برحلة أو رحلتين على الأكثر وبيع باقي مخصصات المازوت وهذا يعتبر أكثر جدوى من العمل في ظل التعرفة الحالية التي بالكاد تكفي لسد الرمق وتكلفة الإصلاح والاهتلاك للمركبة.

وكذلك يضيف أبو العز وهو سائق سرفيس أيضاً على خط المتحلق الشمالي بأن نقص المازوت وانخفاض التعرفة هي التي دفعته لتقليص فترة عمله اليومية وسابقا كانت سيارته تعمل ٢٤/٢٤ساعة ويقودها سائقين يتناوبان عليها طيلة أيام الأسبوع أما اليوم فهو يقودها بنفسه لأربع أو خمس ساعات كحد أقصى وقد تعاقد مع مجموعة من الموظفين لإيصالهم ذهاباً وإياباً إلى عملهم وأثناء دوامهم فأنه ينجز رحلة أو اثنتين كحد أقصى على الخط المخصص له ثم يعود إلى بيته.

وبرر مسؤول قطاع النقل في محافظة دمشق “مازن دباس” في تصريح لـه أزمة المواصلات بالكثافة السكانية التي تشهدها المدينة بعد موجات النزوح الداخلي التي كان لدمشق نصيب كبيرة منها ولتضرر قسم كبير من أسطول النقل الداخلي بسبب ظروف الحرب وعمليات التخريب إضافة إلى نقص المشتقات النفطية بسبب الحصار الجائر، ولم ينف الدباس قيام  أصحاب السرافيس بالمتاجرة بمخصصاتهم من مادة المازوت، وتهربهم من العمل، الأمر الذي فاقم أزمة المواصلات، وأكد أنه يتم تزويد “سرافيس” مدينة دمشق بالوقود وفق جدول يومي إضافة إلى قياس الكيلومتراج اليومي لجميع “السرفيس” من قبل عناصر التموين وقد تم ضبط العديد من السائقين الذين قاموا بالتلاعب بعداد الكيلومتراج الخاص بسياراتهم وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وكذلك تم حرمانهم من تعبئة المخصصات لمدة شهر كامل ، موضحاً أن محافظة دمشق أصدرت في تشرين الثاني من العام الفائت، بطاقات شهرية يتم تبديل ألوانها كل شهر.

وأشار “دباس” إلى أن محافظة دمشق تعمل على تركيب أجهزة تعقب ” GPS” على المواصلات العامة بهدف ضبط خط سيرها، وأنه سيتم العمل عليه قريباً.

وبيّن أنه تم تجهيز غرفة خاصة مجهزة بالسيرفرات وبكل الأساسيات الخاصة اللازمة لعمل (GPS) في مدينة دمشق وسيتم من خلالها مراقبة كل وسائط النقل الخاصة والحكومية.

وأشار إلى أن عدد باصات النقل الداخلي في مدينة دمشق يبلغ نحو 113 تابعة لشركة النقل الداخلي، إضافة إلى نفس العدد تقريباً لشركات النقل الخاصة، ويوجد 3400 سرفيس في دمشق وريفها، وبلغ عدد “التكاسي” العمومي 12 ألفاً

 في ظل حالة مستفحلة من النقص في الموارد والإمكانات تقصر يد الدولة في المعالجة وبين معاناة بعض السائقين وجشع بعضهم الآخر يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة من الأزمات التي تعصف به وتستنزف طاقاته وإمكاناته ولسان حاله يقول متسائلاً :هل بقي نوع من أزمات العالم إلا وكابدناها ؟؟؟؟؟؟؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى