المجتمعتقارير وتحقيقات

الأكلات الشعبية…. أخر خذلان السوريين

تقرير خاص\ وكالة روماف

ماري مون

يوم بعد يوم يجد السوريون أنفسهم يغرقون أكثر فأكثر في أتون دوامة من الفقر والعجز والعوز لدرجة أنهم افتقروا أدنى مقومات العيش أبسط مقومات الحياة حتى لقمة عيش الفقراء لم تسلم للفقراء بعد ،باتوا عاجزين أو يكادون عن تأمينها والحديث هنا عن الطعام والأكلات الشعبية التي طالما كانت ملاذ الفقراء وسترتهم لسد رمق الحياة.

فقد تراجعت الحركة الشرائية المتدنية أساساً وتوجه الكثير من العائلات إلى شراء حاجاتها اليومية المحددة بكميات قليلة «الشراء بالطبخة» بسبب الارتفاعات المتوالية للأسعار في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وبقاء رواتب أصحاب الدخل المحدود على حالها.

وفي الأسواق غابت مظاهر شراء حاجات البيت لشهر أو لأسبوع أو حتى ليوم من أغلبية الشعب السوري التي تعاني الجوع والوجع من ارتفاع الأسعار، وحتى أصحاب المحال تعبوا من البيع بالأوقية وبكميات قليلة وبالبيضة الواحدة وبـ500 ليرة لبنة أو مسبحة….

أفادت مصادر محلية من سكان مدينة دمشق، لروماف، أن المحال والمطاعم المعنية بالمأكولات الشعبية لا تلتزم بالتسعيرة التموينية، إذ صار سعر المادة يختلف بين محل وآخر في ذات الشارع.

وأشارت المصادر إلى أن “سندويشة الفلافل التي كانت بمئتي ليرة سورية، صار سعرها اليوم يتعدى  /600/ ليرة وسطياً وفي بعض المطاعم الشهيرة تصل إلى ٨٠٠ ليرة، والبيع كيفي، كل مطعم يبيع بالسعر الذي يناسبه.”

وكانت سندويشة الفلافل تعتبر “أكل الفقراء، والطبق الرسمي للشريحة التي تقبع تحت خط الفقر”.

تيسير العبدالله فتى في الخامسة عشر من عمره يعمل في محل (كومجي) في منطقة المزة المشهورة بمطاعم الأكلات الشعبية (الفلافل والفول والحمص والفتيات ) يقول :أعمل في هذا المحل منذ ثلاثة أعوام وفي كل يوم كنت اشتري سندويشة فلافل لأتقوت بها حتى عودتي إلى منزلي عند الساعة السادسة مساء، وفي كل أسبوع كان صاحب العمل أبو عبدو يطلب فطور لعمال المحل من مطعم الربيع للأكلات الشعبية وهو مطعم مشهور في منطقة الشيخ سعد في المزة والفطور مكون من الفلافل والمسبحة والحمص والفول إضافة إلى المخللات والخضروات، واليوم لم يعد أبو عبدو يقوم بشراء هذه الوجبة الأسبوعية وكذلك نحن العمال لم نعد قادرين على شراء سندويشة الفلافل بشكل يومي كما كنا نفعل فثمنها اليوم بات ٧٥٠ ليرة وهذا يفوق قدرتي فدخلي اليومي لا يتعدى الـ١٢٠٠ل. س وقد يصل إلى أكثر من ذلك بقليل مع إكراميات من بعض زبائن المحل ولم أعد أشتريها إلا مرة أسبوعياً ولذلك أبقى دون طعام حتى عودتي إلى المنزل .

أبو عدنان صاحب أحد مطاعم الأكلات الشعبية أفاد :بأن مبيعاته اليومية قد انخفضت بمعدل ٥٠٪ وقد صرف قسماً من عمال المطعم مضيفاً أن الكثير من زبائنه الذين اعتاد على رؤيتهم يومياً في مطعمه لم يعد يراهم إلا نادراً إضافة إلى أن هيئة الزبائن تغيرت فبعد أن كان جل زبائن مطعمه من الشغيلة والعمال وبعض رواد السوق أصبح اليوم جل هؤلاء من الطلاب والموظفين  وبعض السائقين وهذا سببه الغلاء في أسعار الطعام الشعبي وعدم قدرة الفئات الفقيرة على دفع ثمنه حيث من الممكن أن يبلغ سعر وجبة لشخصين في مطعمه مؤلفة من صحن فول وفلافل وحمص وفتة  والسيرفس حوالي ١٢٠٠٠ ل.س وحول البيع بأسعار أعلى من التسعيرة الرسمية أفاد أبو عدنان بأن التسعيرة الرسمية التي تصدرها حماية المستهلك لا تمت للواقع بصلة وصلاحيتها لا تتعدى ٤٨ ساعة وفي ظل شح الغاز وارتفاع أسعار الخبز والحبوب والخضار فلا يمكن لأي مطعم أن يلتزم بتسعيرة التموين مضيفاً إن مديريات التموين تصدر تلك التسعيرات معللة ذلك بحماية المستهلك من جشع التجار والحقيقة أن أصحاب المطاعم الشعبية متضررون أيضاً من هذا الغلاء فقد شح رواد مطعمنا وانخفضت أرباحنا ونحن والمستهلك على حد سواء نعاني من هذا الواقع.

إحدى السيدات في سوق الخضار أفادت بأن الواقع لم يعد يحتمل ،هي وعائلتها المؤلفة من ٥ أشخاص باتوا بالكاد قادرين على تأمين طعامهم وتقول ماذا نصنع إذا كنا عاجزين عن شراء أبسط الطبخات فطبخة (المجدرة) التي توصف بأنها طعام الفقير أصبحت اليوم تكلف مبلغ كبير فقد وصل سعر كيلو البرغل إلى ١٩٠٠ل.س والعدس كذلك حوالي ١٨٠٠ ل.س وأضف تكلفة الزيت والبصل والخبز فأن الكلفة تصبح بين ٥٠٠٠_٦٠٠٠ل.س فلو أكلت الأسرة مجدرة طوال الشهر فهي تحتاج إلى حوالي ١٨٠٠٠٠ل.س وكذلك فإن طبخة بسيطة ومتواضعة مثل (الجظ مظ) أصبحت تكلف حوالي ٤٠٠٠ل.س حيث سعر البندورة قارب ال١٠٠٠ل. س والبيض ٢٠٠ل.س للبيضة الواحدة فإن طبخة مؤلفة من ٢كغ بندورة و٥ بيضات باتت تكلف هذا المبلغ ولو أمضيت الشهر كله على هذا النوع من الطعام فأنت بحاجة ١٢٠٠٠٠ل.س شهرياً في حال اقتصرت الأسرة على وجبة واحدة في اليوم وهذا المبلغ يعادل ضعفي راتبي وأنا موظفة منذ ٢٢عاماً.

في أحد البرامج الإذاعية التي استضافت مدير كهرباء حلب منذ أيام للحديث عن واقع التقنين في حلب، تلقى البرنامج اتصالاً هاتفياً من أحد المواطنين يشكوا واقع التيار الكهربائي في حي الملك العادل في حلب هو ساعة واحدة وصل مقابل ١١ساعة قطع التيار وفي ظروف الشتاء وعدم قدراتهم على تأمين الغاز والمازوت فإن الأسرة لم تستطع الاستحمام منذ أكثر من شهر.

مضيفاً بصرخة مؤلمة (والله جربنا…. والله قملنا…). لعلها صرخة مواطن واحد استطاع أن يوصل صوته إلى وسائل الإعلام، لكنها في الحقيقة نطقت بلسان حال غالبية السوريين الذين حولتهم ظروف الحرب إلى فئات هشة ومستضعفة لا تملك من أمرها شيئاً إلا الشكوى وانتظار رحمة السماء بعد أن يأست من رحمة الأرض.

فهل كان أحد في هذا الكون يتخيل أن تنحدر آمال الشعب السوري إلى هذا الحضيض؟؟؟؟


 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى