مقالات الكتاب

انقراض الطبقة الوسطى وانهيار القيم في سورية

 خاص وكالة روماف\ زياد محمد

تستمر تكاليف الحياة في سوريا بالارتفاع، مع انخفاض قيمة الليرة السورية، وقد تخطى سعر صرف الدولار عتبة ٣٣٠٠ ل. س في بعض المناطق بحسب أسعار الصرف المتداولة على مواقع التواصل لا سيما بعد قيام البنك المركزي بطرح فئة الـ 5000ل. س للتداول .

وتتصدر سوريا قائمة الدول الأكثر فقرًا بالعالم، بنسبة بلغت 82.5%، بحسب بيانات سابقة نشرها موقع “World By Map” العالمي.

وكانت بعض المواقع الإلكترونية نقلت في آيار الماضي عن المكتب المركزي للإحصاء”، أن 80% من السوريين المقيمين في مناطق سيطرة الدولة يعيشون تحت خط الفقر.

ويبرز مصطلح “خط الفقر” مع الحديث عن أن 90% من السوريين يعيشون تحته بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا في تصريح لها يعود إلى حزيران من العام الماضي.

والجدير بالذكر أن هذه الشريحة باتت تشمل كبار موظفي الدولة من الوزراء والمدراء والضباط وأساتذة الجامعات وموظفي الفئة الأولى في الدولة فضلا عن سائر الفئات الأخرى والأمر ينسحب كذلك إلى أغلب وظائف القطاع الخاص.

وحتى يتضح الأمر لابد من إجراء حسبة بسيطة لراتب موظف في الدولة بمرتبة وزير أو مدير عام أو أستاذ جامعي أو ضابط برتبة كبيرة حيث تبلغ رواتب هذه الفئة حوالي 150‪ألف ل. س وبفرض أنهم يحصلون على تعويضات إضافية بنسبة ١٠٠٪يكون إجمالي الدخل لهذه الفئة حوالي 300‪ ألف ل. س وهي أقل من 100‪$ شهريا أي حوالي ٣$ يومياً، وبإدخال معدل الإعالة الاقتصادية على هذا الرقم، والتي كانت في بداية الحرب عند مستوى 4 أشخاص وارتفعت إلى حوالي 6.4 شخص معال  لكل صاحب دخل بحسب بعض الدراسات وبذلك تكون النتيجة أقل من 0.5 $لكل فرد من أفراد هذه الفئة التي تعتبر من أعلى شرائح أصحاب المداخل الثابتة في الطبقة الوسطى كما كانت تسمى سابقا واليوم وفق هذه الأرقام المستجدة يمكن القول بأن الطبقة الوسطى في طريقها إلى التلاشي من المجتمع السوري، أو بعبارة أكثر دقة فقد سقطت فئة الموظفين أصحاب الدخل الثابت في القطاعين (العام والخاص) على الجملة من حسابات الطبقة الوسطى في سوريا بعد أن كانت ولعقود طويلة تشكل عماد هذه الطبقة ورافعة الاقتصاد الوطني ومحرك الإنتاج والدورة الاقتصادية.

انهيار القيم الاجتماعية

و معلوم أيضاً بأن الطبقة الوسطى هي الرافعة الأساسية لأي مجتمع  ليس من الناحية الاقتصادية وحسب وإنما من النواحي الثقافية والقيمية والعلمية، فالطبقة الوسطى في أي مجتمع سليم هي حاملة الثقافة والقيم وهي التي تفرض ثقافتها وأخلاقها على هذا المجتمع وانهيارها اقتصاديا ينذر بانهيارات متلاحقة في المستوى الأخلاقي والقيمي وقد بدأت ملامح هذا الانهيار في المستوى الأخلاقي حيث معدلات الجريمة ارتفعت وكذلك مؤشرات العنف الأسرى والعنف ضد النساء والتسول والبطالة والعنوسة وكل ملامح وأعراض الأمراض الاجتماعية بانت بشكل واضح في السنوات الأخيرة من هذه الأزمة ، إضافة إلى انهيار أهم قيمتين من قيم الطبقة الوسطى وهما (قيمة العلم وقيمة العمل)

فـ “العلم كقيمة اجتماعية” اليوم موضع مراجعة ونقد من قبل كثير من الشباب المتعلم حيث وجدوا أنفسهم غير قادرين على تلبية  احتياجاتهم المعيشية ولم تعصمهم شهاداتهم الجامعية وتعليمهم العالي من الحاجة والفقر نظراً لتدني مداخيلهم، مما اضطرهم للبحث عن عمل أخر أو أكثر وبعضها أعمال مهنية لا تناسب شهاداتهم ومستواهم التعليمي والثقافي لكن الحاجة ألجأتهم إلى ما يكرهون، ليجدوا في سوق العمل أن الشرائح غير المتعلمة أو ذات التعليم المتدني ولا سيما أصحاب المهن وحتى العمال المياومين كانت أقدر على التأقلم والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية واستطاعت أن تعدل أجورها بما يواكب السوق وبالتالي حافظت على مداخيلها ومكاسبها ومستوى عيشها ولذلك فإن الفئة المتعلمة كانت أول المنحدرين من الطبقة الوسطى باتجاه خط الفقر ومن ثم إلى خط الفقر المدقع وما دونه.

وكذلك ” العمل كقيمة اجتماعية” لم تعد تحتل مكانتها في المجتمع السوري فالحرب والأزمة الاقتصادية التي رافقتها أعادت توزيع الثروة وسحبت الثروة تدريجياً من أيدي الفئات والقطاعات المنتجة وتحديداً قطاعي الزراعة والصناعة لصالح القطاع التجاري وفئات جديدة ارتبطت باقتصاديات الحرب، ويدل التركز الكبير للثروة في سوق العقارات وسوق السيارات على الضرر الكبير الذي أصاب القطاعات الإنتاجية في سوريا وشكل سوقي السيارات والعقارات (والمقصود بسوق العقارات عمليات البيع والشراء والمضاربة دون الإنشاء والبناء) ملجأ للرساميل الهاربة من تقلبات سعر الصرف والباحثة عن تحقيق ربح سريع وأمن  وغني عن الذكر أن عمليات بيع وشراء السيارات والعقارات لا تعتبر من القطاعات المولدة للقيمة بالمفهوم الاقتصادي وبالتالي فإن الأرباح المتحققة في هذا المجال إضافة إلى  عوامل أخرى منها تقلبات السوق وسعر الصرف ساهمت إلى حد بعيد في تهشيم القطاعات الإنتاجية وطالت أيضا  العمل المنتج كقيمة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية.

ولما كان العلم والعمل هما القيمتين المؤسستين والحاملتين للطبقى الوسطى بات السؤال مشروعا

هل تبقى الطبقة الوسطى في المجتمع إن سقطت هاتان القيمتان؟؟

وهل يبقى المجتمع بهيئته الحضارية إن تلاشت الطبقة الوسطى من تكوينه أم يستحيل إلى حالة بدائية أو غابة يأكل قويها ضعيفها.؟؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى