المجتمعمنوعات

المرأة …… عندما تقتحم اعمالاً ذكورية و….. وتنتصر

خاص روماف /روسيل

في شقة تقع في الطابق السابع في أحد أبنية قدسية نستطيع مشاهدة سيدة تتجول بين ورش الإكساء
في البداية يظن المشاهد أن هذه السيدة هي عابرة فضولية أحبت أن تتجول في الشقة بقصد الشراء لكنها في الواقع مقاولة اشترت تلك الشقة على العظم وتقوم باكسائها اعتماداً على ورش خاصة بها وتعمل منذ عشرين عام “هنا ” سيدة مقيمة في دمشق تجاوزت العقد السادس من العمر لكنها لا تزال تعمل بجد وثبات لأنها تعتبر أن “العمل هو الذي يحدد موقع الإنسان في هذا العالم”
بدأت حياتها العملية مدرسة للتربية الرياضية ولم يخطر في بالها حينها أن الحياة ستقودها إلى ممارسة عمل هو من اختصاص الرجال في الغالب كالتجارة عبر الحدود أو كأعمال المقاولات.
قبل أربعين عام أصيب زوجي بحادث أجبره على البقاء في البيت وكان لابد لي من التقدم والقيام بالمهام الموكلة له، في البداية قمت بشراء الألبسة التركية عن طريق وسطاء، وكانت نادرة في السوق السورية، فكنت أعرضها على معارفي وأصدقائي في غرفة مخصصة لذلك في منزلي، ومن هذه البداية انطلقت، وقرّرت أن اقوم بالمهمة بنفسي، وخلال سنوات من العمل بهذه التجارة البسيطة نضج في داخلي حلم أن أطور عملي، فسافرت إلى تركيا لشراء الألبسة وإحضارها مباشرة بعيداً عن الوسطاء. كنت أدخل البضائع عن طريق الحدود اللبنانية، اعتماداً على بعض المعارف والرشاوي، وكان الأمر محفوفاً بالمغامرة والخطر في البداية، خاصة بالنسبة لسيدة نشأت في عائلة محافظة وتحمل في عنقها مسؤولية طفلين”.
“هنا” استفاضت في نسج خيوط الحلم، فما بدا محفوفاً بالمخاطر تحول بسرعة إلى عمل متقن، وأصبحت تسافر بشكل متكرر إلى تركيا لإحضار ألبسة، تقوم بتوزيعها على بعض محال الألبسة في الحي الذي تقطن به في قدسيا.
تقول هنا “كل شيء مبني على الثقة والعلاقات الطيبة، النجاح في العمل في بلادنا تحكمه العلاقات والثقة وأما المال فهو وسيلة لا تكفي لتأسيس عمل”.
وفي غمرة انشغالها بالسفر المتكرر إلى تركيا، وإحضار البضائع عبر الحدود وتوزيعها على بعض المحال وجدت نفسها تدخل في مجال أعمال جديد، ذكوري بامتياز، هو تجارة العقارات.
“عندما كنت أمر في الشارع وأشاهد عامل لياسة أو دهان يقف على سقالة حديد، كنت أشعر أنني أنظر إلى مشهد فضائي من المريخ غريب عني تماما، لكن الحياة غريبة جداً وهي تدخلنا إلى عوالم لا نتوقعها أبداً”
من فائض الأرباح التي جمعتها هنا خلال تجارة الألبسة اشترت شقة في مساكن دمر وأدخلت عليها تحسينات بسيطة ثم عاودت بيعها وحققت ربحاً معقولاً ومن هذه العملية كرت سبحة تجارة العقارات فقررت امتهان هذا المجال لما فيه من أرباح عالية ومخاطر وجهد أقل قياساً بعملها السابق فأعادت العملية واشترت شقة أخرى في منطقة قدسيا وقامت (بنفضها) أي إعادة اكسائها بنسبة كبيرة ومن ثم بيعها وحققت ربحاً جيداً فتح شهيتها على المزيد من عمليات الشراء والتحسين والبيع وهو ما تمارسه هنا منذ 20 عام.
حول نظرة المجتمع لها أو نظرة العمال والمعلمين والتجار الذي تعمل معهم تقول هنا “الأمر ليس عادي من الطبيعي أن ينظر الرجال باستغراب إلى امراة تزاحمهم في أعمالهم بل وتدير أعمالهم وتوجههم فيها لكن الثقة بالنفس هي العامل الحسم الإنسان الواثق سواء كان ذكر أم أنثى سيتقدم في مساره وسيقود حياته وربما حياة الآخرين وهذا ما جرى معي ببساطة بدأت تاجرة ألبسة استعمل الشنطة لنقل بضائعي وانتهيت إلى تأسيس عملي الخاص في دبي في مجال أجهزة المراقبة والتحكم وهو عمل يديره ولداي اللذان أفتخر بهما فيما لا أزال أمارس عملي في العقارات وفق نظام محدد حيث لا أعمل إلا في مناطق محددة في دمشق كقدسيا وضاحية دمر.

وفي دمشق أيضا تقود “ابتسام” سيارتها “كيا ريو” وغالباً ما يكون برفقتها سيدة أخرى هي الراكب فيما ابتسام سائقة تكسي مخصصة للسيدات
“بعدما تقاعدت وكي لا أشعر بالملل وأموت من الوحدة كما يحصل غالباً للمتقاعدين قررت أن أملأ وقتي بالعمل في البداية عملت في إعادة حياكة الألبسة والأقمشة المستعملة وتحويلها إلى أغطية ولوحات وقبعات وشالات و ….. وإعادة بيعها.
ومن ثم وبالصدفة المحضة قررت أن أستعمل سيارتي الخاصة كتكسي أجرة للنساء من جاراتي ومعارفي كان الأمر في البداية مسلياً ويقتصر على مشاوير محدودة مع جاراتي لكن شيئاً فشيئاً ومع انتشار إشاعة وجود سائقة مخصصة للنساء وجدت نفسي أمارس عملاً حقيقياً يستغرق مني كل يوم اوقات محددة ”
ولدى سؤالها عن عملها كسائقة أجرة في ظل الظروف الحالية الصعبة أجابت ابتسام :” كأي سائق متمرس “نعاني من مشكلة البنزين باعتبار سيارتي خاصة فلا أحصل على ذات الكمية من البنزين المدعوم على البطاقة التي يحصل عليها السائقون العموميون كما أن الازدحام والوقوف في الطابور لتعبئة البينزين أصبح مرهقاً لي هناك أعمال من الأفضل أن يمارسها الرجال لكن لا بأس أن ندخل فيها نحن النساء”
وعن نظرة المجتمع إليها وخاصة أقاربها تقول ابتسام “في البداية واجهت اعتراضات من قبيل (شو بدك انت بهالشغلة ) و (هي مو شغلتك) أو (اقعدي وارتاحي)، لكني لم ألتفت وجدت أن الحياة تستحق أن تعاش وكما يقولون (لا يجب أن يموت الإنسان قبل ساعته) للأسف ثقافتنا تشجع الموت المبكر، المتقاعد يجب أن يموت –مجازياً- حياً والمراة يجب أن تموت –مجازياً- منذ الولادة أما أنا اريد فأريد أن أعيش وأدعوا كل النساء إلى ذلك”.

زر الذهاب إلى الأعلى