المجتمعتقارير وتحقيقات

في مناسبة يوم المرأة العالمي… سوريات مشرقات

خاص وكالة روماف\روسيل

قبل أن تنهي تعليمها الجامعي أو حتى المدرسي، تعلمت “نور حريري” اللغة الإنكليزية من خلال والدها الذي حرص على حثها منذ الصغر على تعلم اللغة وإتقانها، ومن ثم احترفت الترجمة، وعملت لعدة سنوات في مجال الترجمة التجارية والاقتصادية، فأدارت مؤسسة خاصة بالترجمة حين كان عمرها 24 عاماً، ومن ثم تحولت من الترجمة التجارية إلى الترجمة الاختصاصية الفلسفية، معتمدةً في ذلك على ذخيرة قراءة واسعة وعميقة، ساعدتها على فهم النصوص الإنكليزية الفلسفية، وحتى ثلاث سنوات سابقة كانت “نور” لا تزال تعمل كمديرة لمؤسسة ترجمة رغم تنقلها بين سورية ولبنان وإسبانيا وألمانيا.

خرجت “نور حريري” من سوريا في مطلع عام 2012 إلى لبنان، هرباً من ظروف الحرب التي كانت نيرانها تقترب بشكل متسارع من عاصمة الشمال السوري، وفي لبنان أكملت دراستها في الهندسة، بناءً على رغبة مجتمعية، خلّفت لديها لاحقاً “شعوراً” بالندم..

وفي لبنان أيضاً، استمرت في عملها في الترجمة، بالإضافة إلى الكتابة والترجمة الصحافية، وترجمت عملها الفلسفي الأول، ومن ثم سافرت إلى إسبانيا، حيث حازت على المركز الأول في مسابقة المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط للقصة القصيرة، وكانت محطتها الأخيرة في ألمانيا.

تقول “نور” إن القراءة هي “الانطلاقة الأولى” وقد بدأت تقرأ في مجالات مختلفة في سن مبكرة (14 عاماً)، “بحثاً عما يشفي الروح”، على حد تعبيرها، مدفوعة “إلى حد ما” بجو عائلي ذي توجه فني من جهة وعلمي من جهة أخرى، فيما وجدت نفسها تبحر في الفلسفة لتصبح القراءة بالنسبة لها “نمط حياة”.

في ألمانيا تعلمت “نور” اللغتين الألمانية والفرنسية ودرست بكالوريوس وماجستير في الفلسفة والدراسات الأنغلوفونية، ولا تزال شهيتها مفتوحة على مزيد من الدراسة والمعرفة، إذ ترغب في الحصول على ماجستير فيما يسمى بالعلوم الاستعرافية، وقد حاضرت السنة الفائتة بوصفها باحثة مساعدة في جامعة غوته.

اقرأ أيضاً : المرأة …… عندما تقتحم اعمالاً ذكورية و….. وتنتصر

تقول نور إن ألمانيا أتاحت لها فرصة تغيير الدراسة والاختيار من جديد، وفي إجابة على التساؤل: لماذا أتاحت لك ألمانيا اختيار دراستك فيما أرغمتك سورية على دراسة مثيرة للندم لاحقا؟ أضافت “من جهة أولى، المجتمع هو الذي يفرض بأعرافه وظروفه الاقتصادية والاجتماعية أنواعا محددة من الدراسات والمهن، ومن جهة أخرى، كان صعباً عليّ، وأعتقد على كثير من الطلاب، تحديد ما أريد دراسته ومزاولته في سن مبكرة. الطالب في مجتمعاتنا يرمي نفسه في اختصاص جامعي ما من دون تفكير أو رغبة حقيقية، بالاعتماد على معدل البكالوريا على سبيل المثال وما يتيحه له هذا المعدل من اختصاصات جامعية”.

وحول صلة الترجمة بتخصصها الأكاديمي، أوضحت “نور” إنها تجد المجالين مرتبطين واحدهما بالآخر “فأنا لا أترجم إلا الفلسفة ولا أترجم إلا عن الإنكليزية والدراسات الأنغلوفونية تخدم ترجمتي عن الإنكليزية والفلسفة تخدم فهمي للنص الفلسفي”، وأما حول علاقتها مع الفلسفة، سواء القراءة الفلسفية أم عملها في الترجمة المكرس للفلسفة أم دراساتها العليا في الفلسفة، فتوضح “علاقتي مع الفلسفة كانت حاضرة دائماً حتى قبل أن أنتبه إليها، كانت حاضرة في مزاجي العام، في أسلوب الحياة الذي كنت أعيشه الذي يعتمد بصورة كبيرة على العزلة، في اللغة التي كنت أستخدمها، في الشك في كل شيء، في البحث عن المعنى، في الأسئلة التي كانت تشغلني، ما اضطرني إلى القراءة في مجالات مختلفة كثيرة انطلاقاً من الفيزياء الفلكية مروراً بالأدب حتى الوصول إلى الفلسفة”.

وعن حضور الفلسفة في النظام التربوي الألماني تجيب نور “قد يكون الوعي هو الحاضر في النظام التربوي الألماني وليس الفلسفة بصورة خاصة. تُبنى التربية والتنشئة على ثقافة طرح السؤال دائماً، التشكيك في كل شيء، عدم تقديس الآخر، احترام الآخر ورأيه، وهو ما نفتقر إليه في الأنظمة التربوية في مجتمعاتنا”.

تعمل نور حالياً عضواً في هيئة تحرير مجلة ميسلون، وتدير من على منبر المجلة الافتراضي ندوات وجلسات حوارية، تتناول من خلالها قضايا فلسفية واجتماعية، لكنها على الرغم من ذلك تنكر “دورها الثقافي” وتقول إنه يقتصر على “السعي إلى إشراك الشباب في المجلة، والتصدي بذلك للشللية الثقافية المتفشية في المؤسسات كافةً، وتسليط الضوء على قضايا معرفية جديدة”. وتؤكّد في المقابل، بعيداً عن عملها في المجلة، على عملها في كتابة الأبحاث والترجمة، “أحاول ترجمة ما هو صعب ومهم وينقص المكتبة العربية، وقد ترجمت حتى الآن ثلاثة كتب ونشرت بحثين في الفلسفة، وأعمل حالياً على ترجمة كتاب جديد وكتابة بحث في الفلسفة النسوية. وستصدر قريباً ترجمتي الجديدة لكتاب (الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع) للفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر عن دار نينوى”.

العبارة الأخيرة في حديث نور حريري مع “روماف” كانت عوداً على بدء، إذ ختمت بالقول “عمر واحد لا يكفي لقراءة كل شيء”، عائدة بنا إلى الانطلاقة الأولى، إلى القراءة.

زر الذهاب إلى الأعلى