المجتمعتقارير وتحقيقات

هـايـا… الطــفــلة التي جـسـدت روح الأم

هـايـا.... والــطـفـولة الــضــائــعــة

الطفولة التي تحولت إلى زمن ضائع بين ثنايا العاصفة العبثية

حمل النزوح معه من عفرين كل الآلام والمصائب وآبى إلا أن يرافق أصحاب الأرض ويزيد من أوجاعهم.

الطفلة هايا، هي واحدة من بين آلاف الأطفال المهجرين قسراً إلى مناطق الشهباء بريف حلب الشمالي خوفاً من جحافل الجماعات المسلحة الذين استقووا بالأتراك لاجتياح عفرين وقراها الآمنة.

هايا، الطفلة العفرينية المنحدرة من قرية قسطل كيشك التابعة لناحية شران\شرا، كبرت قبل أن تودع طفولتها المليئة بالمعاناة اليومية المثقلة بهموم النزوح.

كانت تعيش مع أمها المريضة في مدينة عفرين التي تركتها مع سيطرة الأتراك الذين جلبوا الخوف والدمار إلى ربوع قرى وبلدات عفرين الخضراء بأشجار الزيتون.

ومع نزوحها إلى مناطق الشهباء برفقة والدتها وجدتها فقدت هايا طفولتها عند منحدرات جبل الأحلام خلف أشجار الزيتون التي ودعتها بدموع الفراق عن أرض عفرين التي ارتوت بدموع الأمهات اللاتي حملنّ أطفالهنّ بعيداً عن أسراب الغربان السوداء.

قصة مأساة هذه الطفلة أن الأدوار تغيرت وحلّت محل الأم وكبرت قبل أوانها رغم سنها الصغير.

هايا ذات الثالثة عشر ربيعاً، أصبحت الأم لوالدتها التي انهارت مع نزوحهم من عفرين بعد فقدان جميع أحلامها على أطراف الطرقات بين أشجار الزيتون المترامية وهم يصعدون جبل الأحلام.

تعيش الطفلة هايا الآن في مناطق الشهباء بقرية الوحشية في ظروف صعبة للغاية بسبب وضع والدتها التي لم تعد قادرة على المشي وأصبحت مقعدة الفراش من شدة حزنها على فقدان عفرين وتخلي زوجها عنها في أصعب ظروفها القاسية تواجه الحياة لوحدها بكل ما تحملها من آلام ومآسي.

دفعت الظروف الطفلة هايا إلى رعاية والدتها المقعدة والاهتمام بها رغم صغر سنها، حيث تعيش حياة مختلفة عن باقي الفتيات الأخريات اللاتي في عمرها.

وُلدت هايا بعد ثمانية عشر عاماً من زواج والدتها التي كانت بالأصل تعاني من مرض خلع الولادة، الأمر الذي دفع والدها إلى التفكير في الزواج مرة أخرى، رغبةً منه بطفل ذكر.

وأمام إصراره في الزواج من امرأة أخرى، ترك زوجته وطفلته هايا وحيدتين مع جدتها التي رافقتهم في رحلة النزوح الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات ولا يعرفون متى تنتهي، ووسط هذه الأحداث المؤلمة أصيبت الأم بانهيار نفسي زاد من مرضها.

تستيقظ هايا كل يوم في الصباح الباكر قبل الذهاب إلى المدرسة للاهتمام بوالدتها المقعدة في الفراش وجدتها الطاعنة في السن، حيث تقوم بتحضير الفطور لوالدتها وتطعمها الطعام وتناولها الأدوية وتنطلق بعد ذلك إلى المدرسة التي تقع في مخيم برخدان للمهجرين قسراً من عفرين.

ورغم كل الصعاب والآلام التي تقاسيها هذه الطفلة تطمح إلى متابعة دراستها وبلوغ هدفها في أن تصبح طبيبة من أجل مساعدة المرضى في الشفاء من الأمراض المستعصية كمرض والدتها.

جدتها التي بلغت الثمانين من العمر، تقول إنها لم تتخلى عن زوجة ابنها الذي تركها وحيدة مع طفلتها، وتضيف الجدة في حديثها أنها تركت كل شيء خلفها في عفرين لأن الأتراك والمسلحين الموالين لها أصبحوا على أبواب المدينة وكانت تسمع حينها قصص الجرائم التي يرتكبونها بحق المدنيين وبالأخص النساء، لذلك لم تأمن على حياة حفيدتها وانضمت إلى ركب الراحلين عن أرض الزيتون خوفاً على حياتهم وأعراضهم وكرامتهم، وتوجهوا نحو الشهباء رغم كل المصاعب والمتاعب اليومية.

الأم عائشة الخمسينية تبدو من ملامح وجهها أنها أكبر من عمرها الحالي، بسبب ما عاشته ومازالت تعيش من مصاعب ومعاناة مع المرض.

بعد ثمانية عشر سنة من الانتظار والحرمان، رُزقت بطفلة وعاد الأمل لها من جديد، لم تكن تعلم بأن القدر كان يخبئ لها المجهول.

لكن هذه الطفلة عوضتها بعض الشيء عما تعانيه من الإهمال والوحدة، أصبحت الأم الصغيرة الحنونة لوالدتها العاجزة عن الحركة.

أصبحت الوالدة طريحة الفراش بسبب بعدها عن عفرين وقريتها وقهرها على ما عاناتها من آلام بعد أن تخلى عنها زوجها وتركها وحيدة مع طفلتها في مناطق الشهباء.

تشعر الأم بالأسف والحزن على ابنتها التي كبرت قبل أوانها وحملت هموماً وأعباءً كثيرة على الرغم من صغر سنها. ولكن هذا العذاب الذي عانته الأم لم تثنيها عن إرسال ابنتها إلى المدرسة لكي تكون فخورة بها أمام هذا المجتمع الذي يجب أن تكون المرأة فيها عنصراً مهماً وتكافح إلى جانب الرجل.

وتتمنى الأم أن ترتاح ابنتها من هذا العناء الذي تكابده يومياً للاهتمام بها ورعايتها رغم صغر سنها، وتناشد المعنيين بمساعدتها ومعالجتها لتستعيد صحتها من جديد وتأخذ دورها في رعاية ابنتها الصغيرة.

هايا التي تركت كل أغراضها وكتبها وألعابها وراءها في عفرين، لم تستسلم رغم الظروف الصعبة، وأكملت الطريق نحو المدرسة وتمسكت بحقيبتها المليئة بالحب والإصرار تجاه لغتها الكردية والتمسك بها أكثر من ذي قبل.

ولدى سؤالها عما إذا كانت ترغب في توجيه رسالة إلى والدها الذي تخلى عنها وعن أمها، انتابها صمت عميق وحاولت أن تخفي دموعها اليتيمة في غربتها ونزوحها المرير.

وأجابت بكل براءة: “ليس لدي ما أقوله …….”

رغم ما تقوم من أعمال وأمور يعجز الكبار عن القيام بها، ماتزال الطفولة ظاهرة في تصرفات هايا التي لم تنس مدينتها التي اغتصبها الأتراك والمسلحون المتطرفون، وقالت بأن عفرين بالنسبة لها هي البيت الأول وتريد أن تعيد إحياء كل ذكرياتها التي عاشتها في عفرين، معبرة عن شوقها وحنينها الكبير للعودة إلى أرض الزيتون ومتابعة دراستها.

وقالت في نهاية حديثها جملة لربما لا يمكن أن يقولها إلا شخص يعرف معنى حب الوطن والأرض والسماء والحجر والبشر، “أنا وُلدتُ هناك ويجب أن أموت هناك …..”

 

 

للتواصل مع العائلة يمكنم الاتصال على الرقم التالي:

+963935804474‎

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى